استئناف الدراسة بالفصل الدراسي الثاني في مدارس 12 محافظة.. غدًا    محافظ المنوفية يفتتح أعمال تطوير مسجد الشهيد عاطف السادات ببركة السبع    "تعليم بنى سويف" الأولى بمسابقة "الإبداع طموح" في مجال البحث العلمي والابتكار    تحركنا قانونيا.. أول تعليق من نقابة الأطباء على واقعة التعدي على طبيب مستشفى الباجور    إزالة 20 حالة تعد ب6 مراكز في أسيوط خلال الموجة ال28 للازالات    الملابس الجاهزة تتصدر قائمة أهم السلع المصدرة إلى تركيا خلال 2025    أزمات غزة وإيران وسوريا والسودان أبرزها، رسائل حاسمة من السيسي لملك الأردن ورئيس تركيا (فيديو)    وزير الخارجية: إسرائيل تعمل على زيادة التصعيد في الضفة وتعرقل وصول المساعدات لغزة    جنبلاط يرفض الضغوط الأمريكية الإسرائيلية: وحدة لبنان أولا    كندا وفرنسا تفتتحان قنصليتهما في عاصمة جرينلاند    تعديل موعد مباراة بيراميدز وإنبي في الدوري    مصدر أمني ينفي شائعات الإخوان بشأن قسم شرطة في الإسكندرية    بحوزته مليون جنيه وسيارة.. ضبط متهم بالتنقيب عن خام الذهب في قنا    ضربات أمنية جديدة ضد الإتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي    مسلسلات رمضان 2026، طرح بوسترات أبطال "فرصة أخيرة"    الأقصر تتزين لاستقبال ابنة ترامب.. جولة ملكية في أحضان الحضارة المصرية    وزير الخارجية: نعمل على خفض التصعيد مع إيران كأولوية قصوى لتجنب المزيد من الصراعات    ياسر جلال ومصطفى أبو سريع يغنيان "الحب اللى كان" من كواليس كلهم بيحبوا مودى    صحة قنا: الكشف على 2424 مواطنا خلال 4 قوافل طبية مجانية بالقرى الأكثر احتياجا    وزير الخارجية يشارك في اجتماع اللجنة الوزارية العربية الإسلامية بشأن غزة المنعقد في سلوفينيا    مراسم دفن سيف الإسلام القذافي تقتصر على أفراد من عائلته وعدد من الأعيان    مصر تعلن دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران    اسعار البيض الأبيض والأحمر والبلدى اليوم الجمعه 6فبراير 2026 فى المنيا    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    الهند واليونان وتونس تشارك في مهرجان أسوان للثقافة والفنون    جامعة المنوفية تعزز مكانتها الدولية وتحقق طفرة غير مسبوقة في تصنيفات 2025    ضبط ما يقرب من 12 طن مواد غذائية و1000 لتر سولار مجهول المصدر بالمنوفية    أهلي 2011 يواجه سموحة اليوم في بطولة الجمهورية    اتحاد اليد يعلن إذاعة الدور الثاني لدوري المحترفين على أون سبورت    محافظ الدقهلية يستقبل وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية لأداء صلاة الجمعة بمسجد النصر بالمنصورة    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    الأوقاف تحيي ذكرى وفاة الشيخ كامل يوسف البهتيمي    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    لوكمان يتألق في الظهور الأول مع أتليتيكو بهدف وصناعة    جيش الاحتلال الإسرائيلى يعتقل 60 فلسطينيا من الضفة الغربية    حريق منشأة ناصر يفتح ملف تنظيم تدوير المخلفات وحماية المواطنين    6 فبراير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    سيدة تتهم سباكًا بالاعتداء على ابنها فى الجيزة    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 6فبراير 2026    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين لصلاة الجمعة اليوم 6فبراير 2026    تحذير من إدمان الألعاب الإلكترونية.. استشاري الصحة النفسية يكشف المخاطر على الأطفال    بعد نجاح لعبة وقلبت بجد.. وزارة الصحة تواجه الإدمان الرقمى بعيادات متخصصة    الإيطالي كيكي مديرًا فنيًا لفريق الطائرة بالزمالك    المنتجة ماريان خوري: يوسف شاهين وثق جنازتي عبد الناصر وأم كلثوم بكاميرته الخاصة    الصحة عن وفاة طفل دمياط: حق أسرة محمد لن يضيع.. نحقق في الواقعة وسنعلن النتائج بشفافية تامة    القومي للبحوث يختتم برنامج التدريب الميداني لطلاب التكنولوجيا الحيوية بجامعة 6 أكتوبر    انتصار تكشف كواليس "إعلام وراثة": صراع الميراث يفضح النفوس ويختبر الأخلاق في دراما إنسانية مشتعلة    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    ذا أثلتيك: ليفربول ملزم بسداد 6.8 مليون جنيه إسترليني ل تشيلسي    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الحرية والعدالة" بمصر على خطى "العدالة والتنمية" بتركيا لقمع الحريات.. حزب أردوغان ضحى بالديمقراطية وسجن 76 صحفياً باتهامات مزعومة.. "الدولية لحماية الصحفيين": شنت واحدة من أكبر الحروب على الحرية
نشر في اليوم السابع يوم 03 - 12 - 2012

منذ بدأ هبوب رياح التغيير على العالم العربى فى مطلع عام 2011، لتمر أولا بتونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا ناثرة مبادئ «الحرية» و«العدالة الاجتماعية» و«الكرامة» و«العدل» و«المساواة»، ظهرت بصورة الفارس المغوار الذى تمكن رغم جميع الصعاب التى طالت البلاد من تأمين حياة اقتصادية أكثر من كريمة لكل مواطن. وكثرت التكهنات والسيناريوهات لمصير دول الربيع العربى، وبات النهج التركى الأقرب للتبنى بعد صعود نجم الإسلاميين خاصة فى تونس ومصر.
تركيا، كانت ولا تزال الهدف الذى تصبو إليه بعض دول الربيع العربى التى ترنحت على مدار العامين بحثا عن الاستقرار والنهوض الاقتصادى والتناغم بين أبناء الشعب الواحد، هذا البلد الذى بدا كأنه يتخلى عن حلمه بالانضمام للاتحاد الأوروبى، ليلحق بركب دول الشرق الأوسط متوجا على عرشه ملكا بتصريحات رئيس وزرائه رجب طيب أردوغان، القوية والصادقة والتى تعبر حقا عن قائد ذى ثقل سياسى كبير استطاع بمهارة أن يقود بلاده إلى مستقبل أفضل لجميع أبنائه.
ولكن كما هو حال كل شىء، لا شىء كامل، فجمال تركيا الباهر إذا ما نظرت بقرب تعتريه شوائب من شأنها أن تحدث خللا كبيرا فى هذا المجتمع العظيم إذا لم يتم علاجها والتصدى لها سريعا، لاسيما وأن هذه الشوائب تقف عائقا فى صلب الديمقراطية والحرية، وتتمثل فى قمع حرية الصحافة والإعلام.
وأكد تقرير لمنظمة «اللجنة الدولية لحماية الصحفيين»، ومقرها نيويورك فى أكتوبر الماضى، تقريرا يتحدث عن «أزمة الإعلام فى تركيا»، أن حكومة رجب طيب أردوغان تشن واحدة من «أكبر الحروب على حرية الصحافة فى التاريخ الحديث»، الأمر الذى أعاد للأذهان السبب الرئيسى وراء رفض الاتحاد الأوروبى ضم تركيا لعضويته، والمتمثل فى أنها لم تحقق تقدما فى مجال حقوق الإنسان وحرية الرأى والتعبير، وعكفت على انتهاك حرية الإعلام كما أساءت السلطة القضائية التركية إلى مبادئ حرية الإعلام والتعبير خصوصا المتعلقة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وعلى الرغم من نجاح حزب العدالة والتنمية التركى فى إنقاذ تركيا اقتصاديا، وإحياء روح ديمقراطيتها سياسيا، فإن اللافت للنظر أنه بعد عقد كامل من نجاحات تركيا الباهرة، بدأت أصوات ترتفع مشيرة إلى أن لنجاحات رئيس حزب التنمية والعدالة، رجب طيب أردوغان جانبا مظلما فى مجال الحريات، ويتمحور معظم النقد الموجه إلى حزب العدالة والتنمية فى هذا الاتجاه على وضع الصحافة وحريتها.
وارتفع صوت الانتقادات ضد الحكومة لتواصل حملة الاعتقالات فى صفوف الصحفيين الأتراك، وقام عشرات من أبناء المهنة باعتصام أمام المحكمة التى أصدرت أوامر الاعتقال فى إسطنبول، كذلك خلت الصحف الكبرى من كتّاب الأعمدة اليومية، تضامناً مع زملائهم المعتقلين وانتقاداً لما وصفوه ب«مناخ الرعب المحيط بالصحفيين وكتاب الرأى».
وبالنظر إلى صيغة تقرير «لجنة حماية الصحفيين»، تجد أنه أمر يدعو إلى القلق. ولب هذا القلق أن المتوقع من حكومة أردوغان هو أنها جاءت معلنة بسط الحريات والتخفيفَ من قبضة المؤسسة العسكرية المشهورة بخنق الحريات. لكن الظاهرة التى أشار إليها تقرير اللجنة أصبح الحديث عنها دارجا فى أدبيات الداعين لحرية الصحافة، ومنتشراً كذلك بين الدبلوماسيين الغربيين المقيمين فى أنقرة.
لكن هذه الصورة التى رسمها التقرير لحالة الصحافة فى تركيا تعارضها كل التصريحات العلنية لقادة حزب العدالة والتنمية ومؤيديه، كما تبدو مناقضة منطقيا لسير النجاحات التركية الباهرة فى مجال الاقتصاد والسياسة.
لذلك يرى كثير من الدارسين لقصة النجاح التركية أن أردوغان ساهم فى بسط الحريات وتقليم أظافر المحاكم التى كانت تضيق ذرعا بأى بسط للحرية أو انتشار لرأى مخالف. فقبل وصول الحزب إلى سدة الحكم فى تركيا لم تكن الصحافة تعيش أفضل أيامها، بل يجزم وزير الشؤون الأوروبية فى حكومة أردوغان إجمن باجيس بأن وضع الحريات عامة قد تحسن كثيرا: «فقبل عشر سنوات فقط، كان نطق كلمة «أكراد» فى تركيا وحده كافيا لخلق المشاكل لأى مواطن، أما اليوم فهناك قناتان تبثان أربعا وعشرين ساعة باللغة الكردية والعربية».
ويُرجِع كثير من الدارسين جذور جدل حرية الصحافة هذا إلى تمركز الطبقة المالكة للإعلام حول الحزب الحاكم ومحاولتها الإفادة من العلاقة به مما ينعكس سلبا على مهنية الصحفيين، «فولوع ملاك المؤسسات الإعلامية بالاحتفاظ بعلاقة ممتازة مع السلطة خلق رقابة ذاتية على الصحافة أكثر مما خلقه أى تهديد مباشر قد يواجه الصحفيين».
وإذا كان يمكننا تفسير خفوت الصوت الصحفى إلى تماس المصالح ما بين الحكام وملاك المؤسسات الإعلامية، فإننا لا يمكن أن نفسر وجود الصحفيين وراء القضبان بذلك.
إذ يستطرد تقرير اللجنة الدولة لحماية الصحفيين تفاصيل تثبت أن 76 صحفيا موجودون خلف القضبان (حتى تاريخ 21 أغسطس 2012) وأن معظمهم ينتمون إلى الأقلية الكردية، ثم يشير التقرير إلى أن اللجنة استفسرت من الحكومة التركية عن هذا العدد الهائل من المعتقلين الإعلاميين واحدا واحدا، لكن الحكومة ردت بأن كل الصحفيين المذكورين اعتقلوا فى ظروف جنائية لا علاقة لها بالعمل الصحفى نهائيا.
لذلك استغرب الصحفى التركى عبد الله بوزكورت، كيف وقعت لجنة حماية الصحفيين فى الخلط ما بين صحفيين يؤدون عملهم وآخرين «أثبت القضاء عضويتهم فى منظمات إرهابية».
لكن اللجنة جزمت فى التقرير السالف الذكر أنها قامت بتحريات عن طبيعة الظروف التى اعتقل فيها كل واحد من هؤلاء، وخلصت إلى أن 61 منهم – على الأقل- اعتقلوا لأسباب ترتبط بعملهم مباشرة.
وبغض النظر عن الجدل ما بين لجنة حماية الصحفيين والحكومة التركية حول إثبات طبيعة المعتقلين الصحفيين وأسباب اعتقالهم، فإن تقارير أخرى كانت تواترت على أن حكومة أردوغان «اعتقلت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من سبعمائة شخصية معارضة ما بين ضباط وصحفيين وأصحاب تليفزيونات وبرلمانيين وجامعيين».
هذا العدد الهائل من المعتقلين جعل أصواتا كثيرة ترتفع فى الغرب لائمة الحكومات الغربية - الأمريكية خصوصا - على سكوتها على ما يصفونه بمحاباتهم لحزب العدالة والتنمية رغم تضييقه على الحريات، مفسرين هذا السكوت بحاجة الغرب لوجود حليف فى العالم الإسلامى يتمتع بشرعية دستوية.
ويرجع الخوف لدى حراس حرية الصحافة فى تركيا إلى أن تتجسّد فى البلاد نزعة بدأت تنتشر خلال السنوات الماضية فى دول أخرى. وهى نزعة التطور الاقتصادى الهائل فى مقابل التضييق الخانق على الحريات، وهى نزعة جسّدت الصين وروسيا أوضح نموذجين لها. فكلما ارتفعت مؤشرات النمو فى هذين البلدين وطالت قامتُهما فى المحافل الدولية ضاق مجال الحرية واتسع المحظور على الناس.
ويكمن الخطر فى مثل هذه الحالات فى أن نجاح الدولة فى مجال الاقتصاد يخلق لدى الناس شعورا خدّاعا يغفر للحكومات خنقَ حرياتهم مقابل الرفاه الاقتصادى، حتى يتوهموا تعذر الرفاه الاقتصادى فى ظل انبساط الحريات.
ويلفت الخائفون من تنامى هذه النزعة فى تركيا إلى تصريحات صدرت عن رئيس الوزراء التركى، مثل طلبه من رؤساء التحرير «تأديب صحفييهم» إذا ما كتبوا عن القضايا العسكرية المرتبطة بالحرب مع حزب العمال الكردستانى. إضافة إلى أى نقد قد يوجه له من طرف أى كان فى هذا الاتجاه، ولعل أشهر تصريحاته بهذا الخصوص السخرية اللاذعة التى وجهها للسفير الأمريكى فرانسيس ركياردونى عندما تحدث عن التضييق على الحريات فى تركيا.
ومهما كانت المسوغات التى تقدمها الحكومة التركية – مثل اتهامها للصحفيين المعتقلين بالانتماء للتنظيم السرى «إرجينيكون» المتهم بالتخطيط لإسقاط الحكومة - فإنها أمام تحد عليها تجاوزه، فمن المزرى أن تتجاوز تركيا فى اضطهاد الصحفيين – حسب تصنيف تقرير اللجنة المذكور- دولاً مثل إيران والصين وإريتيريا، ذاك أهم تحد أمام أردوغان عليه التعامل معه.
وعلى الرغم من تشدق الدول الأوروبية وادعائها بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير فإنها تقف صامتة تجاه انتهاكات حكومة أردوغان التى توصف بأنها صديقة للغرب وتريد تطبيق بنود حقوق الإنسان والمعايير الملزمة للدخول فى الاتحاد الأوروبى.
وكان الكاتب والناشط التركى راغب زاراوغلو صرح سابقا بأن تركيا أصبحت سجنا كبيرا يطارد فيه كل صاحب رأى مخالف عن رأى الحكومة والسياسة الرسمية مطالبا الاتحاد الأوروبى بالضغط على حكومة حزب العدالة والتنمية من أجل وقف الانتهاكات الفظيعة لحقوق التعبير وضمان أمن الصحفيين وحرية عملهم.
وفى حوار سابق مع صحيفة «طرف»، قالت منسقة مركز أعمال السياسات الأوروبية فى جامعة «بيلجى» التركية سينيم آيدين دوزغيت إن «تركيا، بنظر الأوروبيين، ليست بلدا ديمقراطيا، ومعايير الديمقراطية تتراجع، وروابط أنقرة مع أوروبا تضعف، وفى العام 2011 فقط هناك 8702 دعوى ضد تركيا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. فى حين أن الدولة الثانية هى فرنسا بمائة دعوى فقط.
ومع تضاؤل حرية الصحافة فى تركيا، برز موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعى بوصفه ساحة قوية لجميع الصحفيين المستقلين، بسبب الرقابة القوية على وسائل الإعلام التقليدية.
فعندما دخل الصحفى التركى سردار أكينان موقع تويتر فى (ديسمبر) الماضى، وجده يعجّ بأنباء عن وجود «مجزرة» فى جنوب شرق البلاد، فانتقل بطبيعة الحال إلى شاشة التليفزيون ليتأكد من الخبر فلم يجد شيئاً سوى الأخبار اليومية المعتادة.
لم يكتف أكينان بالمحطات التليفزيونية فاتصل بأصدقائه الذين يعملون فى هذه القنوات فأخبروه أن ما نشر على تويتر كان صحيحاً وأن لديهم الصور التى تثبت ذلك، غير أن كل محررى النشرات الإخبارية امتنعوا عن نشر أى خبر يتعلق بالمجزرة لحين صدور تفسير عن الحكومة.
وفى النهاية، وبعد أكثر من 12 ساعة، أفادت وكالات الأنباء أن القوات المسلحة التركية قتلت 34 من السكان المدنيين فى غارة جوية بالقرب من قرية أولوديرى الكردية على الحدود العراقية، وفى الوقت الذى بثت فيه التقارير الأولى التى التزمت بحذر بتصريحات الحكومة، كان أكينان قد ذهب إلى أولوديرى وبدأ التغريد على تويتر ونشر صور للجنازات التى وصلت إلى نحو 80 ألفا من متتبعيه.
وقال أكينان: «كان الأمر بمثابة فيروس، بدأ الناس إعادة إرسال الصور التى نشرتها بينما كانت وسائل الإعلام التقليدية بلا حول ولا قوة، لم يتمكنوا من إخفاء الصور أكثر من ذلك».
وفى هذا السياق، أشارت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إلى أن تركيا تدرس إمكانية اتخاذ المزيد من القيود على حرية الصحافة المحدودة أساساً، وتجربة أكينان توضح كيف بدأ تويتر ينشأ كأداة قوية لتجاوز وتشويه سمعة وسائل الإعلام التركية المكممة.
ونقلت الصحيفة عن أوزغور أوكان، أستاذ الاقتصاد فى كلية الاتصالات فى جامعة بيلجى فى إسطنبول، قوله: «لدينا بديل حقيقى للحصول على الأخبار، وذلك بفضل وسائل الاعلام الاجتماعية، فتويتر خاصة له تأثير كبير على حرية الحصول على المعلومات».
وسجنت تركيا الصحفيين فى أراضيها أكثر من إيران والصين، ومعظمهم اعتقلوا باتهامات «إرهاب» مزعومة، وتأتى تركيا فى المرتبة 148 من أصل 179 دولة فى مؤشر حرية الصحافة التى وضعتها منظمة مراسلون بلا حدود للعام 2011-2012.
والأسوأ من ذلك أن تركيا قد تكون متجهة نحو المزيد من القيود، فالعديد من مشرعى حزب العدالة والتنمية الحاكم يدرسون إمكانية إدخال تغييرات للضغط على القوانين التى يمكن أن تحد من التقارير الصحفية لأسباب تتعلق ب«تعطيل الآداب العامة».
فى غضون ذلك، تحتل تركيا المركز الحادى عشر فى العالم لاستخدام تويتر، وذلك وفقاً لشركة «سيميوكاست» المتخصصة فى التحليل الرقمى. والدافع لاستيعاب وسائل الإعلام الاجتماعية من قبل سكان تركيا هو براعتهم فى أمور التكنولوجيا، إذ يمتلك نحو ربع المستخدمين فى البلاد الهواتف الذكية، وهو ثانى أعلى معدل فى أوروبا الوسطى والشرقية، وفقا لأبحاث السوق لشركة (جى إف كى).
ويأتى الارتفاع الكبير فى استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية فى وقت أصبحت فيه وسائل الإعلام التقليدية غير مستعدة على نحو متزايد لتحمل القصص المثيرة للجدل، يقول إيس تيميلكوران، وهو كاتب عمود فقد وظيفته فى وقت سابق هذا العام بعد أن انتقد الحكومة على خلفية عمليات القتل فى أولوديرى: «لقد أصبح من الطبيعى أن نثنى على الحكومة فى وسائل الإعلام، والنقد أصبح غير مقبول».
ومع ذلك، يدعى تيميلكوران وغيره أن هناك محظورات جديدة، بما فى ذلك انتقاد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وفى الأشهر الأخيرة، شهدت تركيا سلسلة «إقالات وظيفية» لصحفيين بارزين مثل تيميلكوران بعد أن انتقد أردوغان أو حكومته.
وفى الآونة الأخيرة وتحديدا فى شهر مايو الماضى، أطلقت صحيفة ينى سافاك الموالية للحكومة سراح الكاتب على عقل بعد أن كتب مقالاً انتقد فيه بشدة طريقة تعامل رئيس الوزراء مع مأساة أولوديرى.
وأشارت الصحيفة إلى أن أردوغان عزز قبضته على السلطة، فأصبح أقل تسامحاً مع الانتقاد، وبات يشكل خطراً لا بد من تجنبه بالنسبة إلى العديد من الصحفيين المخضرمين. ويقول أكينان: «من السهل جداً السيطرة على وسائل الإعلام الآن، فالحكومة التركية إما تشترى وسيلة الإعلام وتسيطر عليها، وإما تهددها».
ودائما ما تزايد الانتقادات ضد اعتقال صحفيين أتراك، ففى شهر مارس من العام الماضى قررت محكمة جنائية فى إسطنبول باعتقال صحفيين وهما أحمد شيق ونديم شنار لاتهامهما بالانضمام إلى تنظيم أرجينكون والتخطيط لانقلاب ضد الحكومة، الأمر الذى أحدث صدمة فى أوساط الصحافة التركية التى توقّعت أن يفرج عن الصحفيين بعد أخذ أقوالهما أو على الأقل محاكمتهما من دون اعتقال.
وأوردت صحيفتا «أكشام» و«طرف» جزءاً مهماً من عريضة الاتهام، يفيد بأن توقيف شنار وشيق أتى بعد ورود اسميهما فى رسالة بريد إلكترونى أرسلها مجهول إلى الصحفى سونار يالتشن الذى اعتُقل الشهر الماضى، وتطلب من يالتشن الاتصال بشيق وشنار من أجل ضمهما إلى التنظيم ودعوتهما إلى التحريض فى كتاباتهما ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وقال محامون إنه حتى إذا ثبت مضمون الرسالة، فإن ذلك لا يُعتبر دليلاً قوياً على انتماء موكلهم إلى المنظمة الانقلابية المزعومة خصوصاً أن ما تتضمنه من تعليمات لا تحضّ على العنف أو تجاوز القانون.
وأعلن «اتحاد الصحفيين الأتراك» أن العديد من الصحفيين ملاحقون قضائياً، وفى تطور لافت انضم إلى المحتجين فهمى كورو، الكاتب المعروف والقريب من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، والذى أكد أن الحكومة الحالية سوف تدفع ثمنا غاليا من رصيدها لدى الشعب فى الانتخابات البرلمانية القادمة، مشيراً إلى أن حملات الاعتقال العشوائية والتى تحمل رائحة الانتقام هزّت ثقة الشارع فى القضاء من جانب وفى مدى جدية محاكمة من تصفهم الحكومة بالانقلابيين الذين سعوا إلى الإطاحة بالعدالة الحاكم من جانب ثان وعبر الاتحاد الأوروبى وكذا الولايات المتحدة وجماعات معنية بحقوق الإنسان عن مخاوفهم بشأن ما تشير إليه الاعتقالات ومدى التزام أنقرة بحرية الإعلام والمبادئ الديمقراطية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.