كانت تبعثر فى هذه الصور كعادتها.. تلك صورة زفافها على فارسها أحمد، وهذه الصورة تجمعهما مع على وعمر زهرتى حياتهما، وعندما يدق القلب سريعا ويخفق خفقة معتادة، وهى تعلم أنها هنا ستبدأ بما لا تقوى على منعه وهو البكاء الذى حفر لمجراه وأديان على كلثوميها، فتسرع وتغطى كل الصور بفرش سريرها، وتتعجل فى النهوض متجهة إلى غرفة على وعمر تتحسسهما بأناملها برفق الأم الذى يزيد من هدوء الأبناء، ويطغى فى استغراقهما فى نومهما. تتحسس ملامح أحمد فى وجه على، وتنظر طويلا إلى عمر حتى تحتضن صورته وتشبك عليها بجفنيها، هى تحتض فى الحقيقة هذا البعيد القريب والغائب الحاضر. كل ليلة هى على هذه الحال، وتعود لغرفتها تمسك بصور أحمد تسمعه يهمس فى أذنيها كما كان يقول لها عندما تعاتبه على طول بعاده وهو فى سيناء: "نورا... نورا انا معاكى على طول بس أنت مش واخدة بالك" فتتمتم بصخب عال لا يسمعه سوى فارسها: "عارفة انك دايما معايا بس هم مش مصدقين!". تحكى البطلة نورا حكاية فارسها أحمد: "مرت ذكريات عمرى الذى بدأ وكان حينها سبعة أعوام عندما طلبت يدى والدة ابن الجيران وابن زميل والدى فى الجيش، وإن كان كل منهما يخدم فى مكان مختلف وسلاح مختلف، وابن جارة أمى فى حى مدينة نصر وطوال ستة وعشرون عاما كنا خلالها جيران بحى مدينة نصر، وكانت والدته صديقة لحماة أخى، كنا موعودين لبعضنا البعض، وكانت تسأل والدة حبيبى: "لماذا أحمد دون غيره من إخوته" فترد أمى الثانية: "لأنه سيكون له شأن عظيم، وأحب ان تكون ابنتنا من نصيبها مشاركة هذا الشأن العظيم". 12 نوفمبر لعام اثنين وثمانين بعد ألف وتسعمائة كانت ذكرى ميلادى الحقيقى وهم يقولون انه تاريخ ميلاد أحمد، ظلت روحانا تتعانق حتى كنت فى السابعة وهو يسبقنى فى الدنيا بسنوات، فطلبت والدته المدرسة بالتربية والتعليم يدى من أمى وطيلة هؤلاء الستة والعشرين عاما كنت أعشق ولا أعلم عنوانا للعشق لهذا الفارس قبل أن يلتحق بمصنع الرجال، وظل العشق بيننا يدفعنى لأراقبه عندما كان فى مدرسة محمد فريد الابتدائية 1992، وكبر شيئا ما عندما التحق بمدرسة عثمان ابن عفان الإعدادية 1995، ولم أكن اشجعه ليتفوق فى الثانوية النموذجية بل ليسرع فى تحقيق حلمه ليكون كوالده العميد محمد جمعهدة بسلاح المدرعات، ووالدى اللواء محمد عمران اللذان تجاورا فى السكن وتصادقا فى الحياة وتزاملا فى القوات المسلحة حتى تخرج فى الثانوية 1999، والتحق البطل بالكلية الحربية فى 1999 ضمن الدفعة 96 حربية، وتخرج البطل فى الكلية الحربية فى 2002، وتم اختياره ضمن عدد قليل من زملائه لسلاح الاستطلاع , وحصل على كل الفرق الاساسية والتخصصية ومنها فرق القوات الخاصة كالمظلات والصاعقة وكان ينال تقدير الامتياز فى نهاية كل فرقة أو دورة يلتحق بها, وتوالت الوظائف بدءا من قائد فصيلة حتى قائد كتيبة بسيناء، كان البطل محبا للدراسة وراغبا فى إثراء معلوماته العسكرية والتخصصية باستمرار، وناهما لصنوف المعرفة حتى أنه حصل على ماجستير العلوم العسكرية فى مرحلة مبكرة من حياته العملية فى 2017، وكان كعادته من الأوائل على دفعة الماجستير، ولتفوقه العلمى اختارته القوات المسلحة ليكون معلما بالكلية الحربية، وإضافة لما هو كان عليه من علم فذ كان يتصف بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، وكل زملائه وجميع قادته شهدوا له بذلك، فكان البطل حسن السمعة وطيب السيرة، وتخرج على يديه العديد من الضباط من الكلية الحربية، وعندما اشتد الوطيس بسيناء تقدم لطلب الخدمة بها ليقدم لها كل خبراته العملية وعلمه العسكرى، وكان البطل كثيرا ما يردد لى فى أحاديث عن الجيش وسيناء: "خلقنا لنقاتل ولنكون شهداء". وعندما تواجد البطل بسيناء مع كتيبته ذكر لى الكثيرون من زملائه الضباط: "إنه كان مقداما بصفة دائمة، فلم يترك مداهمة أو مهمة لكتبته إلا وكان هو على رأس المنفذين لهذه المهمة أو المداهمة"، وحكى لى جنوده عن افتتانهم بشجاعة قائدهم وأيضا فى ذات الوقت كان عطوفا لأقصى درجة مع جنوده، وكانوا يعتبرونه والدا لهم فى أغلب الأوقات حتى أنهم كانوا يحكون له عن مشاكلهم العائلية والحياتية ويصدقون نصحه وإرشاده لهم، وكثيرا ما أخفى علىّ مساعداته الإنسانية لهم التى عرفتها فيما بعد، وعلمت أيضا أنه كان يخصص وقتا طويلا من إجازاته لزيارة أسر جنوده ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم. أما عن عشقه الاول وهى سيناء، فكان حبه لها وإيمانه بقداسة ترابها هو السبب القوى فى كونه متصدرا زملائه وجنوده فى المهام المختلفة أثناء تنفيذها بسيناء فى مواجهة العناصر التكفيرية، وربما كان إقدامه سببا فى نصح زملائه له بأن يترك قيادة بعض المهام لغيره منهم حتى يعطونه الفرصة فى بعض الراحة، وربما أرادوا أن يقللوا فترات تعرضه للخطر حيث كانت معظم العمليات والمهام الموكلة لكتيبته ذات طبيعة خاصة من الخطورة والأهمية الشديدة وتتطلب درجات السرية القصوى فى التنفيذ. ولإيمانه القوى بدوره تجاه سيناء فكان كثيرا ما يتحدث مع أولاده عن وصف سيناء فى القرآن والكتب السماوية، ومكانة هذه الأرض المقدسة، وأنها كانت مسرى للأنبياء والرسل وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك، وكأنه يزرع حب سيناء فى نفوس أبنائه، على البكر وعمره الآن – 2022 – إحدى عشر عاما فى الصف السادس الابتدائى وعمر الابن الثانى وعمره ثمان سنوات فى الصف الثالث الابتدائى. ومن جانب آخر كنت أستمع إليه فى كلامه عن سيناء وأعلم فى قرار نفسى أنها تشاركنى فى حبه! وربما كان هذا هو الأمر الوحيد الذى لا تغار المرأة منه، ربما لأنني قد تربيت عليه فى بيت والدى الذى كان من رجال القوات المسلحة، وكان هو أيضا كثيرا ما يتحدث إلينا ونحن صغار عن سيناء، وكنت ألحظ فى عين أمى شيئا ما لكنها لم تكن غيرة المرأة على زوجها، لكنه كان أمرا ما أخرو وقد علمت هذا الأمر وكشفته عندما تزوجت أنا – أيضا – من رجل من القوات المسلحة، فعلمت أن الأمر ليس بغيرة قدر ما أنه خوف من هذا العشق الجارف من أن تأخذه حبيبته – سيناء – منى للأبد! وكنت أتحدث ليالى طوال مع سيناء، أذكرها بأن الحبيب لا يؤذى حبيه، وأن الحبيب لا يخبئ للمحب إلا ودا، وكثيرا ما أكرر عليها أن تحفظه حبيبى وحبيبها وتصونه، وأذكرها بأن هذا هو دور الحبيب تجاه المحب. وكامرأة كنت أخفى غيرتى من سيناء التى تشاركنى حبيبى، وكنت أتلوع عندما يجاهر هو بحبه لها وهو معى صاخب الصمت؛ متخذ من أحاديث الأعين سبيلا للتعبير عن حبه لى، وورغم الفارق! إلا أننى لم أصرح سوى لشريكتى فيه – سيناء – وأناشدها أن ترفق به. وأناجى ربى أن يحفظه ويصونه، فقد علمت أن حبه لها – سيناء- قد تحول إلى وله، وصار هو كالهائمين فى ثرى سيناء، وكلما تيقن ذلك فى قلبى اشتد خوفى على حبيبى، فأنا أخفى فى أعماق أعماقي حدثى الذى ينبأنى بخبر قادم أخشاه وأطرده شر طردة من مخيلتى وهو الذى يُلح مرار وتكرارا، كلما تناثرات الأنباء يمينا ويسارا عن أخبار المحبين فى سيناء وما حال من أحوالهم أن أصبحوا أحياء عند ربهم! ما أشد قسوة الحال على الزوجة المحبة بل المفتونة بفارسها إذ تتكالب عليها أخبار الشهداء من الجيران ومن زملاء السلاح ومن ابناء الوطن وكلهم على ذات المسار فى عشق سيناء.. وزوجى هذا مازال يجاهر لا قولا – قط – بل فعلا بعشقه لسيناء! وكانت الوكزة الأولى لقلبى عندما جائنى الخبر بإصابة البطل وهو فى إحدى مهامه بسيناء بقرم القواديس حيث تعثرت مدرعته بغلم أرضى زرعه الخارجون عن الملة والانسانية فاصابوا حبيبى ومزقوا أول قطعة من قلبى نقل على اثرها البطل إلى المستشفى العسكرى بإصابة شديدة فى الراس تستلزم بعد العملية راحة طويلة بالسرير، وطيلة هذه الأيام الثلاثة والأربعين وأنا أنظر إليه وعندما تقاطع نظراتى عيناه أغير – فجأة- كلام عينى الذى أعلم تماما أنه يجيد سماعه وفهمه، وأقول له: "حمد الله على السلامة يا بطل" فيبتسم ويطيل الضحك حتى يخفى عنى تأوهاته الصامتة، ويقول: "يا بطل! .. ده كلام الرجالة فى الجيش" أقاطعه:" طب ما أنا من رجالة الجيش، أبويا منهم وجوزى منهم.. أشمعنا أنا اللى مش ح كون منهم".. يضحك البطل ويهز رأسه بالطمأنينة ويقول: "الحمد لله.. طمنتينى عليكى وعلى الولاد". وانا التى تعلم بما هو بين ثنايا كلام حبيبى، ولما لا؛ وهو حبيبى الذى أسبح حياتى كلها فى خفايا خلايا قلبه، فقد علمت نية أخفاها ضمن كلامه، وأردت إلا أظهر له فضح نواياه التى تؤلمنى، و يبدو أنه ترفق بى، ووافق ما أظهره انا من عدم اكتراثى بما يخفيه. وعاد حبيبى يقول: "أنت نجحتى فى الاختبار" وأعود أنا وأخفى بل أطرد من أعماقى هذا السيل العرم من القلق وأغير مساره إلى إيمان بالله هو سندى فى مواجهة هذا القلق القاتل، وأقول له: "أنا ناجحة طوا ما أنت جانبى".. ويبدو انه قد اختار الرفق بى فقال: "أنا جنبك طول العمر يا عمرى" وأردنا سويا أن ننهى جدلا قد يؤدى بقلبينا فى حينها، فأرفقنا ببعضا البعض. وقطع البطل إجازته المرضية التى كادت أن تصل بعد يومين إلى الخمس بعد الأربعين يوما وربما ستكون هذه المدة الطويلة سببا لابتعاده عن سيناء الذى اراد ان يواصل رحلة خلوده فيها, فارتدى زيه وسافر مسرعا لحبيبته - سيناء- وفى أثناء عدوته الأولى إلى سيناء طفت من أعماقي على مرآة عيناى صور ومشاهد وترددت أقاويل ومسامع أشد قسوة من تلك التى كنت أحاول أن أسيطر عليها وأخفيها لأنها الآن اقتربت من الحقيقة ولم تعد مجرد خيالات أقول لنفسى عنها: "تلك فقط خيالات لا تجعليها تسيطر عليك". وأخيرا عاد البطل لمحبوبته – سيناء- وصارت الأمور داخل الكتيبة كعادته معها، يطمأن على رجاله وتدريباتهم واستعدادهم ويستكمل حاجاتهم الادارية وينقاشهم ويمسع لهم وويشاركهم جميع امورهم فى الكتيبة وخارجها هناك فى الصعيد والدلتا والقناة يترحل مع رجاله كل بحكايته وشؤنه ومن بلد وقرية إلى اخرى مع رجاله داخل دنياهم الأجمل – كتيبتهم – التى تحوى أسرارهم وحكاياتهم جميعا وتلقى بها فى ثنايا سيناء التى تحفظهم عن ظهر قلب وتعلم اسرارهم فى عشقها، وما كان اليوم الأول من عودة البطل قد شارف على الانتهاء معلنا بزوغ فجراليوم الثانى، إلا والبطل كان قد تكلم واجتمع وانفرد بكل رجل من رجال كتيبته وكأنه الوداع لرفقاء السلاح والسلام لرجال الجبهة, وأشرق النهار على حبيبى البطل ممسكا صائما يكمل ايامه البيض فى الثالث والعشرين من شهر شوال العيد 1442 هجريا الرابع من يونيو 2031, ويوم الجمعه الذى شارك حبيبى الحظ من اسمه , وقبيل رفع آذان ظهر الجمعة بهنيهة صعدت روح شهيدى البطل وزوجى الحبيب من سيناء التى طالما عشقها وجاهر عملا وقولا بحبها إلى أن أختصته بالخلود وبصحبة الأنبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقا. وثانية مرت مدرعته على لغم أصاب رأس شهيدى، أصاب هذا اللغم هذه المرة قلبى فمزقه كاملا إلى أشلاء، وفى ذات الوقت وقبل ان يدوى رنين الهاتف معلنا استشهاد حبيب العمر وقبل لحظات كنت امسك بتلابيب هذا القلب الموجوع , اقبض عليه, أعتصر ما تبقى فيه من حياة, وهى تتقطر بالذكريات واحدة تليها أخرى أبتسم واتحسرعليها, وافيق من حالى متسائلة ماذا جرى؟! اتعجب من استباق كئيب لحالة ارفضها منذ أن اصيب حبيبى من عدة اسابيع, ما هذا العناد من تلك الحالة القاسية التى تأبى إلا وأن تطفو أما عيناى حتى أحرك يداى أمام ناظراى وكأننى أمسحها من الوجود الكامن الباطن مسحا, وتارة بظهر يدى الوح لها بالابتعاد كأننى أزحزح جبلا يأبى إلا ان يأتى من الخيال إلى الواقع ليصير حقيقة , استسلمت , فشلت كل حيلة بالابتعاد عن ما يدور داخلى, وبكيت طويلا حتى اسكت بكائى هذا الدوى المفجع لصوت الهاتف يرن وانا انظر اليه , اتردد, اقرر الا ارد على المتصل , وبعد ان اقتنعت بقرارى تماما اجد هذه اليد التى عجزت عن ازاحة جبل الخيال الكئب, تعجز – أيضا – عن السكون والثبات وبتلقائية عفوية عن دون رغبة منى تمسك الهاتف وتفتح الخط على المتصل وتتركنى وحدى فريسة ما يقال من الطرف الآخر على خط التليفون :" السلام عليكم يافندم" لم أرد , أو لم أستطع ان اتفوه وهمهمت بطنطنة بعض من كلام, اقتنع المتصل بها واراد ان يريح عن كاهلة عناء اتصاله وفحوى رسالته, وسريع وبثبات المؤمن قال :" لا تحسبن الذين قتلوا..." فاكملت :" فى سبيل الله امواتا " وكررت " إنا لله وإنا إليه راجعون" وظل قلبى ولسانى يكررا حتى تحجرت عيناى وجف حلقى وتصلبت اطرافى ولم أجد نفسى إلا وانا اسمع الشهيد حبيبى يكرر على " انت نجحتى فى الاختبار" " انا اطمنت عليكى وعلى الاولاد" " انا جنبك طول حياتى"... استقويت بكلام حبيبى الذى صار شهيد واصررت على استكمال ما كان يحلم به ويأمله فى أولادنا حتى نكمل مشواره فى حب الوطن الخالص لوجه الله. ومرت ذكريات عمرى الذى بدأ وكان حينها سبعة اعوام عندما طلبت يدى والدة ابن الجيران وابن زميل والدى فى الجيش وابن جارة امى فى حى مدينة نصر وطوال ستة وعشرون عاما كنا خلالها جيران ابناء اسرتين متاحبتين كنا موعودين لبعضنا البعض، كانت امى تسأل والدة حبيبى: "لماذا أحمد دون غيره من إخوته" فترد أمى الثانية :" لانه سيكون له شأن عظيم , وأحب ان تكون ابنتنا من نصيبها مشاركة هذا الشأن العظيم".