انطلقت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في دورته السادسة والثلاثين، الذي يعقد برعاية من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي - رئيس الجمهورية، تحت عنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، حيث أناب الدكتور المهندس مصطفى مدبولي - رئيس مجلس الوزراء، الدكتور أسامة الأزهري - وزير الأوقاف. المؤتمر يعقد في الفترة من 19 حتى 20 من يناير الجاري، بفندق تريومف بالتجمع الخامس بالقاهرة، بحضور أكثر من مائة وثمانين شخصية علمية وفكرية، من أكثر من خمسين دولة، وبمشاركة أكثر من مائة بحث علمي.
فكرة المؤتمر يأتي هذا المؤمر ليعيد الاعتبار إلى المهنة بوصفها أحد الأعمدة الرئيسة للعمران الإنساني، ومحرگا جوهريًا في مسيرة الحضارات، لا من حيث بعدها الاقتصادي والإنتاجي فحسب، بل من حيث كونها حاملا للمعرفة، ورافعة للقيم، ووعاء للهوية الحضارية. فمنذ اللحظة الأولى لبعثة سيدنا النبي محمد صلي الله عليه وسلم، أرسى الإسلام قيمة العمل الشريف والمهنة النافعة في صلب رسالته التربوية العمرانية؛ فالمهنة في التصور الإسلامي ليست مجرد وسيلة للكسب المادي، بل هي رسالة حضارية تقوم على الإتقان والأمانة والنزاهة وخدمة المجتمع، حتي جعلها سيدنا محمد صلى اله عليه وسلم من أسباب محبة الله لعبده إذا أتقن عمله. وقد شهد العهد النبوي الشريف نشأة منظومة مهنية متكاملة شملت التجارة، والصناعة، والزراعة، الحرف اليدوية، والمهن العلمية، والطبية، وأسہمت هذه المنظومة في بناء البنية التحتية الأولى للحضارة الإسلامية، وحققت مقصد العمران الذي يعد من أعظم مقاصد الشريعة. ومع امتداد التاريخ، لم يكتف المسلمون بممارسة المهن، بل طوروها وارتقوا بها إلى مستوى العلوم، والصناعات، والفنون، فأنشوا المدارس الطبية، وابتكروا أسس علم الفلك، وأرسوا قواعد الجبر، الخوارزميات، وشيدوا العمارة الإسلامية الفريدة، وقدموا إنجازات باهرة في الكيمياء، والہندسة، الميكانيكا البحرية، والبصرية، وغيرها من الميادين. وقد امتازت هذه الإبداعات بكونها نتاج تفاعل خلاق بين المهارة العملية، والقيم الأخلاقية التي بثها لإسلام، ويبثها علماء الإحسان والتصوف المعنيون بالآداب النفسية العميقة التي توجه الإنسان إلى شدة التحري لمعاني الإتقان والدقة والتأنق في كل صنعة يقومون بها، وفي كل فعل يصدر عنهم ، مما أضفى على المهن بعدًا روحيًا وإنسانيًا جعلها سببًا في رفعة الحضارة لا في استنزاف الإنسان. وإلى جانب التجربة الإسلامية، فإن تاريخ الأمم الأخرى يزخر بنماذج لمهن كانت اللبنة الأولى لبناء حضاراتها؛ فالحضارة المصرية القديمة قامت على مهن الزراعة والبناء والري، والهندسة وعلوم الحساب والفلك وقيم الجمال والحضارة الصينية على الحرف الدقيقة وصناعة الورق والبارود، الحضارة اليونانية على الفلسفة والطب والفنون، والحضارة الأوروبية الحديثة على المهن الصناعية والتقنية. وتكشف دراسة هذه التجارب عن الدور التراكمي للمهن في صناعة القوة الحضارية، وعن الاستثمار في تطويرها وتوطينها كان دائمًا مفتاح استقلال الأمم وازدهارها، وهو ما يمكن أن يفيد حاضرنا في صياغة سياسات تنموية رشيدة تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتعزز قدراتنا الوطنية في التصنيع والإبداع. اليوم، تدخل المهن مرحلة غير مسبوقة من التحولات بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، مما يفرض إعادة النظر في طبيعة العمل، وهيكلة المهن، وتطوير المهارات اللازمة للبقاء في سوق العمل المستقبلية. ويقتضي هذا الواقع أن نقرأ الماضي بعمق لفهم جذور مہننا، وأن نستوعب الحاضر ببصيرة لتطويرها وأن نستشرف المستقبل برؤية واعية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتوظف أدوات الذكاء الاصطناعى لخدمة توطين المهن والصناعات الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، دعمًا لخطط الدولة المصرية في الصناعة المحلية وتوطين التكنولوجيا والتعليم الفني والحرفي. ومن ثم فإن هذا المؤتمر يهدف إلى بيان أثر المهن في تحقيق مقصد العمران، وإبراز كيف أسهمت القيم الإسلامية في بناء حضارة متكملة، وكيف يمكن لهذه القيم أن تمد حاضرنا ومستقبلنا بسبل الإتقان والإحسان في العمل، بما يسهم في دعم سياسات التنمية الوطنية، وتوطين الصناعة، وتعزيز التعليم الفني والحرفي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وصولًا إلى بناء نموذج حضاري حديث يستلهم قيم تراثه ويستثمر أدوات عصره.
رسالة المؤتمر تحقيقً لرؤية المؤتمر، فإن رسالته هي النجاح وتنسيق الرؤى والأفكار بين العلماء الحاضرين في المؤتمر وغيرهم على ميثاق يضمن تحقيق ذلك، ويتمثل في: وثيقة القاهرة حول المهن والعمران ومكانتهما في الشريعة، ومدونة السلوك المهني، وأطروحة حول أخلاقيات المهن في عصر الذكاء الاصطناعي، وتدشين فقه أخلاق المهن والت عامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعي، وصياغة مدونة سلوك مهني لكل مهنة وحرفة على حدة، واستجلاء أثرها في الفقه الإسلامي المعاصر. أهداف المؤتمر: توثيق المهن التي وردت في السيرة النبوية ومصادر التاريخ الإسلامي، ودراسة أدوارها في بناء الإنسان والمجتمع وصناعة الحضارة. إبراز القيم الأخلاقية المرتبطة بالمهن في التراث الإسلامي، مثل الإحسان الإتقان والأمانة، وتحليل أثرها في النهضة العلمية والصناعية للمسلمين وحصر إبداعات المسلمين التاريخية في الحرف والمهن والصناعات، وبيان كيف تحولت هذه الإبداعات إلى روافد للمعرفة الإنسانية العالمية . مدراسة المقاربات الحضارية المختلفة للمهن في ثقافات الأمم الأخرى: بهدف استخلاص الممارسات الناجحة، والقيم المشتركة التي يمكن توطينها في البيئة المحلية المعاصرة. استشراف التحولات المستقبلية للمهن في ظل الثورة الصناعية الرابعة وتقنيات الذكا الاصطناعي، وتحليل فرصها وتحدياتها. بحث سبل دمج القيم الأخلاقية الإسلامية في منظومات التعليم الفني والمهني الحديثة، لتعزيز روح الإتقان والإبداع والمسئوليةالاجتماعية. إعداد مدونة سلوك مهني مستمدة من القيم الإسلامية والتجارب الحضارية الناجحة، تكون مرجعًا أخلاقيًا للممارسات المهنية في مختلف القطاعات. إعداد وثيقة القاهرة لأخلاقيات المهن في عصر الذكاء الاصطناعي توازن بين القيم الإنسانية والتطور التقني، وتوجه استخدام التقنيات الحديثة لخدمة الإنسان والمجتمع والحفاظ على الكرامة المهنية.
محاور المؤتمر: تتكامل محاور هذا المؤتمر في رحلة فكرية وعملية متكاملة، تنطلق من تأصيل القيم المؤسسة للمهن، مرورًا برصد التجارب التاريخية وتحليلها، واستلهام الخبرات العالمية، ثم الانتقال إلى دراسة السياق الوطني المصري المعاصر، وصولا إلى استشراف ملامح المستقبل والابتكار المهني في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وذلك على النحو الآتي: المحور الأول: المهن في الزمان النبوي الشريف: إحصاؤها، وآدابها، أخلاقہا، وفقهها. المحور الثاني: المهن في تاريخ المسلمين: من الإبداع إلى بناء الحضارة. المحور الثالث: المهن في حضارات وشعوب العالم: استلهام التجارب لبناء لمستقبل. المحور الرابع : المهن في مصر التاريخ والواقع والمستقبل المحور الخامس: مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي.