لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مصدر معلومات يقبع خلف شاشات هواتفنا، وإنما أصبح صانع قرار يجلس على طاولة المفاوضات في المستشفيات والمحاكم وغرف التشريع. ومع هذا التغلغل المتسارع، بدا أن هناك صداما حتميا بين دقة الخوارزميات ورغبة البشر في فهم ما تقوله تلك الخوارزميات. يمثل الذكاء الاصطناعي القابل للفهم (XAI) الجيل الثالث من الثورة الرقمية، وهو قفزة على الطريق تستهدف تحويل الآلة من كيان "يستنتج" فقط إلى كيان "يفسر" منطق استنتاجه. نحن أمام تحول جذري يعالج معضلة "الصندوق الأسود"؛ تلك النماذج المعقدة مثل الشبكات العصبية العميقة التي تقدم نتائج مذهلة لكنها تعجز عن شرح "لماذا" اختارت هذا المسار. إن الهدف ليس مجرد الشفافية، بل هو الانتقال إلى وبوتيرة متسارعة إلى عصر "المساءلة الخوارزمية"، حيث يكون لكل رقم ولكل تصنيف أصل منطقي يمكن للبشر مراجعته ونقده، مما يعيد تعريف العلاقة بين الذكاء البشري والاصطناعي من التبعية إلى الشراكة الواعية. تطبيقات التشخيص والعدالة: ما وراء الأرقام والبيانات في الميدان الطبي، يطرح الذكاء القابل للفهم مفاهيم جديدة تتجاوز مجرد تشخيص السرطان (باعتباري باحثا في وراثة السرطان)؛ فمن خلال تقنيات مثل "خرائط الانتباه" (Attention Maps)، يستطيع النظام إخبار الجراح: "أنا أصنف هذا النسيج كورم خبيث لأنني رصدت كثافة غير طبيعية في توزيع الأوعية الدموية في هذه الزاوية تحديداً" (وهنا يشير النظام إلى بقعة محددة في النسيج باعتبارها البقعة التي دفعته لاتخاذ ذلك القرار- لك أن تتخيل معي تلك الدقة). هذا النوع من التفسير يمنح الطبيب الثقة لتأييد القرار أو دحضه بناءً على شواهد وفحوصات بصرية ملموسة. وفي عالم المال، ننتقل إلى ما يُعرف ب "التفسيرات المضادة للواقع" (Counterfactual Explanations)؛ فبدلاً من إبلاغ العميل برفض طلبه للحصول على قرض، سيخبره النظام: "لو كان دخلك الشهري أعلى بنسبة 5%، أو لو قمت بسداد بطاقة الائتمان المتأخرة، لتم قبول طلبك تلقائيًا". هذه الشفافية تكسر حاجز الغموض وتمنح الأفراد خارطة طريق لتحسين وضعهم القانوني أو المالي. أما في الصناعة، فتقوم أنظمة XAI بتحليل سلاسل الإمداد وتوضيح العوامل "الخفية" التي قد تؤدي لتعطل الإنتاج، مثل الربط بين تقلبات الطقس في قارة بعيدة وبين تأخر وصول المواد الخام، مما يجعل التنبؤ فعلا منطقيًا وليس مجرد ضرب من التنجيم الرقمي. آفاق 2030: نحو "الذكاء التفاوضي" والوعي المتبادل بالنظر إلى المستقبل، فإننا نتوقع ظهور أنواع جديدة من التفسيرات تتجاوز مجرد الرسوم البيانية؛ سننتقل إلى "التفسير اللغوي الطبيعي" حيث تجري الآلات حواراً مع البشر لتوضيح شكوكها ومواطن ضعف بياناتها. ستظهر نماذج "الذكاء الاصطناعي التفاعلي" (Interactive AI) التي تسمح لك -عزيزي القارئ- بتعديل المعايير بشكل آني لترى كيف يتغير القرار، مما يجعل تلك البرمجيات بمثابة مختبرات تفكير مفتوحة ومتاحة متى شئت. لاحقا، ستفرض التشريعات العالمية تضمين "حق التفسير" كشرط أساسي لترخيص أي خوارزمية قبل إتاحتها للمستخدمين، مما سيؤدي إلى ولادة تخصصات وظيفية جديدة مثل محققي الخوارزميات ومدققي الأخلاقيات الرقمية، وربما قضاة متخصصين في الجرائم الافتراضية Virtual Crimes. لكن الأثر الأعمق لن يكون تقنيًا فحسب، بل سيؤدي إلى نشوء مجتمعات تعتمد "الثقة المبنية على البرهان" بدلاً من "الثقة العمياء"، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي القابل للفهم هو الحارس الأمين الذي يضمن عدم انحراف التكنولوجيا عن المسار الأخلاقي للبشرية، محولاً الخوف من الآلة إلى تمكين لا حدود له للعقل الإنساني في مواجهة تعقيدات العصر. كلمة أخيرة .. لا يزال بإمكاننا في مصر اللحاق بهذه القافلة وإن كانت تسير مسرعة، إلا إن تكلفة الاسترخاء دونها أكثر بمرات من تكلفة محاولات ضمان موضع قدم في تلك القافلة.