نوقن صدق نوايا قيادتنا السياسية، ونثق في حكمة السياسة الخارجية المصرية، وندرك استقلالية القرار الوطني المصري، الرافض قطعًا لكل صور التبعية والانسياق وراء لغات المصالح على كافة المستويات؛ ومن ثم نعلم أنه لا وصاية على الشعب ومؤسساته الوطنية؛ إذ تحركهما وجدانيات المصلحة الوطنية القائمة على حضارة متجذرة وثقافة راسخة، استُلهمت من قيم نبيلة وخُلُقٍ فضيل لا يقبل لغة الانحياز، بل هناك فهم عميق لفلسفة التوازن؛ فما أسرع التغيرات، وما أكثر العلاقات المنتهية عند حدود المصالح؛ لذا لا ارتهان، ولا مغامرة، ولا استقطاب، يفقد الدولة المصرية حق التكافؤ الاستراتيجي. العقيدة السياسية المصرية، تمتلك دبلوماسية رئاسية وخارجية، استطاعت أن تنال الوقار والهيبة، على مستوى الجغرافيا العالمية؛ لذا هناك حسابات خاصة في التعامل معها، في خضم القضايا الشائكة على وجه الخصوص، من منطلق التقدير والاحترام والمكانة المرموقة والثقل الجيوسياسي؛ لذا تحرص مصر على احترام السيادة، وتتجنب التدخل في شؤون الآخرين، وتلتزم بشكل صارم بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأممالمتحدة، وهذا يعني بصورة وظيفية أنه لا سماحَ لأحد بأن يتدخل في الشأن المصري؛ ومن ثم لا ينبغي أن نتدخل في قضايا الآخر، من منطلق ماهية الكرامة الدولية، المعنية بالحفاظ على السيادة، واستقلال القرار. بنيويةُ الشعبِ المصريِّ العظيمِ مغلَّفةٌ بمعنويةِ الكرامةِ والكبرياءِ الوطني، وهذا نرصده في فقه التعامل من خلال سياسة، تقوم عقيدتها على تعزيز الدولة الوطنية دون غيرها، بما يعني رفض التعاون، أو التعامل مع أي جهة غير مؤسسية، مثل الميليشيات المسلحة، أو الكيانات الموازية للدول، كونها تشكل الخطر الداهم على الاستقرار المجتمعي، وتضير بمقدرات الشعوب، دون مراعاةٍ لحقوق الإنسان؛ ومن ثم تحرص مصر على تعضيد شراكتها وصور الدعم للمؤسسات الوطنية والرسمية، وعلى وجه الخصوص في منطقتنا العربية، ومع من تربطنا بهم صلات قويةٌ وتاريخية. في المحافل الدولية تُشاهَد وتُسمَع لغةُ الخطابِ الرصين، عبر من يمثّل السياسة المصرية؛ حيث الشموخ والعزة والترفع والوضوح وعدم الخضوع؛ إنها دولة لها سمت متفرد؛ فالدبلوماسية لا تقوم على الانفعال، أو تنبري على الصوت العالي والصياح، أو التراشق بالألفاظ؛ لكنها ترتكن على فقه الفهم، وصوت العقل، ومخرجات الحكمة؛ فالاتزان الانفعالي يؤكّد قوةَ الموقف، وصدق الكلمة، ووضوح الاستراتيجية؛ لذا لا اعتبار لأحداث تثير أتربةً وعواصفَ تُعدّ عابرةً، وتزول بالمتغيرات. أحد ثوابت عقيدة السياسة المصرية، يكمن في أن الدولة ندٌّ لكافة القوى الدولية؛ لذا تتأتّى القناعة بأنه لا مبرر للتبعية؛ فهناك المقدرات المادية والبشرية، والجذور الحضارية المساهمة في تعزيز فلسفة الاستقلال الكامل غير المنقوص، وعلى إثر ذلك لا تجد أن المفاوض المصري يقف في مربع الضعف، أو الاستجداء؛ لكنه يزأر للحق، ويغور على الباطل، ويقدّم الشاهدَ والدليلَ والبرهانَ الدالَّ على قوة، ومكانة هذا البلد صاحب العزة والكرامة الوطنية؛ ومن ثم باتت الصورة الذهنية لدى المجتمع الدولي واضحة، وأضحت التعاملات في إطار التقدير والاحترام، عبر تثمين الجهود المبذولة حيال إرساء حالة السلم المستدام في شتى ربوع المعمورة. سياسة الكبار تؤكد على مسلمةٍ واضحةٍ المغزى في نفوس الشرفاء، ومن يمتلكون المواطنة الصالحة ومفاهيمها الرئيسة؛ إذ تترفع الدبلوماسية المصرية عن الصغائر، ولا تدخل في مهاتراتٍ لا جدوى منها، في خضم زخم رقمي، بات يسيطر على عقول العامة والخاصة في العالم بأسره، وهذا يدل على منهجية السلوك الأخلاقي الرافضة، للرد على كل من يحاول أن يقلل من الدور الاستراتيجي للدولة وقيادتها، ومن يوجه الإساءة في صورتها الفجّة، ومن يحاول أن يشوّه الصورة الذهنية للوطن الكبير، ومن يجادل من أجل أن ينال جيفة يعتقد أنها غنيمة. الدولة التي تتبنى فكرة السلام القائم على العدل، وليس الاستسلام، مع امتلاك القوة المعنية بحماية أمنها القومي لا شك أن ثوابت عقيدة السياسة المصرية تنطلق من مبادئ سامية؛ حيث إن ماهية القوة الصلبة والناعمة لا نخشى عليها في البلد الأمين.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع. _ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر