على مر العصور والأزمان ظهرت طائفة تخصصت فى التحريم والتضييق على الناس أمور دينهم ودنياهم، حتى صار الحرام عندهم هو الأصل على خلاف الحقيقة، وهى أن الأصل هو الحلال ما لم يظهر دليل جازم على التحريم، وهؤلاء يتمسكون غالبا بظاهر النص ونحن لا ننكر عليهم أن يأخذوا بظاهر النص لأنفسهم، شريطة ألا يلزموا به أحدا. فعندما قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة، بعض الصحابة تمسك بظاهر النص ولم يصل العصر إلا فى بنى قريظة، والبعض الآخر رأى أن يصلى حتى لا يضيع الوقت، وأن المقصود من حديث النبى هو الإسراع ولم ينكر فريق على آخر ما فهمه وهو ما نعنيه تماما عند اختلاف آراء الفقهاء فالقاعدة الأصولية أن نقلد من أجاز وعلينا أن نعلم أن فروع الفقه وصلت لأكثر من مليون ومائتى مسألة، وقديما ألف العالم محمد العثمانى كتابا أسماه (رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة)، وجاء الإمام الشعرانى فى كتابه الميزان الكبير فأكد على عدم وجود اختلاف حقيقى بين العلماء، وقال إن الأحكام كلها تدور بين العزيمة والرخصة. وعلى هذا لا بد لمن يفتى أن يكون عالما باللغة وسبب النزول وكذلك سبب ورود الحديث ويعلم أن هناك واقعة حال وواقعة مقال، وتلك قاعدة أصولية أخرى غاية فى الأهمية فهناك أحاديث تنتهى بانتهاء الواقعة ولا تصير حكما شرعيا وهناك أحاديث تظل دائمة وتبنى الأحكام عليها ومن ذلك الخلاف الشهير وهو هل ينتفع الحى بالميت وهو ما أقام البعض الدنيا عليه، وتمسكوا بظاهر نصوص تمنع التوسل ولا تجيز الانتفاع بالميت بعد خلاف عن حدود انتفاع الميت بالحى، خاصة فى قضية وصول قراءة القرآن وهو خلاف معتمد ومشروع بين الأئمة الأعلام والقاعدة تؤكد أنه لا إنكار فى المختلف عليه ولكن البعض ذهب لأبعد من ذلك فى قضية انتفاع الحى بالميت فأنكروا الانتفاع برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وتناسوا حديث (حياتى خير لكم ومماتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا مت عُرضت على أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن وجدت شرا استغفرت الله لكم). وإذا قالوا هذا خاص برسول الله جئنا لهم بحديث مروى فى جميع المسانيد وصححه الألبانى شيخهم (إن أعمالكم تُعرض على عشائركم واقاربكم ممن سبقوكم إلى الدار الآخرة إن كانت خيرا فرحوا واستبشروا وإن كانت شرا قالوا اللهم لا تمتهم حتى توفقهم لعمل صالح ترضى به عنهم)، حتى قال أبو الدرداء وإنى أخشى أن أعمل عملا يخزى به الله عبد الله بن رواحه وكانا أخوين قبل إسلامهما. كما أننا قد انتفعنا بمراجعة سيدنا موسى ليلة المعراج لسيدنا محمد فى فرض الصلاة وهو ميت، فصارت الصلاة خمسا فى العمل وخمسين فى الأجر. ولو جادل بعضهم فى الانتقاع بالأموات فلن يجادلوا فى قوله تعالى (..وكان أبوهما صالحا) فقد انتفع اليتيمان بصلاح الوالد الميت وقال العلماء إن المقصود هو الجد السابع وذهب بعضهم إلى أنه الجد الأربعين امتد نفعة لأربعين جيلا. ولنا عودة بإذن الله مع العمل بظاهر النصوص ومقصودها إن كان فى العمر بقية إن شاء الله.