الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبطال مرتبكون ودراما متكررة.. عن احتيال نتنياهو على حلفائه وأعدائه والوقت أيضا
نشر في اليوم السابع يوم 15 - 07 - 2025

دراما من فصل واحد، تتكرر على فواصل زمنية متوالية. جولة اليوم لا تختلف عن سابقتها بعد سقوط الهدنة فى مارس، ولا عن ورشة يناير الماضى وعدة محاولات سابقة عليها، رجوعا إلى مداولات التهدئة الأولى فى نوفمبر التالى لطوفان الأقصى. تستعاد الوقائع على صورتها البدائية بلا ملل، ويختبر الطرفان ما جُرّب سلفا وتأكد فشله بالقول والممارسة العملية. لم يُعد السباق مع الوقت؛ بل ضده، ولا يُراهن المراهنون على تفاعلات الميدان والطاولة، بقدر ما يُعلّقون الآمال على السياق المحيط، وأن تطرأ متغيرات خارجية تبدّل التوازنات، أو تحركها عن مواضعها المتيبسة.
لولا التواريخ المتغيرة؛ لصارت أخبار المفاوضات الجارية بشأن غزة نصا واحدا لا اختلاف فيه. إذ باستثناء الإزاحة الزمنية وبعض الإحلال فى الوجوه؛ فإن شيئا لم يتبدل على الإطلاق على مدار عشرين شهرا أو يزيد، اللهم إلا انقلاب الخرائط على امتداد الإقليم، وتقليم أظفار الممانعة وحشرها فى حدود الجغرافيا وقيود الهزيمة، فضلا على أن أحوال القطاع تمضى من سيئ لأسوأ. وما زال البحث جاريا عن أفق سياسى لا ينشغل به الصهاينة، ولا ينظر إليه الحماسيون إلا من زاوية ما يحقق مصالح الحركة، ويضمن لها البقاء فوق الأطلال، أو الخروج من المحنة بأقل الأضرار التنظيمية الممكنة؛ ولو على حساب الغزيين والقضية.
وإذ يستبد الاحتلال بالصفقة سعيا إلى فرض شروطه الكاملة، ويتداول المفاوضون على الجانب الآخر فيما يقل كثيرا عما كان معروضا من قبل؛ فالمشهد يبدو على حاله القديمة دون هامش للحلحلة، حتى مع نبرة التفاؤل التى يتكلم بها الأمريكيون، ويحاولون تعميم إيقاعها على المقاربة الإعلامية المنفصلة تماما عن أجواء الدوحة، وقد دخلت الاجتماعات أسبوعها الثانى دون اختراق حقيقى، وما تزال النقاط العالقة مثلما كانت طوال الشهور الماضية، ولعبة الشد والجذب بين تل أبيب وواشنطن وورثة السنوار فى أعلى مستوياتها. والجميع يحاولون الوصول من جهة السياسة، إلى ما تعذر عليهم بأدوات الحرب.
العقدة الكبرى تُرد المسؤولية عنها بالضرورة إلى زعيم الليكود وائتلافه الحاكم؛ لكن تبادل الاتهامات يحجب حقائق الصورة، ويُعمّى العيون عن التناقضات والخروق المتسعة فى نسيج العملية التفاوضية. وفيما لا يقتنع الاحتلال بأنه لم يحسم أمر الجبهة ليطلب ربحا صافيا، تُكابر حماس فى الإقرار بالهزيمة، وتفتتح خطابها من نقطة قديمة؛ كأنها ما غادرت مستوطنات الغلاف ولا تلقت ضربات قاصمة لبنيتها العسكرية والسياسية، وللحاضنة الشعبية التى تُسدّد عنها أثمانا تفوق طاقة المنكوبين العُزّل. كلاهما يتفاوض كأنه رابح فى حلبة القتال، وكأن الآخر مضطر إلى تقديم التنازلات، مع فارق أن طرفا بمقدوره الاستمرار فى جولات المراوغة وعض الأصابع، بينما تتآكل أوراق الثانى يوما بعد يوم، وتنحصر خياراته فى المفاضلة بين خسارتين.
وإذا كانت الصورة واضحة من جانب الصهاينة، ومن المعلوم بالضرورة أنهم يسعون إلى إنهاء عهدة الفصائل فى غزة، وربما الحلول بدلا منهم باحتلال مباشر، أو بسيطرة عسكرية تتجاور مع إدارة مدنية بنكهة غير تنظيمية، تتخطى السلطة الوطنية كما تستبعد حركة المقاومة الإسلامية، مع امتداد الطموح إلى إعادة تحريك الديموغرافيا تمهيدا لإطلاق مسيرة التهجير؛ فإن مشهد حماس يبدو غامضا وغير متضح المعالم، من الخلاف على شروط الهدنة، إلى القول إنهم جاهزون لإخلاء مواقعهم التنفيذية والخروج من مستقبل القطاع، وصولا لطرح عرضهم المتقدم جدا من قناة الوسطاء، بشأن الرغبة فى الذهاب إلى هدنة طويلة لخمس سنوات أو عشر.
ما يعنى عمليا أنهم يتطلعون للبقاء ضمن فواعل اليوم التالى ولو من طرف خفى، ولم يعد يعنيهم إلا أن يحتفظوا بمقعد حول الطاولة، وبأن تبقى رام الله بعيدة تماما من صفقة التسوية الآن، ومن مقترحات الحل فى أية مرحلة تالية.
وبطبيعة الحال؛ فإن الذئب العجوز يستشفّ تلك الغايات من خطاب الحركة، ويعتصرها لاستخلاص المكاسب الوقتية فى أى اتفاق وشيك، أو تجديد الذرائع كلما احتاج لاستبقاء النار متأججة، أو الحفاظ على الجمر متقدا تحت الرماد.
ومن نافلة القول؛ أن أى بديل أقل صخبا قد لا يصب فى صالح الأجندة الصهيونية، وغالبا ما سينقلها آليًّا إلى صيغة أخرى من الالتزامات، لا يعود فيها شعار القضاء على القدرات العسكرية للفصائل صالحا للتفعيل، ولا يُقبل فيها البحث عن أطروحات تبدأ من الوجود والسيطرة، وتنتهى إلى تقطيع الأوصال وتشريد السكان.
أى أن بقاء القبضة الرخوة لكتائب القسام بالحال الراهنة، يحقق هدفا حيويا للمحتل فى تمرير خطته لما بعد الحرب، ويضمن له فى كل الأحوال أن يظل قادرا على التبريد والتصعيد بحساباته الخاصة، ووفق رؤيته الظرفية وبعيدة المدى.
سيرة نتنياهو مليئة بالاحتيال والألاعيب، من بدايته الدبلوماسية فى واشنطن، وما نسجه من علاقات مع عالم الاقتصاد وجماعات الضغط، مرورا بالتحريض على إسحاق رابين والصعود للسلطة على جثته لاحقا، والتخادُم غير العفوى مع حماس لإفساد مسار أوسلو، وحصار عرفات بالتشغيب الأيديولوجى الزاعق، قبل أن يُحاصر بالكتائب الصهيونية فى مبنى المقاطعة، أو يُرسَل لقبره مسموما فى الحلقة الأخيرة من تفعيل مخطط الاستبدال، وترقية المنافس اليمينى الإخوانى على حساب منظمة التحرير وشرعيتها المُقعّدة بالقانون والاعتراف الدولى، وهى آخر ما تبقى من خطايا اليسار المؤسس، ويستكمل اليمين المتطرف طقوس الانقلاب عليها والتكفير عنها بالدم.
والآن يوصل الرجل لعبته الاحتيالية فى آخر رحلته؛ لا إدمانا للوصفة السهلة فحسب، بل لأنه يجنى المنافع من هذا السلوك، وينافح عن أسطورته المهددة بالتداعى والتهشيم.
لقد اضطُرّ دون رغبة منه لدخول الحلقة الأحدث من المفاوضات. وكان قد اختبر الإملاء الأمريكى فى تجربة يناير، ولم يُرِد أن يُكرِّر التجربة؛ ولو أفضت فى الأخير إلى مُلاقاة أهدافه الدائمة، عبر استخلاص طابور من الأسرى ثم العودة إلى القتال مُجدّدًا.
لهذا؛ استبق زيارته الثالثة إلى واشنطن بإرسال وفده المفاوض للدوحة، منزوع الصلاحيات كالعادة، واكتمل له ما أراد باختيار إيقاع الرقصة مع ترامب فى البيت الأبيض، على خلفية من الرسائل الرمادية المتدفقة من ساحل الإمارة الخليجية الصغيرة، وبقدرٍ من الالتباس يسمح له بخداع الجميع، وفى مقدمتهم حُلفاؤه التوراتيون فى الائتلاف، المُهدِّدون دائمًا بمُغادرة الحكومة مع أى اتفاق ينهى المقتلة الدائرة دون إحراز كامل نتائجها المطلوبة.
لم يتوقف العجوز عن مُهاتفة وزير ماليته المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، خلال وجوده فى العاصمة الأمريكية. كان يمضغ الكلام الهادئ مع الرئيس بعد مُغازلته ببطاقة التزكية لترشيحه إلى جائزة نوبل، ويُطمئن الشريك بأنه لن ينزل عن الشجرة على أرض غريبة، أو بالمُخالفة لِما بُنِى عليه الائتلاف قبل الطوفان، وتوطّدت دعائمه بدرجة أكبر بعد تداعياته الثقيلة ومعاركه المفتوحة على كل الجبهات. صحيح أن المخاوف أعلى فيما يخص وزير الأمن القومى إيتمار بن جفير؛ لكنه اختبر خروج الأخير وعودته للحكومة فى الهُدنة السابقة، ويعرف أن فرط الحركة لديه سيكون بلا تأثير لو نجح فى تثبيت جناحه الثانى، وضمان أن يُحافظ على الأغلبية الحالية دون احتياج لشبكة الأمان المعروضة عليه من المُعارضة.
وعليه؛ فإنه يُغازل الامبراطور فى واشنطن ويُعطيه من طرف اللسان حلاوة، فيما يُنوِّم الشُركاء فى تل أبيب، ويُدير نزاعاته مع حماس بوتيرة لا تقطع الخيط، ولا ترخيه تماما، كما لا تتوقف عن المُراهنة على حماوة التنظيم واستثارة شعوره بالمخاطر الوجودية الكامنة فى الصفقة. وهو يعرفُ حُكما أنه مُلزَم بالخروج من النقطة المُحايدة فى قلب العاصفة، والانحياز عمَّا قريب إلى إحدى الجهات، أكان بالتنازُل عن بعض ثوابته الُمعلَنة، أو بنسف الطاولة واستعادة رجاله من الدوحة، وعليه فى كل الأحوال أن يُنجز الخطوة التالية دون استفزاز ترامب، أو إبداء أنه يخرج من عباءته أو يتعالى على أولوياته ومصالحه الخاصة فى الإقليم.
وأقرب التصوُّرات هُنا أنه يضغط لتحسين الشروط، وسيرضخ بعد وقت لمُقتضيات الاتفاق على تبريد مؤقت للجبهة الغزّية الساخنة، مع الركون إلى عادته المُتكررة بشأن استعادة الزخم بعد فاصل قليل من الارتياح، وتفعيل منطق التفاوض تحت النار وصولاً إلى «السلام من خلال القوّة». لكن ما يمنعه من الذهاب للهدف المقصود على وجه السرعة؛ أن الحدَّ المطلوب من منافع الاتفاق لم يتأمّن بعد، ومخاطره على الجبهة الداخلية تعلو على عوائده فى القطاع. إنه يسرق الوقت ويستنزف الطاقات، ويرقص على الحبل المشدود ليسحر عيون المُتفرجين عليه من كل الجهات.
المُرجَّح أنه تذرّع أمام ترامب بمواقف حلفائه اليمينيين، وضغط عليهم بأشراط واشنطن وتوصياتها، ويُوظِّف المسألتين فى تهيئة البنود المُتحرّكة بين المُتداولين فى قطر. وربما لم تخلُ الكواليس من محاولات تطويع للتوراتيين وأحزاب المستوطنين بمخاطر الاضطرار لانتخابات مبكرة، أو اللجوء إلى البديل المُتاح عبر شبكة الأمان من يائير لابيد وغيره، وأخيرا ما تردَّد عن مُقاربته مع بينى جانتس لإلحاقه بالائتلاف وتحييد ورقة كُتلة الصهيونية الدينية. وهو فى كل الأحوال لا يريد أن يبدو ضعيفًا أمام ترامب، ولا رخوا مع الشركاء، ولا معوزًا إلى إسناد الخصوم والمناوئين.
لنتنياهو سيكولوجية حاكم مُستبد، ويُحب أن يتصدّر الصورة بمفرده، وأن يكون البطل الوحيد لمواكب الاحتفال المُرتجاة، خصوصا بعد الانتصارات المُتحقّقة بالذراع مع حزب الله فى لبنان، وبالتآمر والتسهيل فى سوريا، وبالتحوّل الاستراتيجى العميق لعقيدة الدولة من الردع إلى القوة الاستباقية مع رأس المُمانعة فى إيران. ولأجل اكتمال العوائد والأرباح يتعيّن أن يُبقى دائرة الحُكم على حالها، وأن يُطوِّق المعارضة بمزيد من النجاحات المُعزّزة لمركزه مقابل الخصم من مراكزهم، وأن يُجرى حساباته الزمنيّة بدقّة لا تُفوِّت عليه مزايا التهدئة، ولا تُحمِّله مزيدًا من أعباء الحرب دون أُفق سياسى.
وما يُحقِّق له كل تلك الأمانى أن تكون الهُدنة على ساعته الشخصية، وبكيفية تُمكّنه من تحييد النزاعات داخل الائتلاف، وإرباك المُترصّدين من خارجه، واستجلاب الرعاية الأمريكية إلى ملعبه بالشروط والقواعد المحققة للإقناع الآن، والضامنة لمأمونية الانقلاب لاحقا. وعليه؛ فإنه يُراهن غالبا على الأسبوعين المقبلين، عندما يطول مدى التفاوض فتستشعر حماس الخطر وتبدأ فى التزحزح عن مواضعها، وقبل أن يضيق صدر ترامب وتُستنفَد قدرته على الصبر، وبالتزامن مع تجميد الساحة السياسية داخليًّا وتفويضه الاعتيادى المُطلق فى كل الشؤون لثلاثة أشهر كاملة.
يدخل الكنيست إجازته السنوية بعد أقل من عشرة أيام. عندها لا يكون بمقدور الحلفاء أو الخصوم أن يُسائلوه برلمانيا، ولا أن يطرحوا الثقة فى الحكومة أو يكسروا أغلبيتها القائمة. والهُدنة المُحدَّدة بشهرين تضمن له أن تبدأ وتنتهى قبل عود النواب من راحتهم؛ فيتحقّق له إرضاء سيد البيت الأبيض أوّلا، وتهدئة أهالى الأسرى أو بعضهم بصفقة جُزئية، وربح مزيدٍ من النقاط فى مواجهة بدائله المُنقسمة على نفسه من تيّار الوسط، وأخيرًا لن يعدم منفذًا إلى الاحتيال على التسويات المُتّفق عليها، والعودة إلى تجديد حربه للمرة الثالثة، وبالكيفية نفسها تقريبًا، مع فارق أنه سيكون فى موقع أفضل أمام حماس والائتلاف والمُعارضة والرُّعاة الأمريكيين.
عندما ينتهى الشهران؛ سيكون مُطلق اليد تمامًا فى تجديد الهُدنة أو إنهائها، مع مُتّسع طويل للتهديد أو الترغيب داخل البيت، ولاجتذاب طيف من القوى السياسية، أو تعميق انقساماتها على نفسها. سيكون ترامب مُغتبطًا بالنزول على إرادته، وقد انقضت لحظة الترشح لنوبل السلام أو أوشكت. الحركةُ ستزداد ضعفًا بارتخاء ساعدها، وسيتساوى خروج التوراتيين مع بقائهم فى الحكومة. ولعلّهم سيُوازنون بين عائد البقاء، وكُلفة المُغادرة؛ لا سيما أنها لن تُغير من تركيبة الحُكم أو توازناته فى زمن الغياب النيابى. وقد يهدأ فورانهم ويتصالحون مع الترتيبات بأثر الوقت، أو باستشعار أنهم حُيِّدوا عن المعادلة، ويُغامرون بالخروج من عباءة نتنياهو بعدما صار الرابح الوحيد، مع استحالة أن يعودوا للحكومة فى أيّة انتخابات يُهدِّدون بالالتجاء إليها أو فرضها عليه.
ينتقد نتنياهو إعلام تل أبيب، زاعما أنه يتبنّى رواية حماس عن المُعوِّقات التى ينثرها فى طريق الصفقة. يدّعى أنه وافق على ورقة ويتكوف، وأقر نسختها المُعدّلة من جانب قطر، فيما الاستعصاء يتأتّى من جانب الحركة بإصرارها على البقاء، طمعا فى إعادة التسلّح وتكرار الطوفان. وفيما يُبدى المبعوث الأمريكى تفاؤله؛ فلم يصل إلى الدوحة بنهاية الأسبوع الماضى كما كان يعِد سابقًا؛ ما يدلّ على أن الورشة مُعطّلة وولادة الاتفاق مستعصية حتى الآن.
وإلى اللحظة؛ يظل نتنياهو الرابح الوحيد تحت كل الاحتمالات. الحرب لم تعُد تزعجه أو تُهدِّد بقاءه؛ بل على العكس تحميه وتحرس ولايته إلى آخرها. يُدافع عن سيرته السياسية فى آخر حلقاتها، وليس لديه ما يخسره غالبا. أما الحماسيّون؛ فقد خسروا كل ما يُمكن، ويسحبون من رصيد القطاع على المكشوف. انحلّت سُلطتهم الفعلية على القطاع؛ لأنه ما عاد موجودا من الأساس، ويعرفون أنه لا أُفق لهم فى أى مستقبل ضمن الاتفاق أو من دونه، وما سرقة الوقت التى يُصرّون عليها إلا استمراء للنزف المجانى المتواصل، وعجزًا عن اقتراح بدائل موضوعية مُقنعة، أو الانخراط فى المطروح منها وطنيًّا أو من جانب الوسطاء.
الصفقة اليوم أفضل من غد؛ مهما كانت الضغوط والاشتراطات. مثلما كانت نسخة يناير مُتقدّمة على ما يُطرَح الآن، ومُقترحا مصر وبايدن فى مايو الماضى أفضل كثيرًا من إملاء ترامب ومبعوثه ويتكوف قبل موعد تنصيبه رئيسا. تسير الأمور من سيّئ إلى أسوأ؛ لأن الحماسيِّين ليس لديهم ما يُقاومون به توحّش الصهاينة وانفلاتهم، ولا يُريدون أن يبذلوا ما عليهم من تضحيات إلزامية لافتكاك القطاع من قبضة الاحتلال، وتخليق بديل إجماعى وطنى يُعرّى أجندة اليمين المُتطرّف أو يحرم نتنياهو من الذرائع المُهداة له مجانا.
لا أحد يقبل السيطرة العسكرية على غزّة، ولا إعادة التموضع بدلاً من الانسحاب، أو استبقاء نحو 40% من جغرافيا القطاع واستحداث ما يُوصَف بالمدينة الإنسانية فى رفح، وحشر مئات الآلاف فيها على أمل كنسهم بعيدًا، أو فصل الشمال عن الجنوب تمامًا. إنما نحتاج لتذكُّر أن هذا لم يكن مطروحًا قبل شهور، بل لم تكن رفح نفسها مُحتلّة حتى مايو من العام الماضى. وأن اقتفاء خيط الجنون وصولاً إلى إعلان النسخة الأشرس من مُخطَّط التوراتيين والقوميِّين الصهاينة، ما تأتّى لهم إلا من جهة تضييع الفرص السابقة، والقبض على أهداف فصائلية فوق وطنية، دون منفعة للحركة أو إعفاء للبلاد والعباد من كُلفة النزق والمغامرات غير المحسوبة.
وفيما لا يُمكن أن تُطالَب حماس بالتنازل عن أُصول وثوابت عُليا، وتُمتدَح لتمسُّكها بالحدِّ الأدنى المقبول فيما يخص الانتقال من التهدئة إلى التسوية، وتحديد خرائط واضحة للانسحاب، وتفعيل البروتوكول الإنسانى المُتّفق عليه فى الهُدنة السابقة، دون هيمنة لمؤسسة غزّة المشبوهة على أعمال الإغاثة وتوفير المساعدات؛ فإن الجانب الآخر يُوجِب انتقاد الحماسيِّين فى إعلاء غاياتهم الحركية على غيرها من الأولويات، وفصل التفاوض مع الاحتلال عن وجوبية التوافق الوطنى وترميم الجسور مع منظمة التحرير والسلطة، وإدارة الجولة بما يُعين العدو على إخلاء القطاع من إدارته التنفيذية؛ دون تخليق بديل فلسطينى عنها، مؤهّل وجاهز للاضطلاع بالمهام والمسؤوليات الإنقاذية العاجلة.
ما كان لمخابيل تل أبيب أن يستبدّوا بمسار التسوية لولا انفراد الحماسيين به. والحوار على قاعدة الإجماع أفضل وأقوى بالضرورة من اختزال المسألة المُعقّدة فى حلبة القتال وثنائية السلاح. فيما الاحتكار لا يُؤمِّن غطاء شعبيًّا لأطروحة الحركة، ولا يُعين الوسطاء على الحديث باسم الفلسطينيين دون مزالق الانحياز لتيّار موصوم بالإرهاب، ويضع مصالحه وولاءه للحلفاء فوق التزامه تجاه الوطن وبيئته.
على المفاوض أن يعود لأصحاب الحق ومُلّاكه الأُصلاء، وعليه ألا يُقرِّر فى الوجودى بمعزلٍ عن شركاء الوجود، أو بمنطق أيديولوجى واعتبارات تخص الجزء لا الكُل. إنها مُعضلة الانقسام من جديد؛ بها تضاءلت القضية وضعفت عوامل قوّتها الذاتية، ومنها استبدّ السنوار بقرار الطوفان، وبجريرتها يستأسد نتنياهو على غزّة والضفة بالتساوى.
ولا يُمكن الوصول من طريق خاطئة، ولا بخرائط مُضلِّلة وغير دقيقة، ما يفرض الرجوع إلى الأصل إن كانت النوايا خالصة لوجه فلسطين، والمساعى أمينة فى استدراك ما فات والنجاة مما هو آت. يجب أن تكون حماس صُلبة مع العدوِّ، وليّنة للأشقاء والأصدقاء، وما لم يتجاور الأمران معًا؛ فلن تُثمر مُقاربتها للأسف، ولن تثبُت لها صِدقيّة المسعى وأمانة المسؤولية.
لم يُهزَم نتنياهو بالسلاح، ولن يُهزَم بالسياسة؛ ناهيك عن أنها تذهب إليه بجناحها الهشّ والأكثر ضعفًا. الخارج انعكاس لمأساة الداخل، وما لم يتوصّل الفلسطينيون لطريقةٍ تُنقذهم من شياطين أنفسهم؛ فلن يعرفوا طريقًا للنجاة من شيطان الصهيونية. مشكلة الأصولية أنها تُدمن على تجريب الوصفات الخاطئة، والإدمان حفرة عميقة تطلب المزيد بلا انقطاع، وتنتهى إلى الضياع دائمًا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.