تحرير 4 آلاف قضية سرقة كهرباء خلال حملات على المحال والعقارات بالمحافظات    شرطة بدرجة سوبرمان    ال سياحة: تكثيف أعمال المرور والتفتيش على المنشآت الفندقية والسياحية بالمحافظات    هبوط أسعار الذهب عالميًا .. والأوقية تتجه لتكبد خسائر أسبوعية بنحو 450 دولار    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن بدء المرحلة الثانية لتطوير منطقة العتبة    خبراء: يدعم الثقة الدولية.. ويعزز جاذبية الاقتصاد المصرى للاستثمار    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر بمسجد الفتاح العليم فى عدد اليوم السابع غدا    مؤسسة نبيل الكاتب عضو التحالف الوطني تنظم فعالية مبهجة لأطفال دار الأيتام بالبحيرة    مصر تدين مخططات إرهابية تستهدف أمن واستقرار دول الخليج    وزير الخارجية يشدد على ضرورة الحل "الليبي-الليبي" وإجراء الانتخابات قريباً    السفير عاطف سالم ل "الجلسة سرية" : التيار اليميني المتشدد يتغلغل في مؤسسات إسرائيل منذ تأسيسها    البيت الأبيض: أمريكا قد تسيطر على جزيرة خرج الإيرانية في أي وقت    شاهد جانبا من مران الأهلى الأخير قبل مواجهة الترجى التونسى    الزمالك يخفف تدريباته قبل مواجهة أوتوهو لتجنب الإرهاق البدني    مصرع شاب إثر نشوب مشاجرة في طلخا بالدقهلية    وزارة التضامن تنقل شاباً بلا مأوي لدار رعاية الهدايا لكبار السن بالإسكندرية    السفير عاطف سالم ل الجلسة سرية: إسرائيل باتت أكثر تشددًا    رئيس المستشفيات التعليمية يتفقد معهد القلب القومي بأول أيام عيد الفطر    رئيس قطاع صحة القاهرة يُجري جولة مرورية على عددٍ من المنشآت الصحية    عن "الشقاوة" والبحث عن الفرح.. ماذا قال أجدادنا الفلاسفة عن "روقان البال"    وزارة الثقافة تواصل تقديم عروض المرحلة السادسة من "مسرح المواجهة والتجوال"    وفاة أسطورة الفنون القتالية تشاك نوريس عن 86 عاما بشكل مفاجئ    مجدي حجازي يكتب: «للصائم فرحتان»    النائبة ميرال الهريدي: كلمة الرئيس السيسي بالعاصمة الإدارية تعكس رؤية واضحة لمواصلة التنمية وتعزيز الاستقرار    طلاب جامعة العاصمة يشاركون في احتفالية "عيد_سعيد" بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي    «الصحة»: فرق الرعاية الحرجة تتابع 37 مستشفى في 11 محافظة لتأمين احتفالات العيد    غرفة عمليات بالمجلس الأعلى للآثار خلال أيام عيد الفطر المبارك    تخفيض سرعة القطارات بسبب الأتربة وانخفاض مستوى الرؤية    الأب منذر إسحق: إساءة نتنياهو للمسيح محاولة لتبرير عدوان إسرائيل    جوارديولا عن جدل اللقب الأفريقي: ما حدث مفاجأة.. وهناك من يعمل في الخفاء    القابضه للكهرباء تكشف حقيقة استدعاء 10 آلاف مهندس وفني من الخارج    الخبراء يحذرون من حالة الطقس غدًا السبت.. منخفض قطبي يضرب البلاد    الموت يفجع خالد مرتجي    كيف نتجنب لخبطة الأكل في العيد ونتعامل مع التسمم الغذائي عند حدوثه؟    وزير الدفاع الإسرائيلي للنظام السوري: لن نقف مكتوفي الأيدي ولن نسمح بالإضرار بالدروز    "النقل العام": أتوبيسات حديثة وتكثيف التشغيل لخدمة المواطنين خلال عيد الفطر    السيسي: مصر واجهت فترة عصيبة شهدت أحداثا وعمليات إرهابية استمرت نحو 10 سنوات    صندوق النقد: ارتفاع تكلفة واردات الطاقة لمصر بأكثر من الضعف منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران    وزيرا الخارجية المصرى والتركي يبحثان التطورات الإقليمية ويؤكدان على أهمية خفض التصعيد    منتخب مصر للناشئين يواصل استعداداته للتصفيات الأفريقية    محافظ الدقهلية يشارك أطفال مستشفى الأطفال الجامعي احتفالهم بعيد الفطر    محافظ المنوفية يزور الحضانة الإيوائية ويوزع العيدية والهدايا على الأطفال    إيتاليانو: تعرضت لالتهاب رئوي قبل مباراة روما.. وبولونيا الطرف الأضعف    حرس الحدود يستضيف الإسماعيلي في صراع الهروب من الهبوط بالدوري    بعد صلاة العيد .. مصرع شاب في مشاجرة مسلحة بقنا    فيفا يحسم موقفه من نقل مباريات إيران للمكسيك    وسط آلاف المصلين.. محافظ الأقصر يؤدي صلاة عيد الفطر بساحة سيدي «أبو الحجاج»    أفضل طريقة لتحضير الرنجة أول يوم العيد    العيد فرحة.. الآباء يصطحبون صغارهم لأداء صلاة العيد بكفر الشيخ    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    محافظ بورسعيد يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك بالمسجد العباسي    بالصور.. الآلاف يتوافدون على استاد ملوي بالمنيا لأداء صلاة عيد الفطر    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    19 سيارة إسعاف لتغطية المساجد والساحات بشمال سيناء    البحرين تعلن اعتراض 139 صاروخا و238 مسيّرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور عمرو عبدالسميع يحاور المفكر الإسلامى فهمى هويدى «1»..المجلس العسكرى لم يكن شفافاً بما فيه الكفاية ولو قلنا له مع السلامة فماذا سنفعل بعد ذلك ..؟
نشر في اليوم السابع يوم 04 - 12 - 2011

البلد كله فى صراع: أحزاب وائتلافات.. إسلاميون وعلمانيون.. يساريون وليبراليون وإخوان.. أصول وانشقاقات.. فلول ومستجدون.
وحول تجليات ذلك الصراع وآفاقه حاورت الأستاذ فهمى هويدى فى أول أيام العملية الانتخابية، فقدم فى هذا الحديث رؤيته النقدية لأداء المجلس العسكرى، وأدان التشدد العلمانى والليبرالى غير الديمقراطى ضد الإسلاميين، وسجل ملاحظاته عن جدل القوى السياسية المصرية حول العلمانية، كما قدم اقترابًا بالمقارنة بين تونس ومصر وحالة عبور الانتخابات البرلمانية.
وهذا نص الحوار..
كتبت أنك لم تفهم تلك الدعوة التى أطلقها البعض لرحيل المجلس العسكرى دون أن يقدموا لنا بديلاً معقولاً، علمًا بأن التصويت فى الانتخابات هو خطوة فى الطريق إلى رحيل ذلك المجلس.. ومن ثم دعنا نسألك ما هو سر تلك الدعوة إلى رحيل العسكرى؟
- دعنا نقول - أولاً - إن المجلس العسكرى وقع فى أخطاء، ولم يكن شفافًا ولا صريحًا بما فيه الكفاية، يعنى وضع الناس أمام مجموعة من علامات استفهام أسفرت عن أزمة ثقة تم تعميقها، حين تحدث كوارث يقال إن المتسبب فيها هو «طرف ثالث»، من دون أن نعرفه، وقد قلت إن الطرف الثالث هذا ربما يكون موجودًا، ولكننا لن نصدق وجوده إلا حين يقدم لنا شخص ما أو جهة ما تفترض وجوده الدليل على ذلك.
ومن الصعب قبول بعض التصرفات من دون أن يمارس فيها المجلس العسكرى نقد الذات أو الاعتذار مثل ما حدث فى ماسبيرو، وما حدث فى التحرير، وفى الحدث الثانى لدينا 43 شهيدًا، لم نعرف - حتى اليوم - من الذى أصدر أمر الضرب، ومن الذى ضرب.
معلوماتى أن أمر فض الاعتصام فى ميدان التحرير الذى صدر صبيحة 19 نوفمبر الفائت لم يعلم به وزير الداخلية أو رئيس الوزراء.
الموجودون فى التحرير تلك اللحظة لم يبرحوا أماكنهم منذ أسبوع قبل فض الاعتصام، وبالتالى لم تكن هناك ضرورة للاستعجال.
يعنى كان المشهد وكأنك حملت عود ثقاب وأشعلت الميدان، فى توقيت كانت المشاعر متأججة.
ولم يعتذر أحد، بينما نحن نطالب باعتذار وحساب، ثم اعتذرت بخجل، وقلت: متأسفون، وقلت إن الذين ماتوا: «ضحايا»، ثم قلت: أعتذر وهم شهداء!
أنا أفهم أن التعامل مع الجيش وفى إطار العسكرية غير التعامل مع المجتمع، ففى القوات المسلحة كلمة القادة لا ترد، ولكن المجتمع لا يخضع لآليات الجيش. هؤلاء الناس يفكرون فى الكرامة ولا يفكرون فى السياسة، إذ لو قلنا للمجلس العسكرى مع السلامة، فماذا سنفعل بعد ذلك؟!
لابد أن يبقى المجلس حتى تتم الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ونحن ننتقد أداءه السياسى فحسب، أما حكاية «مع السلامة» فلا معنى لطرحها الآن.
ألا ترى معى أن المجلس العسكرى فى الفترة التى سبقت حدثى «ماسبيرو والتحرير» تحمل - ربما - أكثر مما تطيقه أعصاب هذه المؤسسة؟
- مالناش دعوة.. السياسى حين يتبوأ مقعده فإنه يضع عرضه أمام المجتمع، ولا يوجد شىء اسمه «يتحمل»، فالناس تحملت أكثر، والقول بأنه «تحمل» هو خطاب ينبغى أن يكون بمستوى مسؤوليته، فالجيش مسؤول عن المصير، والناس تخاطبه بشأن مصائرهم. أنا ضد أى تطاول على المجلس، وكتبت مرة محتجّا ضد التجاوز البذىء عليه، وقلت - ذات مرة - إن بقاء المجلس ضرورى ونقده ضرورى.
ولكننا لسنا جنودًا فى القوات المسلحة.. نحن مواطنون لنا حقوق، وإحدى مشكلات المسؤولية العامة أنها تعرض المسؤول لفيض من الانتقادات، ربما يصل إلى حد التجريح، وهذا ثمن لابد أن يدفعه وعليه أن يتحمل.
تدخل!
أستاذ فهمى.. موضوع التدخل الخارجى يبدو جليّا أمامنا فى أنساق عديدة.. ما تقييمك لعامل التدخل الأجنبى فى اللحظة الراهنة؟
- الخارج موجود فى مصر منذ اللحظة الأولى لإندلاع الثورة، وتاريخيّا الخارج يعتبر مصر رمانة ميزان العالم العربى، لا أحد سيترك مصر فى حالها بذلك المعنى، وسيتابعون وضعنا الديمقراطى.
كنت - مؤخرًا - فى تونس، ولكنها تمر بسهولة فى مصر فتونس بلد، ومصر أمة.
هذا غير حساسية علاقة مصر بإسرائيل. وأظن أن الخارج كان ضاغطًا لتسليم السلطة بعد الأحداث الأخيرة، فعلى امتداد الفترة الماضية كان الغرب مبسوطًا جدّا من أداء المجلس العسكرى، وهو ما ظهر بوضوح فى تقارير الصحافة الدولية، وقول مدير المخابرات الإسرائيلية السابق: «إن ما تغير فى مصر هو الحاكم وليس الحكم».
الخارج ليس قلقًا من المجلس العسكرى، ولكنه قلق من أن يصبح المجلس العسكرى مرفوضًا.
المثقفون الذين يحكون حكى الحماية الدولية، أقول بشأنهم إن مصر بلد كبير وفيه كل شىء، ولا ينبغى أن تزعجنا طروحهم، فما وزن أولئك الناس أساسًا؟!.. مصر مليئة بال «يفط» دون أوزان، يعنى فى إمكانك إطلاق محطة إذاعة أو حيازة قناة تليفزيونية، وتشترى ائتلافات، وتشيد منصات فى كل مكان، وتعلى صوتك، ولكن تعال وقل لنا ما مكانك فى الشارع. لدينا لافتات وأصوات عالية من دون وزن. ومن قالوا بالحماية الدولية أفراد.. ولذلك قبل أن نناقش أولئك الناس فلنقل لهم على رأى القذافى «من أنتم؟!».
هذا كله لا يمكن حسمه إلا بحدوث الانتخابات، فالتصويت هو الفيصل؟
- بالضبط.. فى تونس دخل الانتخابات 115 حزبًا، وصفصفت الأمور فى النهاية على خمسة أحزاب، وهكذا عندنا نستمع عن أن فلانًا زعيم حزب، ولكن تسأل: كم عضوًا يحتكم عليهم ميدانيّا. وأحيانًا أقرأ أن فلانًا يجتمع مع القوى السياسية، وأسأل نفسى ما تلك القوى السياسية؟!.. هى قوى سياسية بلا عضلات.. فيها من الغياب أكثر مما فيها من الحضور.. الانتخابات هى التى تحدد الأوزان.
كلمتنى حالاً عن الإعلام والمنصات وشراء القنوات والجرائد.. هل إلى هذا الحد أصبحت النخب السياسية المصرية قابلة للشراء؟!
- إحدى الإشكاليات الكبرى فى مصر الآن أن تعريف النخب صار يحتاج إلى إعادة نظر، ففى وقت من الأوقات كان «الكاتب الكبير» فى مصر واحدًا، اسمه عباس محمود العقاد، والآن لا يوجد شخص يحمل قلمًا إلا وبات «كاتبًا كبيرًا».. التطور الحادث فى الصحافة ووسائل الإعلام جعل من أى مبتدئ نجمًا تليفزيونيّا، والسياسة فى مصر - كلها - تدار بالتليفزيون، وحتى اختيارات صناع القرارات السياسية لشغل الوظائف العامة من وعاء الذين يظهرون على التليفزيون، فى برامج «التوك شو».
فكيف تحدثنى عن النخبة فى الوقت الذى لم يشكل فيه البعض حضورًا سياسيّا إلا من خلال ظهورهم فى برامج التليفزيون.
السياسة عندنا أصبحت تليفزيونًا، والتليفزيون يجعلك تطير فى الفضاء فى حين أن الناس تقف على الأرض، والسياسى ينخدع - أحيانًا - بالتحليق فى الفضاء، ولكنه يصدم حين يقترب من الأرض.
ائتلافات
كيف تقيم الضغط الذى مارسته بعض ائتلافات الشباب على رئيس الوزراء المكلف لاختيار عناصر من بينهم لعضوية الحكومة.. وكيف تنظر للحكومة التى شكلها التحرير كبديل عن حكومة الجنزورى، وأخيرًا ما رأيك فى مطالبات الإخوان المسلمين بنظام برلمانى بدلاً من النظام «الرئاسى/البرلمانى»؟
- حين طالت مدة المرحلة الانتقالية، ترهلت صيغة الحكم، وظن الناس أنهم صناع سياسة وصناع قرار، ولم يعد أحد يملأ عيونهم. ومما شهدت من عجائب حكاية تشكيل حكومة من الميدان، وكنت سمعت قبلها أحد النشطاء ينادى بكتابة دستور فى الميدان وغير ذلك من التخاريف... ومشكلة الثورة عندنا - حتى الآن - أنها ظلت جسمًا بلا رأس، وتصور أى شخص أنه يستطيع فعل أى شىء أو التفوه بأى كلام، وخصوصًا بعد الفراغ السياسى الحاصل، حيث زايد بعض السياسيين على الميدان، فهناك من رشحهم الميدان ورصيدهم لا يجاوز أنهم كانوا فى الميدان، طيب.. أنا لم أكن هناك مثلاً، ومرة ذهبت إلى التحرير أيام الثورة، وسألنى بعض شباب الثورة: «إنت مابتجيش ليه؟» فقلت لهم أنا منذ خمسين عامًا أراوح مكانى فى طروحى الرافضة، فيما أنتم لم تبدأوا إلا منذ أسبوعين.
التاريخ لم يبدأ من ميدان التحرير، وإنما صاغه مثقفون وسياسيون وأعلام وناس كافحت، وناس سُجنت.. «مش كده يا إخواننا»، ولكن لأن أحدًا لم يملأ عيون أولئك الشباب من الرموز الذين فرضوا أنفسهم، ولأنهم وجدوا أن هناك من أتى بفلوسه يقيم منصة وينشئ جريدة أو فضائية، فاستسهلوا أن يحلوا الرموز المخلقة والمصنعة الجديدة مكان أى من الرؤوس الكبيرة، وصرت تسمع من الشباب من يقول: «أنا لا يعجبى فلان وأريد فلانًا»، من أنت؟ ومن تطلع حضرتك - ولا مؤاخذة؟ ومن تمثل؟
فى ظل غياب إدراك الأحجام الحقيقية للقوى السياسية عنّ لكثيرين أن يتصدروا المشهد، فممدوح حمزة - مثلاً - أطلق كيانًا اسمه المجلس الوطنى، واختار أناسًا لعضويته، ويكتب على الخطابات أنه «أمين عام المجلس الوطنى».. ما هو ذلك المجلس الوطنى؟ ومن الذين يمثلهم؟ وكيف جاءت تلك الحكاية وراحت؟ لا أحد يعرف.
الفراغ السياسى أغرى كثيرين بالتقدم فى الخلاء الحاصل، وحين يكون الملعب فارغًا، فإن أى واحد يستطيع الادعاء أنه الكابتن. تأخرت الانتخابات البرلمانية لأن الساحة عجت بالكباتن الذين يريدون رئاسة الفريق.. المجلس العسكرى حدد الفترة الانتقالية فى البداية بستة أشهر على أن تجرى الانتخابات فى يونيو الماضى كما قدرت لجنة تعديل الدستور، وفى ذلك الوقت كان هناك - ومازال - قدر من الاحتشام فى العلاقة مع السلطة، ولكن حين استطالت الشهور الستة إلى تسعة أو عشرة.
وحتى حين يدخل الإخوان فى موضوع مثل النظام البرلمانى فإن انزعاجًا يداخلنى، فذلك موضوع قانونى ودستورى، وكان ينبغى عليهم ترك أمور كتلك للمختصين.
هناك محدودية فى الخبرة السياسية لم تسمح للجماعة بتحديد ما الذى يُطرح، والذى لا يطُرح.
وأقول للإخوان أو غيرهم: ادخلوا الانتخابات، وتحدثوا حديثًا محترمًا.. تونس «10 ملايين» فتعلموا منها، الناس اشتغلوا وعقدوا انتخابات، وعرفنا ما هى القوى التونسية الحقيقية، وبدأت تلك القوى الحقيقية مباشرة السلطة وتضع الدستور.
ضمن حملات التخوين من الإسلاميين هناك من يقول إن تجربة حزب «النهضة فى تونس غير قابلة للتكرار فى مصر» وإن ما نراه هناك هو استيلاء حالة سياسية من رحم ثقافة أخرى تلاقحت مع العالم الأوروبى والفرنسى.. أنظر ماذا ترى؟!
- هناك من يقول إن السياسيين التوانسة حين هاجروا إلى أوروبا نظفوا عقولهم، وهذا غير صحيح، لأنهم قبل أن يهاجروا تعال وانظر إلى ما كتبه راشد الغنوشى فى الثمانينيات، وهو - بالضبط - ما يقوله الآن، ولكننى أعتقد - وتلك مسألة لم أتأكد منها بعد ولكنها فى بالى على أية حال - أن الحركة الإسلامية فى مصر أو المشرقية عمومًا متأثرة كثيرًا بالحركة السلفية الوهابية السعودية، وهذا التأثير لم يصل إلى المغرب.
السلفية كلمة واسعة ولكنها تختزل الإسلام فى مجموعة مظاهر بمعنى الالتحاء وتقصير الجلباب، واستعمال السواك، وبعدها يحمل الإنسان ختمًا بأنه صار سلفيّا.
الحركة الإسلامية فى المغرب لم يبلغها هذا التأثير، بسبب البعد أو لأن السلفية السعودية وجدت فى مصر فراغًا هائلاً أيام عبدالناصر، إذ لم تكن هناك حركة إسلامية، باستثناء الإخوان المسلمين، الذى عانوا من السجن والإبعاد البدنى عن حركة المجتمع، فلم نر منذ 1952 وعاء إسلاميّا لحركة مشروعة تربى الناس، فأصبح لديك محيط قلق من الناس يتمدد فيه - الآن - كل ما يخطر ببالك من أفكار، وضمنها السلفية.. فضلاً على أن السعودية رحبت بعدد من الإسلاميين، ولهذا فإننى أرى أن التوانسة أنضح منا سياسيّا وفكريّا، لأننا متأثرون بالسلفية الوهابية السعودية، التى وفقت وازدهرت فى مصر، ولم تصل إلى المغرب.
يعنى حضرتك تقصد أننا كنا ساحة تلاقحت فيها المذاهب والأفكار من المشرق والمغرب إلى أن ضعفت مصر وأزهرها فصرنا ساحة خلاء سمحت للوهابية بأن تتقدم فى لحظات بعينها؟
- بالضبط.. الساحة عندنا مدمرة وليس فيها شىء، ومن ثم بتنا نهبًا لكل من يريد.
ومثلاً، هى جماعة «التبليغ فى الهند»؟ وماذا تفعل فى مصر؟.. أشياء غريبة.. ما أردت قوله هو أن هناك فراغًا أو خلاء كبيرًا فى البلد.
المجتمع محافظ ومتدين والناس مسلمون ملتزمون ولكنّ هناك ظمأ لإشباع تلك المشاعر، ولم يتم ذلك الإشباع، فجاء الآخرون وقرروا أن يملؤوه ويلعبوا فى البلد، وصارت مصر تعج بأطراف تريد استباحتها فكريّا وسياسيّا.
إسلاميات
«موزاييك» القوى الإسلامية والعلمانية واليسارية - اللحظة الراهنة - يحتاج منك إلى قراءة لأننا لا نستطيع مضاهاته بأوضاع إقليمية نظيره وقد كشف عن ذلك خلاف العلمانية بين الإسلاميين المصريين والدولة التركية وتغلب المخالفين لتيار النهضة التونسى على ذواتهم والانخراط معه فى عملية بناء الدولة بعد انتخاب الهيئة التأسيسية على الرغم من تواصل الانتقادات فيما يبدو الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين المصريين «هرمجدون» أو معركة فاصلة ينبغى أن تنتهى بانتصار طرف واندحار آخر؟
- هناك عدة مشاكل.. فالعلمانية لم تعد كلمة واحدة وإنما هى مصطلح فضفاض، فهناك علمانية مخاصمة للدين كما فى فرنسا، وعلمانية متصالحة مع الدين فى بريطانيا، أما هنا فلا يوضح المنادى بالعلمانية أية علمانية يقصد.
وفى تونس كانوا يقولون - صراحة - نحن نريد التخلص من التأثير والتراث الفرنسى المؤثر على العلمانية التونسية، ودعونا نصوغ علمانية متصالحة يمكن أن تلتقى بما يسمى - فى المغرب العربى - «فقه المقاصد».. وأرى - فى الحقيقة - أن الصراع الإسلامى العلمانى هو دليل على عدم الفهم السياسى.
فى مصر لدينا عدة قضايا هى: «الديمقراطية - العدل الاجتماعى - الاستقلال الوطنى - والحريات العامة» لا يوجد اختلاف عليها، ولكن أن يأتى من يفتعل أو يصطنع صخبًا حول المادة الثانية فى الدستور، وذلك الجدل السخيف حول المادة الثانية، نحن بلد 94 ٪ منه مسلمون، والتليفزيون المصرى قال منذ أيام إن الأقباط من 10 إلى 15 مليونًا، وهذا كلام غير مضبوط وتقديرات جهاز الإحصاء تشير إلى أقل من هذا، ومع ذلك فإن العدد ليس معيارًا، ولو كان الأقباط عشرة أنفار فى هذا البلد فحقهم فى الكرامة محفوظ.
ما هذه المشكلة؟ ماذا عطلت المادة الثانية فى مصر؟ ما حضورها؟ وما الذى خصمته؟
يا إخواننا لابد أن نهتم بمواجهة تحديات اللحظة «نريد عدالة اجتماعية - ديمقراطية - حقوق إنسان»، أما أن تفرض على جدول أعمال الوطن سؤالاً مثل: «دولة مدنية أو دولة دينية» فلنجعلها دولة ديمقراطية أولاً ثم دع الناس تختار.
هناك خلل فى طريقة تناول الأشياء، وهناك سوقية أو ما يسمونه شعبوية غوغائية، ودغدغة لمشاعر الجمهور بصرف النظر عن الحقيقة.
التوانسة عملوا شيئًا مهمّا وقت بن على، إذ جلس اليساريون مع الإسلاميين مع العلمانيين، وقالوا هناك ثلاثة أنساق رئيسية نتفق فيها وهى: «المساواة بين الرجل والمرأة»، «والحريات العامة»، و«علاقة الدين بالدولة».
وهناك وثائق صادقت عليها الأطراف فى ذلك السياق.
لماذا كان جلوس الأضداد إلى بعضهم فى تونس ممكنًا، فيما صار الأمر فى مصر وكأنه الموقعة الفاصلة بين ما يعتبره البعض خيرًا، وما يعتبره البعض شرّا؟
- منذ الخمسينيات هناك إقصاء كامل للإسلاميين، وهو ما دفعهم للعزوف عن الحوار، إذ كانت وسائل التأثير كلها فى يد فصيل واحد «الإعلام - والجرائد القومية - والمجلس الأعلى للثقافة والمجلس الأعلى للصحافة» وبعد الثورة اختلف الأمر، حين اكتشف الجميع جسمًا موجودًا فى المجتمع وينمو فى كل يوم هو الإسلاميون.
يعنى: اليساريون والعلمانيون اعتبروا - قبل الثورة - أنهم الأصل وغيرهم الاستثناء، فلما ظهر ذلك الجسم رأوا أنه سيجعل منهم الاستثناء فيما يصبح - هو - الأصل، وهو بالطبع ما يمثل جسم المجتمع العام.
صراعهم مع الإسلاميين وجودى ومسألة حياة أو موت وهم لا يريدون العيش مع من يخالفهم، وفى هذا تفسير للهيستريا التى اعترت البعض حين ضمت لجنة تعديل الدستور صبحى صالح، ورأسها طارق البشرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.