الاختلاف فى الرأى حالة طبيعية، فقد اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس مختلفين فى قدراتهم الفكرية، قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ". فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وأفهامهم، ويعطى هذا الاختلاف والتنوع للحياة مظهر التجدد، ويبعدها عن التكرار والرتابة، ويمكِّن من تنويع الإنتاج الإنسانى، ومن تكثير الصور الفكرية للموضوع الواحد، ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع، إيجابيَّاً ومفيداً ما دام نابعاً من تلك الفروق الفطرية، ومن التباين الموضوعى فى البحث عن الحق، عندئذ يصبح الحوار ونحن مختلفين ممكناً ويصبح الاحترام المتبادل شرطاً لاستمرار هذا الحوار. إننا إزاء عصر أثبتت فيه تجارب الشعوب إنه لا يمكن إقامة مجتمعات متقدمة تواكب مسيرة التطور وتستفيد من حضارة الإنسان على الأرض، ويستمتع فيها الإنسان بالاستقرار والحرية ويتفرغ لبناء مستقبل أفضل، إلا إذا تمتع الإنسان بحقوقه وعرف واجباته وأهم حق للإنسان حقه فى حرية الرأى وقد كفل الإسلام الحرية وفى مقدِّمتها حرية الرأى حقاً من الحقوق التى كفلها للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، ذلك أن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، ويجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفى بذلك رضاه واقتناعه، ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن نفى الإكراه فى الدين، وإذا تأملنا قول الله تعالى: "لا إكراه فِى الدِّينِ قَد تبين الرشد مِنَ الغى"، نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء فى عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد اللذين هما أساس لحرية الرأى والتعبير لا بد وأن يتسما بالحرية. والإسلام أعطى للإنسان حرية الفكر والكلام والعمل، ولكن ضمن حدود ألا يؤذى نفسه، وكذلك ألا يؤذى الآخرين، سواءً بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى مادِّيةً كانت أو معنويةً، أو الدعوة إلى التمييز العنصرى أو الكراهية أو التحريض على العنف وإثارة الفتنة، كما يجب عدم الإسراف فى استخدام هذا الحق بما يتجاوز الحدود القانونية أو يتنافى مع الثوابت العقدية والقيم الأخلاقية للمجتمع. اختلافنا أمرا طبيعيا وله أهمية كبيرة أى مكان يوجد به بشر يجب أن يكون الحوار هو همزة الوصل بينهم لذا كان لاختلاف الرأى ثقافة، فالاختلاف حق مشروع طالما لم يخرج عن إطار الأدب، وقواعد الاحترام، ولكن وللأسف هناك أناس لا يعرفون للحوار ثقافة أبدا، تراهم يطلون عليك بآرائهم، وكأنهم يحملون أسواطا يجلدونك بها، ينادون بحرية الرأى، فإن اختلفت معهم هاجموك ولم يدعوا لك مجالا للمناقشة يمارسون التحيز فى الرأى. ويطلقوا آراءهم وكأنهم أصابوا كبد الحقيقة، ولا يعنيهم باقى الآراء فلا يسمعون إلا أنفسهم ولا يترددوا أبدا فى ذم آراء الآخرين وتسفيهها، ولا يقدرون مجلسا يتواجدون فيه، ولن تجد لهذا لهؤلاء مستما ولا متلقيا وإن امتلكوا القدرة على تداول فكرتهم. إن أصحاب العقول لا يمكنهم أبدا أن يتقبلوا الرأى من أفواه صاخبة، أو أنفس متعالية أن الرأى النافع هو الذى يصدر من نفس متواضعة، كريمة الخلق، نبيلة الطبع، لها فى الحياة تجربة تشفع لها، وسيرة حميدة تزكيها، يقودها عقلا متعلما قادرا على التخطيط، والاستنتاج . وفى النهاية إن حرية الرأى تعد بحق مدخلاً مهمَّاً إلى الوحدة بين فئات المجتمع، وذلك بما تحدثه فى العقول من خصائص منهجية مشتركة تتكون بالتلاقى والحوار والتبادل فتنشأ من ذلك وحدة فكرية بالمعنى المنهجى، تفضى إلى التقارب فى التحليل والتعليل والحكم، ينتهى بنا إلى الوحدة فى الأهداف، والوحدة فى طرق الإنجاز الموصلة إلى تلك الأهداف، أهداف تحقيق النهضة والتقدم والتفوق والنصر.