فى الصباح الباكر كان جرس الهاتف يصرخ كطفل يستجدى أمه أن تعيره انتباهًا. انتفض من فراشه بعينين مغمضتين يتحسس الطريق إلى موضع الهاتف مجيبًا بصوت ممتزجًا بالضيق: ألو.. مين؟ فجاءه صوت والده: مستنيك النهاردة علشان تحضر الجنازة.. ما تتأخرش وقبل أن يسأله عن أى شىء كان قد أغلق الهاتف.. حاول الاتصال به ولكنه سمع تلك الجملة " الرقم المطلوب مشغول".. فى ذلك الوقت كان أخيه الأصغر يتلقى نفس الاتصال الذى يحمل نفس الرسالة المبهمة، ومن بعده تلقت الأخت أيضًا. جلس الأبناء الثلاثة كل فى بيته يفكر فيما سمعه للتو ويتساءل ويفكر فيما قد يكون حدث. إن أبيهم يعيش فى بيته وحيدًا. من يكون قد مات ليقيم له العزاء؟ أيكون أحد الجيران؟ لا، فهو لا يحب أن يختلط بأحدٍ من الجيران، ومنذ أن عرفوه وهو لا يعلم شيئًا عن أحد ولا أحد يعلم عنه متبعًا مبدأ "صباح الخير يا جارى أنت فى حالك وأنا فى حالى". من الذى مات إذن؟ أيكون هو من يشعر بأنه سيوافى منيته اليوم وأخبرنا لنحضر جنازته؟ أم يكون بعد كل هذا العمر قرر أن ينهى حياته بيديه كما يفعل هؤلاء الذين فقدوا إيمانهم بالله وبالحياة وبكل شيء؟ لا، مستحيل أن يفعل هذا ، فماذا يكون قد حدث؟.. بعد مرور ساعة كان الأبناء الثلاثة فى منزل والدهم الذى تغير كثيرًا عما كان سابقًا عندما كان يضم العائلة كلها ويحتمون تحت سقفه يتسامرون ويهنئون ويقاسم كل منهم الآخر فى الطعام والسعادة والحزن والمرض وكل شىء.. المنزل الذى كان يغمره الدفء تخيم عليه الآن سحابة من البرود. كان ممتلئاً بأناس لم يروهم من قبل.. بعضهم من الجيران أو ممن هم على معرفة بأبيهم أو غير ذلك.. وفجأة التفت أحدهم إلى الابن الأكبر متسائلًا: هو مين اللى مات يا ابنى؟ - مش عارف ثم التفت إلى الابن الآخر ولم يجد لديه أية إجابة، والابنة لم تكن أكثر منهم علمًا. - هو إيه اللى حصل يا بابا؟ ممكن تفهمنا؟ تنهد الأب ونظر إليهم ملياً ثم بدأ يتكلم: - أنا متعود كل يوم بالليل انزل اتمشى شوية لحد بتاع الفول واشترى منه طبق أفطر بيه تانى يوم.. امبارح كالعادة خرجت واشتريت الفول لكن لما صحيت من النوم لقيت . قال أحدهم: - إيه؟ لقيت القطة كلته؟ - لأ.. لما صحيت من النوم لقيت إنى نسيت أحط طبق الفول فى التلاجة ولقيته بايظ وريحته طلعت .. سكت قليلاً ثم تابع: أول ما شفت منظر الفول وشميت ريحته فكرت إن كان ممكن أنا أكون مكان طبق الفول ده.. كان ممكن أنا اللى أكون مت وعفنت وريحتى طلعت ومحدش ساعتها هيعرف ولا هيحس إنى خلاص مت غير لما أعفن أكتر وريحتى تطلع أكتر وأكتر لحد ما الناس تقرف منها فيروحوا يدوروا على مصدرها ويكتشفوا إن أنا مصدرها.. أنا على طول لوحدى محدش فيكم بيسأل عنى.. لو كنت أنا اللى مت كان مين ساعتها هيعرف؟ أنا كل يوم ببات لوحدى وبصحى ألاقى نفسى برضه لوحدى.. ما بقاليش فى الدنيا غير طبق الفول.. كان ممكن أنا اللى أموت قبله وهو اللى يكتشف موتى وساعتها ما كانش هيقدر يعملى حاجة وهيفضل يستحملنى لحد ما ريحتى تخنقه وساعتها هيصرخ ويستنجد بحد ييجى يخلصه منى.. عارفين يعنى إبه بعد العمر ده كله اكتشف إن كل اللى ليا فى الدنيا هو طبق فول؟! صاح أحد الجيران: - لا حول ولا قوة إلا بالله.. الراجل كان بعقله إيه اللى حصله بس؟! وقال الابن الاكبر: - يعنى أنت مصحينا من النوم وقالقنا وجايبنا هنا كلنا عشان حضرتك عامل جنازة ل.. لطبق فول!! وقالت الابنة: - مالك بس يا بابا فيك إبه؟! وإيه الكلام اللى بتقوله ده؟! وعقب الابن الأصغر: - ربنا يخليك لينا يا بابا.. ما تقولش كده أمال إحنا رحنا فين؟ - أهو ده السؤال اللى أنا عايز أسألهولكم.. إنتوا فين؟ - معلش يا بابا إحنا عارفين إننا انشغلنا عن حضرتك لكن حضرتك عرف بقى إن الدنيا مشاغل. . ده إحنا حتى مش بنلاقى وقت نقعد مع ولادنا. - ولادكم!.. تعرفوا إن ولادكم ما يعرفونيش.. يعنى أنا اسمى جدهم ولو شافونى صدفة مش هيعرفونى. - ............ - أنا عايز أطلب منكم طلب.. مش عايز نهايتى تبقى زى طبق الفول.. لم يجد الأبناء ردًا على كلام والدهم، وجلسوا يفكرون فيما بينهم فيما حدث وفى كلام والدهم، ويبحثون عن حل لكل ذلك وعن طريقة ينفذون بها طلب والدهم الذى من المؤكد أنهم لم يفهموه. . وفى النهاية اتفق الثلاثة على حلٍ استراحوا له جميعًا وأرضى ضمائرهم. . لقد تحدثوا مع عم إبراهيم الذى يعيش فى الشقة المقابلة لشقة والدهم، واتفقوا معه على أن يعطوه راتبًا شهريًا يدفعه ثلاثتهم بالتساوى فى مقابل أن يذهب كل يوم لزيارة أبيهم؛ ليطمئن عليه، وليتأكد أيضًا من أن طبق الفول مازال بحالة جيدة وأنه موضوع فى المكان المخصص له والمخصص لأبيهم أيضًا. . ليطمئن على أنهما ما زالا هناك. . فى الثلاجة.