اليوم وفى القرن الواحد والعشرين، لسنا فى حاجة إلى أن نتجادل حول قيمة تعليم الفنون المختلفة وأثرها فى تشكيل وجدان وعقل الطفل منذ نعومة أظافره سواء فى المنزل أو المدرسة، أعنى هنا فنون الرسم والمسرح المدرسى والموسيقى وغيرها، ولكن هناك ما يدفعنى الآن إلى تناول هذا الموضوع وبيانه فى نقاط، حيث أن تعليم مبادئ هذه الفنون أو التعرف إليها لا يؤخذ مأخذ الجد فى الخطط التعليمية ومناهجها، ومدعى الكثيرين من مسؤلى التربية والتعليم فى هذا، وخاصة من كانوا فى الحكومة قبل الحالية الذين أعلنوا هذا العداء صراحة، بأنها تربى التلاميذ تربية غير دينية وربما أنها تفسد سلوكياتهم، وأنها مضيعة للوقت، أو ما شابه ذلك. بداية أقول لهم فى هذا أن سن تنمية الموهبة لدى الطفل وتأثير التربية الفنية والموسيقية عليه تبدأ وتنتهى قبل أن يصبح الطفل قادرا على استيعاب الأمور الدينية، بل هى البداية التى تمهد له الطريق الوجدانى والعقلى لتلقى مثل هذه الأمور الدينية بالعقل والمنطق والمشاعر الإنسانية، فكيف يمكن لطفل أو تلميذ فى المدرسة أن يصبح مواطنا صالحا ناجحا ومنتجا بتعليمه القيم الدينية فقط، دون أن نتيح له فرصة إثراء وجدانه بالقيم الجمالية من خلال تعرفه على الفنون الإنسانية الرفيعة؟ نتناول هنا الموسيقى حيث إنها الجانب الأكثر جدلا فى هذه القضية. ألم يعلم مسئولى التربية والتعليم أنها إلى جانب الفنون الأخرى تضفى على جمود الحياة إنسانية ومرونة وعدل وتفاؤل وتأمل؟ (اقرأوا- كمثال- كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبى حامد الغزالى)، واعلموا أنها من خلق الله سبحانه وتعالى، فهى تنبع من داخل كيان الطفل ذاته عندما يسمعها فى دقات قلبه وإيقاع خطواته ورنين صوته ويتأملها فيما بعد فى الطبيعة من حوله وفى النعم التى وضعها الله الخالق فى هذا الكون من نظم إيقاعى ربانى فى حركة الكواكب والأقمار وكل الأجرام السماوية، ألم تعلموا أن كل جسم فى هذا الكون الفسيح من الذرة حتى النجم والكوكب يصدر عنه نغمة أو نغمات يحددها مقدار اهتزازه، تتآلف كلها فى لحن كونى ساحر من خلق الرحمن لا تدركه أسماع البشر، اعلموا أن الموسيقى توحد المشاعر الإنسانية وترفع القدرات وتربى الشعور بالالتزام والانتظام والمسئولية (اقرأوا قليلا فى فلسفة مدرسة شينيشى سوزوكى Shinichi Suzuki اليابانى كمثال) وتجاربه الفريدة فى تعليم الأطفال الموسيقى، وكيف أنها توحد طاقاتهم وتجمعها فى تكامل وتناسق وتعاون مجتمعى ذى مسئولية، (سأتحدث عنها فى مقال لاحق)، والموسيقى فى حقيقة كونها تنبع من الضمائر والأعماق، إنها الفن العجيب الذى يخاطب الوجدان عن طريق السمع دون استئذان ومن غير حاجة إلى تفسير، فهى تمثل الفن فى تجرده الكامل. لقد جاء الإسلام الذى يتاجر به البعض اليوم ليلبس الموسيقى ثوبا دينيا ناصعا حين بدأ الناس فى تلاوة القرآن الكريم بصوت جميل فيه خشوع، ثم نشأ علم التجويد الذى يطلق عليه اليوم فى علوم الموسيقى تربية الصوت اللفظى، فقوانين النظرية الموسيقية تلحظها تامة ومكتملة فى تلاوة القرآن الكريم، فقد كان رسول الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام يتقبل الغناء والموسيقى ويدعو إليهما فى المناسبات، فسمح مرة لجارية أن تضرب الدف فى دار أم المؤمنين عائشة، موفية لنذر قطعته على نفسها، وروى أنه عليه الصلاة والسلام دخل على عائشة وهى تزف جارية لها من الأنصار، فقال لها "يا عائشة ألا ترسلى معها من يغنى؟ فإن أهل هذا الحى من الأنصار يحبون الغناء"، وعندما كان يمتدح أبا موسى الأشعرى قال "لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داوود" والرسول هو الذى سمح لبلال بن رباح أول من أسلم من الأحباش ليرفع الآذان بصوته الجميل. ولدينا نماذج تلوح لنا بأن الإسلام يدعو إلى التفكر والتدبر والتأمل والانفتاح، فأستاذ الأدب العربى والشريعة الإسلامية الشيخ أمين الخولى ابن القرية المعمم الذى ظل طوال حياته بالزى الأزهرى فى اعتداد عميق به، وهو الوحيد من أبناء جيله من خريجى مدرسة القضاء الشرعى الذى احتفظ بارتداء هذا الزى فى تأكيد عملى لحقيقة ثابتة وهى قدرة الإنسان المصرى على الجمع بين الأصالة والتفتح وبين الانتماء القومى وبين التحرر الفكرى فى ذات الوقت، فقد دفع بابنته الصغيرة سمحة أمين الخولى لدراسة الموسيقى فى مصر، ثم فى الخارج حتى أصبحت عالمة فى هذا المجال على المستوى المحلى والعربى والدولى، وتقلدت مناصب هامة عديدة، من بينها عمادة الكونسرفاتوار ورئاسة أكاديمية الفنون، كما منحتها الدولة الجائزة التقديرية ثم ارفع الجوائز، كما تقلدت مناصب وكرمت على المستوى الدولى. وهناك الشيخ عبد المجيد سليم وهو من خريجى جامعة الأزهر وهو شيخ معمم أيضا ارتدى الزى الأزهرى (ملبس المشايخ) طوال حياته فى اعتزاز بدينه ووطنه، عمل فى مجموعة الكورال (الكوراس) بدار الأوبرا الخديوية فى مصر فى الستينيات من القرن الماضى، وكان يقف على خشبة المسرح وسط زملائه بالعمامة وملابسه الأزهرية يغنى معهم القداسات والتراتيل المسيحية (Missa – Requiem) ذات النصوص اللاتينية من أعمال المؤلفين أمثال موتسارت وبيتهوفن وفيردى وغيرهم. هذا هو الإسلام الحقيقى، بلا جمود، والذى يدعو إلى السمو بمشاعر وعقول البشر، لينأى بهم عن التطرف والانحراف، فضلا عن أنه يقرب شعوب الله فوق الأرض بكل دياناتها، ويجعل التفاهم والتسامح هما مظلتهم التى يعيشون تحتها. * أستاذ بأكاديمية الفنون- عميد الكونسرفاتوار سابقا.