اهتمامات وتخوفات كبرى أعلن عنها مؤخرا على خلفية زيارة الرئيس الإيرانى "أحمدى نجاد" للقاهرة، والتى تأتى بعد قطيعة بين مصر والجمهورية الإيرانية استمرت على مدار ما يقارب ال 34 عاما، فى وقت اعتبره البعض مثال لحالة الجمود المتكامل فى العلاقات. واعتبر البعض أن هناك انفراجة فى العلاقات بدأت إبان ثورة 25 يناير مع تصريحات وزير خارجية أو حكومة بعد الثورة، والتى أشار خلالها إلى ترحيب مصر بعودة العلاقات بين البلدين، الأمر الذى أثار العديد من التخوفات خاصة من قبل دول الخليج التى كانت تقف هى الأخرى ضد عودة العلاقات بين مصر وإيران. وقد قوبلت زيارة نجاد إلى مصر باعتراضات من مشايخ السلفية فى مصر، وكذالك فى لبنان، حيث حذر الشيخ "أحمد الأسير"، إمام وخطيب مسجد بلال بن رباح، الواقع فى مدينة صيدا جنوب لبنان، من الوقوع مرة أخرى بفخ "المقاومة والممانعة والتقريب والوحدة"، الذى أذاق الأمة الويلات فى سوريا والسعودية ولبنان والكويت والبحرين. وحول مدى تأثير زيارة نجاد ومدى إمكانية أن تكون مصر على غرار الحالة فى سوريا ولبنان والبحرين، يستبعد المحللون أن تكون مصر بنفس هذه الحالة مؤكدين أن إيران تأتى إلى القاهرة الآن من منطلق عزلة فرضت عليها عقب الأوضاع السورية ودخول الثورة فيها إلى منعطف يؤكد رحيل "الأسد" عاجلا أو آجلا، فى حين يعتبر البعض أن هناك من يؤجج الوضع ويجعل إيران هى العدو بل أكثر من إسرائيل نفسها. وقد اعتبر المعارض السورى باسل كويفي، أن زيارة الرئيس الإيرانى "أحمدى نجاد" إلى القاهرة مهمة على صعيد التوصل إلى حل بخصوص الأوضاع فى سوريا، مضيفا ل"فيتو":" نحن كسوريين نأمل أن تعود مصر قائدة الأمة العربية كما كانت فى السابق، وأن تعود الشقيقة الكبرى إلى سابق عهدها، ومن هذا المنطلق نأمل أن يأتى التعاون المصرى -الإيرانى لحل مشاكل الإقليم، خاصة فيما يخص القضية السورية، ويأتى ترحيبنا من مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية العربية من جانب إيران، وأن تكون العلاقات مبنية على مبدأ حسن الجوار والمصالح المشتركة واحترام الشعوب، دون تدخل فى الشئون الداخلية للدول". وحول حديث الشيخ "الأسير"، حول فخ الممانعة يقول "كويفى": "بعد الربيع العربى تبين لنا أن نظرية المقاومة والممانعة التى كانت تدعيها بعض الدول من بينها سوريا، كانت ممانعة لرد الشعب فى الداخل، وخير دليل أنه ومنذ سنوات، نجد الطيران الإسرائيلى يقصف سنويا أهداف فى سوريا، والنظام يقول بأنه سيرد، ولم يجر أن وجدنا أى رد من جانب هذا النظام (الممانع)، وقد قامت إيران بمساعدة "حزب الله"، والنظام السورى، لإقامة هذه الفكرة من أجل استمرار النظام وسيطرته، فالمقاومة كانت رغبة عند جميع الشعوب العربية، ولم تطبق، وهى التى أدت إلى التعاطف مع "الفكرة" لكن عندما جاء الاختبار وجدناه يطبق على الشعوب نفسها". أما منصور الأتاسى، عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر الداخل السورى، فيرى أن مجئ نجاد للقاهرة هو إعلان عن ظرف هائل أجبره لزيارة القاهرة، فإيران قد انعزلت عن الوسط العربى، وهو فى القاهرة الآن بحثا عن الخروج من هذه العزلة، لكنه لن يستطيع الخروج إذا استمر فى دعمه للنظام القاتل فى سوريا. ويرفض الأتاسى فكرة دخول دول فى إطار مسألة الخداع الإيرانى، مضيفا:" يهمنى أن تتفق جميع دول المنطقة على حل مشاكل المنطقة سلميا، وأن يجرى اتفاق يساعد فى حل يتفق مع مطالب الشعب السورى والشعوب العربية المنتفضة ضد الأنظمة". ومن جانبه يؤكد الكاتب والمحلل الفلسطينى زياد أبو شاويش، أن نجاد لم يزر مصر بدعوة رسمية، أو حتى قدم لزيارة رسمية إلى مصر بالشكل المعروف بروتوكوليا، لكنه قدم كأحد قادة دول منظمة التعاون الإسلامى، ومن ثم فإن هناك تضخيما للقضية بشكل كبير، مضيفا:"أنا أرى أن مصر تحتاج فى هذه الفترة لإيران، فى ظل أوضاعها الاقتصادية والمادية، وإيران تحتاج مصر فى ظل العزلة المفروضة عليها، والملف النووي". ويوضح:" أن الرئيس الراحل السادات عندما استقبل شاه إيران فى مصر إبان الثورة الإيرانية كان عمل استفزازى لجمهورية اسلامية ناشئة، بعدها قامت إيران بإنشاء شارع للاسلامبولى قاتل السادات، أعقبها استعداء الجمهورية الاسلامية من جانب مبارك، ومن ثم فإن هذه العلاقات المتوترة عززتها الدعاية لبعض القوى العربية التى لا تريد وجود علاقات مع ايران ومصر وبعض الدول الأخرى فى محور الاعتدال العربى الذى لا يرغب بأقامة علاقات مع إيران، التى قامت بالتقارب مع حزب الله وسوريا، وهذه القوى نفسها هى التى تآمرت على صدام حسين". ويؤكد شاويش، على أنه بالامكان بناء علاقات قوية بين مصر وإيران دون أن تكون فى إطار الأحاديث المتعدده عن التشييع، والتخويف المذهبي، الذى يؤجج الحديث عنه مشايخ السلفية فى لبنان الذين يتلقوا أموالا من السعودية، ونفس الأمر بالنسبة لمشايخ مصريين. وقد اعتبر السفير أحمد الغمراوى، رئيس جمعية الصداقة المصرية الإيرانية، أن زيارة الرئيس الايرانى أحمدى نجاد، لمصر، بداية موفقة على صعيد العلاقات بين البلدين، مستهجنا الأحاديث الممتدة حول النزعات العقائدية فى العلاقة بين البلدين، مؤكدا أنه إضافة إلى دول الخليج، وإسرائيل لا تريد عودة علاقات قوية بين قطبى السنة "مصر" والشيعة "إيران"، لما فيه من اتحاد للمسلمين، وهو ما يعتبرونه إضرار للوجود الإسرائيلى فى المنطقة. ويؤكد الغمراوى، أن زيارة نجاد لمصر كانت لرأب صعد الدول الإسلامية مع إيران، مضيفا:" أتعجب من عدم إثارة الحديث عن العلاقات بين السنة والشيعة، وإعادة العلاقات بينهما، برغم عمل إسرائيل، وحليفتها الكبرى على إساءة العلاقات بين طرفى العالم الإسلامى وتنسيق النزعة الشيعية والسنية، وجعل الموقف بينهما أشبه بحرب وهو ما طبقه كيسنجر فى إضعاف إيران والعراق فى الحرب التى استغرقت 8 سنوات واستنزفت قوى إسلامية وجهود عالمية كان من الممكن أن تعمل على تعضيد قوى العالم الإسلامى على الأرض".