كنت أقرأ وأقول: شكرا يا حازم. بدي أقتلك. وعندما انتقلت إلى كتاب آخر قررت أن اقتل حسن داوود. ما سبق يحتاج إلى شرح فاشرح. كلامي يعود إلى معرض بيروت للكتاب، فقد زرته كعادتي ووجدت الزميل والصديق حازم صاغية يوقع كتابه الجديد «أنا كوماري من سريلانكا»، وهو وقعه لي مشكورًا. وكنا في جناح دار الساقي ورأيت الزميل الآخر، والصديق حسن داوود وهو وقع لي روايته الجديدة «لا طريق إلى الجنة». حملت مجموعة من الكتب إلى البيت، وقررت أن أبدأ بكتاب حازم، لصغر حجمه، وأن أكمل برواية حسن، وتركت مجموعة من كتب المراجع والقواميس للعودة إليها في المستقبل. كان يجب أن أقدر «فداحة» ما اخترت للقراءة. كوماري خادمة سريلانكية ذهبت إلى الكويت وعملت عند أسرتين، الأولى لم تدفع لها أجرها عن آخر أربعة أشهر من العمل، والثانية سرقت أجر آخر خمسة أشهر. والمرأة أمرت الحلاق بقص شعرها كله، كأنها كانت تخشى على زوجها منها. وهي سجنت وتركت البلد وعادت إلى لبنان لتفاجأ بالعمل عند عجوز سبعينية، ذكرني الحديث عنها بساحرة الغرب الشريرة في رواية «ساحر أوز»، فقد أجاعتها وأهانتها واتهمتها بالسرقة وأثارت أسرتها عليها حتى حاولت الانتحار، ثم فرت لتقع في براثن سريلانكية مثلها، أذاقتها صنوف العذاب. بين هذا وذاك تزوجت رجلاً في سريلانكا اكتشفت بعد ذلك أنه متزوج وعنده طفلة، ثم تزوجت لبنانيًا بدا طيبًا، وانتهى بين حانات الخمر وكازينوهات القمار. رحلة العذاب لم تخل من ومضة إنسانية، فالمصرية صاحبة صالون التزيين في الكويت حنّت على كوماري، ودفعت لها مرتبها بانتظام. ومع أنها لم تكن ثرية وتأخرت عن الدفع حينًا، فإنها أرسلت الخادمة إلى القاهرة حيث عرفت شيئًا من السعادة، وفي النهاية دفعت أجرها كاملًا وأعادتها إلى بلدها. انتقلت إلى رواية أخينا حسن داوود، ووجدت نفسي في مستشفى مع بطل الرواية، أو ضحيتها، وقد أجرى فحوصًا طبية، وينتظر أن يبلغه الطبيب عن نوع مرضه. المرض كان السرطان، إلا أن الكلمة لا ترد في الصفحات الثلاثين الأولى من الرواية، فنحن في لبنان لا نحب هذه الكلمة وقد نقول عن المصاب بالسرطان، إن عنده «هيداك المرض»، ثم نستعيذ بالله خوفًا. وهكذا كان، وتوقفت عن القراءة بعد أول 30 صفحة، لأعود إلى الرواية في وقت لاحق، وجلست أفكر في طريقة لاستئصال حازم وحسن، اللذين زادا مصائب فردية على ما أحمل من أثقال ليل الأمة الطويل. في اليوم التالي، وقّع أخونا غسّان شربل كتابه «في خيمة القذافي، رفاق العقيد يكشفون خبايا عصره»، وهو قدَّر ظروفي السياسية العربية فلم يضف إلى ما أحمل من هموم، وإنما أطلّ علينا بكتاب عن معمر القذافي، أو تلك السنوات العجاف من تاريخ ليبيا الحديثة، فلم يزد غسّان على ما أعرف من جرائمه وجنونه، وإنما وثّق ذلك في كتاب أجده مرجعًا في موضوعه، ورفاق العقيد يروون خبايا عهده. رئيس تحرير «الحياة» أجرى حوارات مطولة مع عبد السلام جلود وعبد المنعم الهوني وعبد الرحمن شلقم وعلي عبد السلام التريكي ونوري المسماري. وأرى أن أي كتاب عن سيرة القذافي لا يكتمل من دون التوكؤ على مقابلات هؤلاء الرفاق. وفرت لي مادة الكتاب نوعًا من المراجعة، فقد قرأت أكثرها في ما نشر زميلنا غسّان في «الحياة». وأعادني حديث الأخ عبد الرحمن شلقم عن تنفيذ الثورة الانقلاب في أول (الفاتح) من أيلول (سبتمبر) إلى يوم كنت أعود بسيارتي المرسيدس الجديدة إلى بيروت من فرانكفورت، وقد وصلت إلى بلدة زادار في يوغوسلافيا (السابقة)، على شواطئ بحر الأدرياتيك، وسمعت على الراديو عن ثورة الفاتح إياه، وبرقيات تأييد من نقابات وغيرها، ثم انقطع الإرسال. بعد 40 سنة أو نحوها، دخلت الجمعية العامة وأنا أسمع صراخ القذافي من على منصة الجمعية العامة قبل أن أراه يخرق ميثاقها ويهذي أمام العالم كله. كان العقيد كارثة من حجم توراتي أصابت ليبيا، مثل الوباء أو الفيضان، والشعب الليبي ينفض عنه اليوم غبار ذلك العهد المشئوم، وكتاب غسان شربل شهادة على الثورة من أهلها، السابقين أو التائبين. وأُكمل غدًا. نقلا عن الحياة اللندنية