قبل سنوات طوال، كنت أشاهد أفلام نادية الجندي عن الجاسوسية والاستخبارات والوطنية، وأتخيل نفسي بطلا قوميا يكوي الصهاينة على عيونهم، وأنا أردد بكل بثقة «خالتي بتسلّم عليك»، حلم طفولي بريء لم يكن فيه سوى سينما وحماسة، لكنني أبدًا لم أتخيل للحظة أن يكبر بي العمر، لا لأصير جاسوسًا ولا بطلًا، بل لأرتبط اسمي بالموساد.. بسبب كلب. من عادتي أن أكتب على صفحتي في فيسبوك عن القضايا التي تتسلل إلى يوم الناس العاديين دون استئذان، تلك التي لا تبدأ ببيان رسمي ولا تنتهي بهاشتاج، بل تفرض نفسها لأن لها ضحايا من لحم ودم. وشاء القدر –أو سوء التدبير– أن تتوالى في الفترة الأخيرة حوادث مرتبطة بعقر الكلاب الضالة أو مطاردتها للمارة، حوادث لا يمكن اختزالها في واقعة فردية ولا تسكينها بجملة من نوعية: أصلها ظروف استثنائية.
مواطن سبعيني في بورسعيد، عم عاطف، يخرج لقضاء شأنه فلا يعود. شاب طالب بكلية الهندسة، يفر من أنياب كلاب شارع، فيجد نفسه تحت عجلات أتوبيس. بين الحادثتين مسافة جغرافية، لكن بينهما خيط واحد.. شارع لم يعد آمنا كما ينبغي، ونقاش عام لا يريد أن يرى الصورة كاملة.
الغريب، بل العبثي أحيانا، ليس في وجود الكلاب الضالة، فهذه نتيجة طبيعية لتراكم الإهمال، وإنما في ردود الفعل على مجرد الكتابة عن الخطر. فوجئت بسيدة تتهمني -بجدية تامة- بأن ما أكتبه يندرج ضمن خطة ممنهجة يقودها الموساد الإسرائيلي للقضاء على الكلاب المصرية، اتهام يصلح لنص ساخر، لكنه قدم بوصفه تحليلا سياسيا عميقا، وكأن الشارع المصري تحول فجأة إلى ساحة حرب استخباراتية.. بس على أربع أرجل.
والحق أقول إنه لم يدر بخلدي أبدأ ذاك السيناريو الاستخباراتي الفظيع، فأقصى ما شطح إليه خيالي السيريالي هو أن يظن البعض أنني أعمل لصالح عصابة القط الأسود، التي تريد القضاء على الكلاب ليخلو لها الشارع، وذلك لكثرة ما أنشره من صور قطط مع تعليقات مضحكة.. وكنت أخال نفسي وأنا أجلس أمام قط يرتدي معطفا بياقة طويلة ونظارة سوداء وسيجار كوبي ملفوف على أفخاذ قطة عذراء، وهو يضع أمامي على الطاولة مظروفا به عشرة آلاف دولار قططي، مقابل معلومة ثمينة أو بوست كتبته في إطار خطتنا الاستخباراتية، لكن عمري ما تخيلت الموضوع يوصل للموساد.
ورغم عشرات الشهادات، ولن أقول مئات، من آباء وأمهات يحكون في التعليقات عن تجاربهم المريرة مع كلاب الشارع، وعن أطفال يعودون إلى بيوتهم بعضات وخوف مزمن، فإن اتهامات أخرى توالت، من نوعية.. كل من يكتب عن الكلاب الضالة هو شخص مأجور، أو عدو للحيوانات، أو متآمر على الأرواح البريئة. وكأن التعاطف لا يكتمل إلا إذا تجاهلنا الإنسان تماما، أو كأن حماية البشر خيانة أخلاقية.
لا أعلم متى أصبح طلب الأمان تهمة، ومتى تحول البحث عن حل عقلاني إلى دعوة للقتل، أنا لم أطالب، ولا أطالب، بإبادة الكلاب أو التخلص منها بالسم أو الرصاص، ما أقوله وأكرره بسيط وواضح، نريد حلولا. نريد شلتر أو يعني مأوى حقيقيا، لا لافتة على ورق، نريد نظام تعقيم، ورعاية بيطرية، وطعاما، ومسؤولية، نريد للكلب أن يعيش بأمان وللإنسان أن يمشي في الشارع من غير ما يبقى «قلبه في رجليه».
المفارقة المؤلمة أن بعض من يرفعون شعار الرحمة بالحيوان يمارسون قسوة فادحة على البشر، قسوة معنوية على الأقل، يتحدثون عن الكلب بوصفه كائنا مقدسا، ويتجاهلون دم مواطن سال على الأسفلت، أو أما عادت إلى بيتها بجثمان ابنها. الرحمة ليست انتقائية، ولا تقاس بعدد الصور المؤثرة ولا بحدة الشتائم في التعليقات.
القضية في جوهرها ليست كلابا ضد بشر، ولا عطفا ضد قسوة. القضية إدارة غائبة وحلول مؤجلة ووعي عام مرتبك يخلط بين الإنسانية والإنكار. الشارع ليس غابة ولا يجب أن يدار بعقلية «سيبها على ربنا». ربنا أعطانا عقلا، ومؤسسات، وميزانيات، لا لنختلف في الكومنتات بل لنحل المشكلة. في بورسعيد يرقصون مع الكلاب أزمة أحمد مراد الكتابة عن الكلاب الضالة ليست حربا على الحيوان، بل محاولة متأخرة لإنقاذ الجميع. أما تحويل كل نقاش إلى مؤامرة، وكل رأي إلى خيانة، فهو الطريق الأسرع لأن نفقد الكلاب.. والناس معا. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا