رغم أنه عمل شاق بكل ما تحمله الكلمة من معان، يتقلب ممتهنوه بين عذاب الاكتواء بلظى النيران المشتعلة دومًا، وقلة الأكسجين الناتج الطبيعي لكثرة السحب المحملة بالأتربة والدخان المخيمة على سماء مساحة الأرض المحدودة التي تجمعهم أثناء ساعات العمل الزائد عددها عن ال16 ساعة، إلا أن البحث عن الرزق يهون على عمال مكامير الفحم كل مشقة. وفي يوميات «عم جلال» كبير العمال فيما يسمى ب«مكمورة» الفحم، نموذج يلخص تلك الحياة التي يعيشها الآلاف من العمال الذين قُدر عليهم أن يقتاتوا من هذه المهنة الشاقة. في الصباح الباكر، يتجه «عم جلال» برفقة زملاء المهنة إلى مكمورة الفحم ليبدأوا يوم عمل شاقا. العمل داخل مكمورة الفحم، يشبه خلية النحل، فكل واحد من العمال له مهمة محددة، وأولى هذه المهام ما يفعله هذا العامل الذي يسلب من الأشجار الحياة ليوفر لباقي فريق العمل «الخشب»، أو ما يمكن أن نسميه المنتج الخام الذي تقوم عليه باقى الأعمال في المكمورة. بعد تقطيع الخشب إلى مقاسات معينة، يتم رصه بطريقة هندسية محددة الأطوال والمسافات، داخل حفرة تسمى «المكمورة»، لتبدأ بعد ذلك المرحلة الثالثة والمتمثلة في حرقه بنيران لا تقل درجة حرارتها عن 400 درجة مئوية، ثم دفنة بالرمال أو ما يسمي عملية «طمر الفحم»، ويترك وقتًا من الزمن ليتحول بعد ذلك إلى فحم. بعد احتراق الأخشاب وتحولها إلى فحم، يقوم «عم جلال» ومساعدوه بغربلة الرمال لاستخراج الفحم الخام. بعد ذلك يعزل الفحم الصالح للبيع في أوان جلدية أعدت خصيصًا لهذا الغرض، وهذه المرحلة تسمي ب«الفلترة». وتتلخص مهمة هذا العامل في حمل الفحم الجيد بعيدًا عن المكمورة، استعدادًا لبدء المرحلة التالية من مراحل العمل. والتي تتمثل في تعبئة الفحم داخل أجولة والتأكد من متانة أربطتها لتكون جاهزة للبيع لتجار الجملة. يحصل عمال الفحم على ساعة من الراحة تبدأ من وقت آذان الظهر، حيث يسارع العمال إلى الحصول على إناء من الماء الصالح للوضوء استعدادًا للصلاة. بعد الانتهاء من الوضوء يؤدي عمال الفحم شعائر صلاة الظهر فرادى في أماكنهم، أو مجتمعين داخل مكان صغير مخصص للصلاة. ثم يتحلق عمال المكمورة، مأدبة الطعام ليتناولوا وجبة الغداء التي تعطيهم طاقة تمكنهم من استكمال باقي مهام عملهم. وبعد الانتهاء من الطعام، يأتي دور «سيد» في إعداد أكواب الشاي الساخنة، والتي يعد احتساءها عاملًا رئيسيًا في «ظبط الدماغ». انتهت ساعة الراحة، ليعود بعدها عمال الفحم إلى مزاولة مهام عملهم الشاق تحت أشعة الشمس المحرقة. يحرص عمال الفحم، أثناء ساعات عملهم الممتدة على تبادل النكات، لتخرج الضحكات من القلب مهونة شقاء العمل وعناء مهامه. تتبدل مشاق العمل الفائق عن الحد، بكلمات ثناء وشكر للمولى عز وجل، بمجرد قدوم أحد التجار لشراء كمية من أجولة الفحم المتراصة بالقرب من الأخشاب المقطعة. ففي مجيء هذا الرجل خير وفير، وإيذانًا ببدء مهمة العمل الأخيرة والتي يحمل خلالها عمال مكمورة الفحم الأجولة ويضعونها داخل سيارة التاجر. لينتهي يوم عمل شاق بفرحة الحصول على اليومية، وأمل العودة في فجر اليوم التالى إلى المكمورة، لبدء يوم آخر ليس أقل شقًاء من سابقه.