صراع الفكر والجسد، هكذا عاش قلمه سنوات عدة يخط ويجاهر ويتصدى لعدة قضايا اجتماعية كانت أو سياسية، فلم يشرد قلمه عن ذات السطر، ولم تميل حروفه أو تنحني كلماته، لكن صراع الجسد كان الأكثر استسلاما لمرض سرطان الرئة، الذي تغلب على جسده، لكنه لم يستطع أن يتغلب على روحه التي ستظل نابضة بكل ما كتب، إنه الكاتب الصحفي الكبير، سعد هجرس الذي وافته المنية صباح اليوم بمستشفى المعادى العسكري، عن عمر يناهز 68 عاما. ولد هجرس بالمنصورة محافظة الدقهلية وحصل على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة واستكمل بعدها الدراسات العليا بأطروحة عن الأنثروبولجيا السياسية، وهي دراسة العمل والتنظيم السياسيين والبيانات والأحزاب السياسية وتأثيرها على الأحداث والصراع بين الأفراد والجماعات. كانت المحطة الأولى لهجرس في عالم الصحافة هي جريدة " الجمهورية " والتي انتقل منها إلى العديد من الصحف والمجلات. تولى هجرس العديد من المناصب ومنها عضو في الجامعة المصرية للاقتصاد السياسي، والإحصاء والتشريع، وعضو في المجلس المصرى للشئون الخارجية، وعضو بالجمعية المصرية لحقوق الإنسان، إلى أن وصل إلى مدير تحرير جريدة العالم اليوم، وهي المحطة الأخيرة له في عالم الصحافة الذي أفنى عمره من أجله. قضية الصراع العربي الإسرائيلي كانت هي محور العديد من دراسات هجرس، حيث نشر العديد من هذه الرؤى والأطروحات التي تناولت تشابك وتعاقد خيوط هذه القضية منذ عشرات السنين. هجرس لم يكن كاتبا بحسب، بل أنه كانت له رؤياه الفلسفية أيضا وقد أصدر كتابا عن مدرسة "فرانكفورت " الفلسفية والتي أوضح فيها عدة رؤى داخل هذه المدرسة. كان هجرس صاحب قلم حر، فلم يكن يتودد يوما إلى السلطة، أو رجال الحكم في مصر، بل أنه كان مهموما بقضايا الوطن والأمة العربية، ومن ثم كان دائما ما يناقش القضايا المتعلقة بوحدة المجتمع المصري متصديا لكافة أفكار التشتت أو العنصرية. عارض هجرس فكرة التوريث في عهد المخلوع " مبارك " وكان من ضمن المتنبئين بزوال حكم الإخوان في فترة قريبة جدا، مستندا إلى تاريخ الجماعة ذاتها التي لن تحسن قيادة أكبر بلد في المنطقة العربية. هكذا كان هجرس واعيا ومدركا لما بعد الأحداث، عاش تجربته الصحفية من أجل قضايا مهمة وحقيقية. رحلته الصحفية اختتمت بالإستسلام الجسدى دون الإستسلام الروحي، فرحل هجرس بعد أن تخلت عنه نقابة الصحفين ليأمر المشير عبد الفتاح السيسي بعلاجه على نفقة القوات المسلحة التي تظل دائما الأقرب إلى جنودها البواسل، فكان هجرسا جنديا مصريا في عالم الصحافة.