وبالصدفة البحتة، يوم (السبت) الماضى، يوم التصريحات الاستخباراتية المبهرة، تلقيت مكالمة من صديق يقيم فى بلجراد (صديق مصرى وليس مركز تدريب، درءا للشبهات)، فسألته عن منظمة الجيل الجديد التى ذكرها اللواء الروينى فى تصريحاته عن «6 أبريل»، فكان أن استقبل هذا الصديق كلامى بشكل عادى ليس به أى دهشة، وقال إن هذا الكلام قديم، فقد نشر كل ذلك فى مقال مترجم على موقع «روسيا اليوم»، والكاتب اسمه يورى شيغلوفين من معهد الشرق الأوسط، معهد يمكن أن يوجد فى أى بلد وكل بلد.. المقال منشور بتاريخ 11 يوليو الماضى، وعنوانه «من علم الثوار المصريين؟»، يسعى المقال بالطبع للتقليل من شأن الثورة المصرية، وإحالة كل انتصاراتها إلى تدريبات خارجية على «استخدام الإنترنت»! وينسب كلاما لنشطاء من حركة 6 أبريل، ثم يؤكد أن هذا المركز السحرى قد قام بتدريب كل ثوار العالم العربى على القيام بثورات شعارها «كفى»، لكننا فى مصر سميناها «كفاية». ثم ينتقل المقال لتسليط الضوء على الدور الأمريكى فى تمويل هذه المراكز ليتضح أن الأمر يتعلق بصراع روسى-أمريكى، الأول يمقت التغيير وكان هذا واضحا فى موقفهم من الثورة، والطرف الثانى لا يهمه سوى المصلحة الأمريكية فى المنطقة، المذهل أن يعتبر المجلس العسكرى هذا المقال المغرض، وهو أمر واضح لأى قارئ، مصدرا للمعلومات! والمذهل أكثر أن يقوم بعدها بسحق الثوار فى العباسية عبر إطلاق البلطجية، (لكن التليفزيون المصرى سماهم «اللجان الشعبية» ) . تكملة لتلك التصريحات المتعلقة بحركة 6 أبريل، وأنها تلقت تدريبا فى صربيا وعدم مصرية حركة كفاية، أكد اللواء الروينى أن كل من يطالب بانتخابات جامعية أو تطهير القضاء أو تطهير الداخلية قد تلقى تدريبا على ذلك. يطرح هذا الكلام مشكلتين ستقومان بإعاقة أى حوار حول بناء دولة مؤسسات حديثة، أو إرساء الديمقراطية.. تتعلق المشكلة الأولى بإنكار إمكانية قيام أى مواطن بالمطالبة بالعدل أو العدالة أو كشف ملفات الفساد، فكل من يطالب بذلك لا بد وأن يكون قد تلقى تدريبا فى الخارج، ولست أدرى على ماذا يستند هذا المنطق، هل هذا يعنى، مثلا، أن الفطرة المصرية لا يمكن أن تطالب بالحقوق، ولا يمكن أن تعترض على أى فساد أو تطالب بتطهير، هل اعتادت الطبيعة المصرية على الاستبداد والطغيان والفساد إلى حد أن المطالبة بالقضاء عليهم لا بد وأن ينسب لطرف خارجى؟ من الواضح منذ بداية الثورة أن هناك أطرافا خارجية بالفعل كانت ولا تزال تحاول جاهدة أن تقلل من شأن الثورة المصرية، لكن أن يسعى طرف داخلى للتقليل من شأنها، على الرغم من كل التصريحات الماضية التى تؤكد حمايتها، فإن هذا غير منطقى وغير مبرر. أما أن يقال إن كل من يطالب بإرساء الديمقراطية فى الجامعة عبر انتخابات نزيهة قد تلقى تدريبا، فنقول له نعم، تلقينا تدريبات فى الكتب التى درسناها وفى التاريخ الذى تعلمناه، وحاولنا أن نكون على مستوى ثقافتنا وعلى مستوى ما بذلناه من جهد فى التنقيب عن المعرفة، نعم تلقينا تدريبا اسمه التعليم، فحفظنا الدرس وتعلمنا وتدربنا على أن الجامعة هى مصدر العقول، فأردنا أن نرتقى بها ونبسط لها سياقا أكاديميا حقيقيا بعيدا عن الزيف والتزييف. إذا كان ذلك تهمة فما أشرفها، وإذا كان ذلك استنكارا تجاه رغبة أعضاء هيئة التدريس فى إرساء ديمقراطية حقيقية، فأذكر هؤلاء أن الثورة التى قامت فى يناير لا بد وأن تعم على جميع المؤسسات، وأولها الجامعة والقضاء والداخلية.. الأمر بسيط ولا يحتاج لتدريب، لكن يبدو أن السلطة العسكرية لا تتخيل أى فعل يقع دون أن يسبقه تدريب، على الجسد المحارب أن يتلقى تدريبا وعليه أن يطيع الأمر العسكرى، لكن العقل لا يحتاج لتدريب ليطالب بالعدل والحق. أما المشكلة الثانية التى تطرحها تصريحات المجلس العسكرى حول التدريبات فى الخارج وعدم مصرية حركة كفاية، فهى ربط كل مطلب ثورى أو مطلب عادل بالعمالة لدول أجنبية، وقد بدأ هذا التوجه منذ اندلاع الثورة فى يناير، إذ تدافعت الاتهامات (التى برعت فيها الفضائيات) بضلوع أصابع خارجية فى كل ما حدث، حتى إن أحد ضباط أمن الدولة، الذين كانوا متربصين بالثوار فى التحرير من جهة المتحف المصرى، أمسك بشاب وأول سؤال وجهه له «إنت مصرى أم من تل أبيب؟».. وكلنا نذكر النغمة التى بدعها التليفزيون المصرى فى مسألة وجود أجانب (مع تداعيات كنتاكى الأمريكى واليورو الأوروبى).. سيكتب التاريخ فصلا كاملا بالتأكيد عن مسألة ربط الثورة بإيعازات من الغرب، وعن مسألة ربط اختلاف طرق استكمال الثورة بالخيانة والتخوين والتشويه. الرؤية واضحة الآن: إما الطاعة أو التخوين.. كثير علينا هذا الحزن.. يا للهول .