لم تكن أخبار «استقصاد» المسيحيين فى كليتنا أخبارا سرية، بل كانت معروفة تماما. يقف أستاذ الهستولوجى ويخبرنا أنه أوصى من يعرف من الأساتذة المسلمين لكى يضمن أن لا يحصل مجدى على درجات تؤهله لتقدير أعلى من تقدير جيد. «جيد» ينبغى أن يكون الحد الأقصى لمجدى الذى جاء ترتيبه فى الثانوية العامة الأول على الجمهورية فى «علمى علوم»- حسب النظام وقتها. وهو أيضا صديقى منذ الصف الأول الابتدائى، وأذكى طالب «أكاديميًّا» رأيته فى حياتى. هذا الأستاذ لم يكن من «الجماعة الإسلامية» ولا «الإخوان المسلمين»، بل مسلما عاديا، لكنه يعتقد أنه بذلك يتقرب إلى الله. ونحن، من حوله، لا نستهجن هذا، حتى إن كان لا يقربه إلى الله، فلن يبعده- هكذا نعتقد. لم يقل له أحد منا إننا لا نحب أن يُفْعَل هذا بنا، وينبغى أن لا نحب أن يُفعَل بغيرنا، هذا هو العدل. لم يقُل له أحد منا إن تصحيح ورقة الامتحان أو إعطاء درجة امتحان الشفوى أمانة، وشهادة من يكتمها بأى شكل فإنه «آثم قلبه»، ومن يتلاعب بها فهو شاهد زور ارتكب إحدى «الموبقات السبع»، حسب تعاليم الدين الذى ينطلق منه. وطبعا لم يفكر أحد منا أن ما رواه الأستاذ لتوه هو وقائع اضطهاد علنى لمواطن مصرى بسبب ديانته، وأن هذه العقلية الموجودة فى ذهن أستاذ فى كلية من «كليات القمة» وطلابها أكيد متكررة فى كل قطاع آخر. هذه العقلية موجودة بالتأكيد فى ذهن صاحب التاكسى الذى أعطته هالة ومارى (الأولى مسلمة غير محجبة والثانية مسيحية) الأجرة المتعارف عليها فى طنطا وقتها، ولم يستجيبا لابتزازه، فصرخ فيهما «يا أربعة ريشة»، بل موجودة فى ذهن الشباب الذين يعاكسونهما فى الشارع باستخدام نفس التعبير. والأنكى من ذلك أنها موجودة فى ذهن صاحب محل الملابس الجديد الذى ذهبتا إليه معا. كوكو -ابن مارى- ركض من جوار أمه بينما تعاين قطعة ملابس، فتركتها سريعا لكى تمسك به ووقعت قطعة الملابس على الأرض. صاحب محل الملابس انتفض قائلا، بلا أى داع: «آدى اللى واخدينه منكم. بعد كده هنحط على الهدوم يافطة للمسلمات فقط». المؤلم أيضا أنها عقلية ليست محدودة ولا قليلة الانتشار. موجودة فى ذهن رجل الأمن الذى قال على شاشة التليفزيون الرسمى «ولاد الكلب المسيحيين غدروا بينا»، وفى ذهن المذيعة التى أهابت ب«المواطنين الشرفاء» النزول لحماية الجيش الوطنى. وفى ذهن كل إنسان مسلم على أرض هذا الوطن يعترض لو هُدم مسجد فى الهند ويتظاهر لو نُشرت رسوم كاريكاتيرية عن نبى الإسلام فى الدنمارك، لكنه لا يستطيع أن يتفهم لماذا يتظاهر مواطنوه المسيحيون احتجاجا على الاعتداءات التى تتعرض لها كنائس فى بلدنا جميعا. تماما كما لا يتفهم لماذا تخلق كل هذه الحوادث -صغيرها وكبيرها- شعورا عميقا بالاضطهاد لدى المسيحيين (وأنا لم أذكر هنا سقف الترقيات فى مؤسسات الدولة، والمناصب «الحساسة» المحظورة على المسيحيين). فكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق اللا إنسانى؟ لقد بدأ بالفعل، وأنا سعيد لأن المواطنين المصريين المسيحيين غيروا نهجهم. إنهم صاروا يطالبون بحقوقهم وهم ينظرون فى وجه الجانى الحقيقى (السلطة، وممالئيها من المصريين)، وفى الميدان الحقيقى للمواجهة (شوارع مصر). فإن الحقوق تضيع إذا لم يطالب بها أهلها، ولا تنجب ثمرتها إن طالبوا بها على استحياء وخجل. وهذا كله لصالح المجتمع المسيحى فى بلدنا، لكنه أيضا لصالح الأمة المصرية كلها على المدى الطويل. فإن الحقوق لا تتجزأ. وحقوق الناس ليست غمامة تمطر عليهم من السماء، إنما نبت يخرج بكدهم من الأرض. المواطن المقهور من أى فئة أو دين أو نوع هو أقدر الناس على المطالبة بحقه، وعلى خلق قضية وطنية عامة ينضمّ إليها المؤمنون بها لاحقا. يا مسيحيى مصر، لا تتوقفوا عن المطالبة بحقوقكم المشروعة، فأنتم تطالبون بحقوق كل مواطن فى مصر.