«الارتباك والفوضى» هما عنوان ما يحدث الآن، حالة من التوتر والغموض وعدم الفهم لما يجرى. أول انتخابات بعد الثورة لا يحكمها إلا قانون واحد فقط هو قانون الارتباك. آيات الارتباك كثيرة جدا، ومعبرة جدا عن طبيعة إدارة المجلس العسكرى للمرحلة الانتقالية، التى من المفروض أنها المرحلة التى يتم فيها وضع حجر الأساس لبناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة. الوقائع كثيرة، خذ عندك مثلا فتح باب الترشح تم أمس لمجلسى الشعب والشورى فى آن واحد، وبعيدا عن مفاجأة الجميع من أن فتح باب الترشح كان للشورى أيضا لا للشعب فقط، وبعيدا عن مفاجأة أن الناس يجب أن يستعدوا للشعب والشورى معا، وبعيدا عن أن الدعاية الانتخابية فى ما يبدو ستكون للمجلسين معا، فإن الأغرب أن الأحزاب السياسية لم تستعد حتى الآن -على حسب ما ينشر كل يوم- لانتخابات مجلس الشعب ولم تحسم مرشحيها، ولم تتفق مع اللجنة العليا للانتخابات على قواعد التقديم وأسماء القوائم وعدد المرشحين من كل حزب ورؤوس القوائم وتمثيل المرأة والأقباط وغيرها من أمور خلافية كثيرة، فإذا بالأحزاب -إذ فجأة- تجد نفسها مطالبة بتقديم مرشحيها لمجلس الشورى أيضا، وليس أمامها إلا أسبوع واحد تكون بعدها قد ضاعت فرصة التقديم للأبد. ثانى آيات الارتباك هو ظهور معضلة «أسماء القوائم»، فالقوانين لا تتيح أن يكون هناك مسمى لقائمة تتحالف فيها عدة أحزاب، فلن يكون هناك إمكانية لتسمية قائمة باسم «الكتلة المصرية» أو «التحالف الديمقراطى»، أو أى تجمع يضم عدة أحزاب، ومع أن الأمر قد تم نشره وأثار أزمة حقيقية، فإن أحدا لم يسع لحل المشكلة، سواء فى لجنة الإشراف على الانتخابات أو فى الحكومة أو فى المجلس العسكرى، وظل الأمر معلقا حتى فتح باب الترشح أمس، وهو الأمر الذى ردت عليه الأحزاب بإمكانية إقامة دعوى أمام القضاء الإدارى، وتخيل سيادتك انتخابات بدأت بالفعل والأحزاب ما زالت تدرس إقامة دعوى قضائية، تنتظر نتائجها، لتحدد على أساسها هل ستخوض الانتخابات أم لا؟ آيات الارتباك مستمرة سيادتك، فحتى أمس لا يعرف المرشحون عنوانا واضحا للجنة الانتخابات، ولا أين ستنعقد، هل فى مقرها الكائن بمصر الجديدة أم فى دار القضاء العالى، حيث مكتب المستشار رئيس اللجنة؟ فضلا بالطبع عن أنه لا أحد يدرى أين سيتوجه المرشح إذا واجهته مشكلة فى أثناء تقديم أوراق الترشح؟ وهل للداخلية علاقة بالأمر أم لا؟ وما حقيقة الورقة التى تطلبها اللجنة العليا من المرشحين، ويتم استخراجها من مديريات الأمن؟ وهل كشوف الانتخابات ما زالت فى المديريات أم أنها فى حوزة ورعاية وعناية اللجنة الموقرة؟ لا أحد يدرى، فالارتباك يحكم كل صغيرة وكبيرة، ولا من مجيب. تعال نكمل مسيرة الارتباك، فقد بدأت بالفعل الانتخابات وتم فتح باب الترشح أمس، ورغم وعود المجلس العسكرى وحكومة شرف بتعليق حالة الطوارئ فى أثناء فترة الانتخابات، فإن هذا لم يحدث، واستمرت أجواء الطوارئ مسيطرة وحاكمة، وما زلنا بعد ثورة 25 يناير ندير انتخاباتنا تحت سيف القانون البغيض، ومع ذلك لم يخرج علينا شخص واحد من السادة الذين يديرون شؤون البلاد ليؤكد -أو ينفى- إمكانية تعليق العمل بالقانون -دعك من إلغائه- بل التزم الجميع الصمت وكأن مصر ليس فيها انتخابات ولا يحزنون. الخلاصة هى أن الارتباك الذى يحكم أول انتخابات بعد الثورة، يحكم عليها بالفشل منذ البداية، ولا ننسى أبدا أن نزاهة أى انتخابات تنصب فى الأساس على «إجراءات الانتخابات»، أى الأيام التى تسبق يوم التصويت الذى سيأتى بهذا الشكل متوجا بحالة الارتباك الحالية.