حقق المعارضون لقانون التظاهر الظالم الذي أصدرته حكومة الدكتور حازم الببلاوي في نوفمبر 2013 انتصارًا مهمًّا عندما أقرت المحكمة الدستورية في 3 ديسمبر طعنهم على المادة رقم 10 في القانون، التي تمنح وزارة الداخلية الحق في رفض عقد التجمعات الاحتجاجية بشكل منفرد وتعسفي، ومن دون إبداء أسباب. وكانت وجهة نظر الطاعنين أنه طالما أن الدستور ينص على أن التظاهر يكون ب"الإخطار"، فإنه على الداخلية أن تلجأ للقضاء إذا أرادت منع تظاهرة ما، لأنها ترى أنها ستمثل خطرًا على الأمن العام، وعدم اتخاذ قرار منفرد في هذا الشأن. ولكن المحكمة تمسكت، للأسف الشديد، بالأحكام شديدة القسوة التي فرضها القانون على من يخالفون قانون التظاهر، والتي تقضي بالسجن فترات تتراوح بين عام وخمسة أعوام. وبينما قليلون هم من يجادلون في حق الحكومة في إصدار قانون ينظم التظاهر السلمي، كما الكثير من دول العالم، فإنه لا شك أن مصر تتفرد بسجن شبابها لأعوام طويلة لمجرد أنهم وقفوا بشكل سلمي للتعبير عن رأيهم في مواجهة نظام تعسفي لا يسمح بحرية التعبير عن الرأي في الأساس. ورغبة من معارضي القانون في الاستفادة من الحكم الهام الذي أصدرته الدستورية بخصوص التظاهر بالإخطار وضرورة لجوء الداخلية للقضاء إذا أردات منع تجمع سلمي ما، فلقد قام عدد من ممثلي الأحزاب السياسية بالفعل بالتقدم بإخطار لقسم السيدة زينب أنهم سينظمون وقفة احتجاجية مدتها ثلاث ساعات أمام مجلس النواب لمطالبة أعضائه برفض اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة السعودية، والتي أحالتها لهم الحكومة فجأة بعد ثمانية شهور من توقيعها، وعلى الرغم من أن هناك قضية لا تزال منظورة أمام القضاء تطعن في هذه الاتفاقية وأحقية الحكومة في التنازل عن قطعة مهمة من أرض مصر تتمثل في جزيرتي تيران وصنافير. كانت محكمة القضاء الإداري قد أكدت مصرية هاتين الجزيرتين في حكم أول درجة صيف العام الماضي، وطعنت حكومتنا السنية، ممثلة المصالح السعودية في مصر، على هذا الحكم، ومن المقرر صدور الحكم النهائي يوم الاثنين 16 يناير. كما لجأ محامو الحكومة إلى كل السبل لوقف تنفيذ الحكم، بما في ذلك الطعن أمام محاكم غير مختصة كمحكمة الأمور المستعجلة، والتي لا علاقة لها مطلقا بالقضية المنظورة أمام محكمة القضاء الإداري. ويبدو أن وزارة الداخلية لم تكن مستعدة للتكيف مع حكم المحكمة الدستورية الأخير. وعندما توجه عدد من المحامين لقسم السيدة زينب لتسليم مأمور القسم إخطارًا بالتظاهرة التي كان مقررًا لها اليوم السبت 14 يناير، رفض ببساطة استلام الإخطار بعد سلسلة من المكالمات الهاتفية مع "الجهات العليا". وأمام هذا التعنت، توجه المحامون لمحكمة جنوبالقاهرة لكي يتم إرسال إنذار على يد محضر لمأمور القسم يخطره بنية عقد الوقفة أمام البرلمان. ولكن كبير قلم المحضرين في محكمة جنوب لم يكن حاله أقل رعبًا وتخبطًا من مأمور قسم السيدة زينب، ورفض بدوره إعداد الإنذار الموجه لمأمور قسم السيدة زينب، رغم أن هذه خدمة تقدم لأي مواطن يرغب في القيام بمثل هذا الإجراء. قضى المحامون ساعات طوالا وهم يحاولون بلا جدوى إقناع قلم المحضرين ورئيس محكمة الجنوب بقبول طلبهم، واضطروا في النهاية للانصراف ولم يبق أمامهم سوى إرسال خطاب مسجل بعلم الوصول لمأمور القسم. ولكن في مساء نفس اليوم، اتصل موظف في قلم المحضرين بالمحامين يخطرهم بأنه سيتم قبول إعداد الإنذار، كما تم التواصل مع مأمور القسم الذي أبدى استعداده لقبول الإخطار من دون الحاجة إلى إنذارات. ولأنني أدرك جيدًا الرعب المتأصل لدى القائمين على الأجهزة الأمنية من أي تجمع جماهيري قد يؤدي لاحقًا لثورة شعبية أو اضطرابات واسعة، من وجهة نظرهم، فلقد كنت متيقنًا أنهم لن يعدموا الحيل لكي يتم إضفاء طابع قانوني لمنع التظاهرة المزمعة. وبالفعل لم يكن قبول مأمور القسم بتسلم الإخطار سوى مقدمة للجوء محامي وزارة الداخلية سرًّا لمحكمة الأمور المستعجلة لكي يطلبوا وقف التظاهرة منفردين، ومن دون إخطار الأطراف التي تقدمت بطلب عقد الوقفة. ووفقًا للمحامين، فلم يستغرق الأمر سوى ساعتين ما بين التقدم بطلب منع الوقفة ونقلها لحديقة الفسطاط وصدور الحكم الذي أقر طلب الداخلية. طبعًا لست خبيرًا قانونيًّا، ولكن هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أن طرفًا يقوم فيه بتقديم طعن على طلب تقدم به طرف ثان، ويتم صدور حكم من دون إخطار الطرف الثاني. كما أن خبراء قانونيين يرون أن الداخلية كان يجب عليها اللجوء لمحكمة القضاء الإداري، وليس محكمة الأمور المستعجلة التي يبدو أنها الملجأ المفضل للأجهزة الحكومية لاستصدار أحكام لصالحهم. أغرب ما سمعت من مسئول أمني لتبرير رفض الوقفة أمام البرلمان هو قوله إن الداخلية ستجد صعوبة شديدة في تأمينها بسبب كثرة الشوارع الجانبية، وكأن هذه المنطقة ليست مؤمنة على أعلى مستوى بالفعل بحكم أنها مقر للحكومة والبرلمان ووزارات عدة، إلى جانب قربها من ميدان التحرير الذي تتعامل معه الأجهزة الأمنية على أنه المنطقة الأكثر حساسية، بحكم أنه مكان مغرٍ لإطلاق الثورات والاحتجاجات تماهيًا مع ثورة 25 يناير التي تقترب ذكراها السادسة. الداخلية تتعامل مع المعارضين على أنهم مجموعة من مقدمي عروض السيرك أو التسلية، ولذلك تريد حبسهم داخل حديقة على أطراف القاهرة لكي لا يراهم ولا يسمعهم أحد، وخاصة البرلمان الذي من المفترض أن ينظر قريبًا في اتفاقية تيران وصنافير. مقالب الداخلية لا تنتهي، ولكن الرسالة وصلت للجميع أن هذه حكومة تتعامل مع القانون على أنه زينة وديكور، ولا تستحي من اللجوء إلى كل الحيل لتفريغه من مضمونه.