45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الثلاثاء 6 يناير    بوليتيكو عن مصادر: إدارة ترامب تطالب رئيسة فنزويلا المؤقتة بإجراءات مؤيدة لواشنطن    إطلاق نار بالقرب من القصر الرئاسي في العاصمة الفنزويلية كاراكاس    فنزويلا: الهجوم الأمريكي انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة    تصريح هيقلب الدنيا، صلاح يثير الجدل عن فرص فوز مصر بأمم إفريقيا واتحاد الكرة يتدخل    رجال الحماية المدنية يكتبون فصلاً من البطولة وينقذون 25 شخصاً في بنها    هيروين وسلاح خرطوش.. المشدد 6 سنوات لعاطلين بعد سقوطهما في قبضة الأمن بشبرا الخيمة    انتبه لتصريحاتك، سهير المرشدي توجه رسالة عتاب إلى أحمد العوضي (فيديو)    الطيران الإسرائيلى يشن غارات على بلدة الغازية جنوب لبنان    المفوضية الأوروبية تحذر أمريكا من استخدام الأمن القومي كذريعةً لضم جزيرة جرينلاند    توقعات بارتفاع مسافري المطارات الألمانية في عام 2026 إلى 225 مليون    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    أمم إفريقيا – حسام حسن: هدف صلاح في بنين تتويجا لمجهوده    البابا تواضروس يستقبل الدكتور يوسف بطرس غالي    ارتفاع أسعار النفط في ظل خطط أوبك بلس لتثبيت الإنتاج واستمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا    تفاصيل جلسة الصلح بين طرفي واقعة خطف طفل كفر الشيخ.. صور    شقق لا يستطيع تذكرها، مفاجآت في أقوال شاكر محظور عن مصدر دخله وحجم ثروته الضخمة    نمو مبيعات تويوتا في أمريكا بنسبة 8% خلال العام الماضي    سهير المرشدي: أحمد العوضي لازم ياخد باله من كلامه لأن الفنان قدوة    ماجدة زكي وأحمد عيد وهنادي مهنا وركين سعد ضمن نجوم "المتحدة" في رمضان    رسالة الميلاد 2026.. هدايا السماء للبشرية بين الفرح والستر والمحبة    طريقة عمل طاجن اللحمة بالقراصيا، لذيذ ومشرف في العزومات    مصرع شاب وإصابة 2 آخرين اصطدمت بهم سيارة تسير عكس الاتجاه بشبرا الخيمة    وزير الرياضة وأبو ريدة يجتمعان بمنتخب مصر    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك يوم 7 يناير بمناسبة عيد الميلاد المجيد    رئيس بيلاروسيا يشيد بتقدم التعاون مع روسيا في مجالات الصناعة والدفاع    إصابة شاب بطلق ناري في قرية حجازة قبلي جنوب قنا    الداخلية تكشف ملابسات واقعة سائق التوك توك والاعتداء عليه بالقوة    النجمة السعودى يطلب استعارة مصطفى شوبير من الأهلى    برشلونة يحسم صفقة جواو كانسيلو    "أسوشيتد برس" تنشر مشهدًا تخيليًا لمحاكمة رئيس فنزويلا في نيويورك    أبرز تصريحات السيسي خلال متابعة تطوير صناعة الاتصالات: الجيل الخامس نقلة نوعية ودعم التصنيع المحلي أولوية وطنية    محمد علي خير يتساءل: ماذا ينتظر المصريون في 2026؟ ومصير خطة الحكومة لخفض الديون    خبير اقتصادي يضع خارطة طريق لخفض المديونية الحكومية وتعزيز الاقتصاد الإنتاجي    دار ليان تشارك بكتاب «نُقص أحسن القصص» ليُمنى عاطف في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    محافظ الجيزة يزور مقر الكنيسة الإنجيلية بالجيزة للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    هل يوجد وقت مثالي لتناول فيتامين «ب 12»؟.. خبراء يُجيبون    تعرف على مخاطر ارتفاع الكوليسترول على القلب والدماغ    مجلس الشيوخ يناقش تعديل قانون الضريبة العقارية والحكومة تطمئن المواطنين بشأن الطعون وحدود الإعفاء    بعد إحالته للجنايات.. والدة إحدى التلميذات بقضية اتهام سائق بالتحرش: التحاليل أظهرت آثاره على ملابسهن    بريطانيا: اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس خطوة جديدة نحو وقف القتال في أوكرانيا    الصحة توضح الموقف الوبائي للأمراض التنفسية وتؤكد المتابعة المستمرة والاكتشاف المبكر    أخبار 24 ساعة.. مبادرة حكومية موحدة لتحفيز الاستثمار فى الشركات الناشئة    ذكرى وفاة مها أبو عوف.. أزمات ومحن خبأتها خلف ابتسامتها الشهيرة ترويها شقيقتها    مروان عطية: نسعى لمواصلة مشوارنا في أمم أفريقيا وإسعاد الجماهير    محافظ الجيزة يهنئ الأقباط الإنجيليين بعيد الميلاد المجيد    محافظ الدقهلية: 11.359 ألف خدمة طبية وعلاجية وتثقيفية مجانية من القوافل الطبية المجانية خلال ديسمبر    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    رئيس جامعة كفر الشيخ: العدالة والهدوء المعيار الأساسي لامتحانات الفصل الدراسي الأول    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    الفراعنة على مشارف الربع النهائي.. مباراة مصر وبنين في كأس الأمم الأفريقية 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تقاطع المصائر وخيانات المثقفين فى الثورة العرابية د. صبرى حافظ
نشر في التحرير يوم 30 - 11 - 2013

لم يكن وراء عرابى جيش كبير ولا أموال.. وكان ظهره مكشوفًا لخيانات الخديو وأتباعه من الأعيان والمثقفين الخونة مثل محمد سلطان وعلى مبارك
حرص الإنجليز على حرمان المصريين إبان الحرب من أموالهم.. ونقلوها إلى الأسطول الإنجليزى فى الإسكندرية
إدوار هنرى بالمر عرفه البدو باسم عبد الله أفندى.. وهو أول من قدم خريطة تفصيلية دقيقة جغرافيًّا وسكانيًّا لسيناء
على مبارك آثر الولاء للحاكم التركى ووافق على أن يبعث به الخديو ليساعد الإنجليز على احتلال بلده
أبلى جنود مصر بلاءً حسنا على الجبهة الغربية وكبدوا الإنجليز خسائر فادحة على ترعة المحمودية.. ومنعوهم من اختراق تحصينات العرابيين فى كفر الدوار
خدع ديليسبس عرابى وسمح للإنجليز باستخدام القناة لاستقدام آلاف الجنود من الهند إلى السويس ومنها إلى الإسماعيلية لفتح جبهة شرقية
ليس هدفى من كتابة هذه السلسلة من المقالات عن الثورة العرابية التأريخ من جديد لهذه الثورة المصرية الباكرة، لأن هذا أمر لا طاقة لى به، وقد قام به كثيرون من قبلى من المؤرخين المصريين والأجانب خير قيام. وعلى المؤرخين المتخصصين الاضطلاع به فى ضوء ما نعيشه الآن من ناحية، كى نتعلم دروس تاريخنا ولا نكرر أخطاءنا، وفى ضوء ما كشفت عنه الوثائق البريطانية التى أصبحت الآن، بسبب مرور الزمن متاحة، بصورة تصحح كثيرا من التصورات الخاطئة عن أحمد عرابى وعن ثورته الباكرة.
لكن ما دفعنى لاستعادة تلك التواريخ، ضمن سياقات الرحلة التى تتبعت فيها مؤخرا خطى عرابى وصحبه الكبار فى منفاهم، هو الرغبة فى إماطة اللثام عن كل التصورات السلبية التى ترسبت فى ذاكرتنا عن عرابى وثورته، والتى وجدت لها صورة مناقضة تماما من فرط إيجابياتها عنه فى سيريلانكا، التى وصل إليها مقهورا منفيا مهزوما، فغير كثيرا من جوانب الحياة فيها وبصورة إيجابية باهرة. فكيف يستقبل الآخر الصورة التى تتبدى لى الآن بعد كل ما انشغلت به من بحث وقراءات عن الموضوع منذ عودتى من سيريلانكا، أقرب إلى الحقيقة، من تلك التى شوهتها الكتابات المتكررة عن عرابى وثورته؟ كتابات شارك فيها كتاب ومثقفون كبار من طراز أحمد لطفى السيد، والتى أصبحت قصيدة أحمد شوقى الرديئة، وبيتها الافتتاحى المتحامل الأشهر «صَغَار فى الذهاب وفى الإياب * أهذا كل شأنك يا عرابى؟» شارة عليها وعلى عملية التشويه المستمرة والمتعمدة للوطنية المصرية معها.
وقد دفعنى هذا التناقض الواضح بين الصورتين، وسوف أعرض على القارئ فى مقال قادم الصورة فى بريطانيا ودورها فى مسار الأحداث، قبل التعرف على تجلياتها فى سرنديب عند استقبال عرابى فيها، إلى تأمل العلاقة بين ما تعرضت له الثورة العرابية من تشويه، وبين ما يدور على الساحة المصرية الآن، وما تتعرض له ثورة 25 يناير من تشويه مماثل، ومؤامرات مماثلة للثورة المضادة. فأخذت أقرأ التاريخ على مرايا الحاضر، وأتأمل الحاضر فى مرايا التاريخ. وبدأت نفس استراتيجيات الثورة المضادة تسفر عن وجهها القبيح فى الحالتين. وأهم هذه الاستراتيجيات هى عملية التنسيق المحكمة بين ما يدور فى الخارج وما يدور فى الداخل، من أجل تحقيق أهدافها فى هزيمة الثورة. بل والعودة بعد هزيمتها بالوضع لا إلى ما كان عليه، بل إلى أسوأ مما كان عليه. وسوف أركز هنا، وأنا أتتبع آخر خطوات الثورة قبل هزيمتها فى التل الكبير، ومحاكمة عرابى ونفيه، على خمسة رجال كبار تشابكت مصائرهم فيها.
وليس ثمة مجال للخلط بين الرجال الخمسة الذين أود التعامل معهم هنا، والباشوات السبعة الذين نفاهم الاحتلال البريطانى إلى سرنديب، وعلى رأسهم أحمد عرابى. وإن كان عرابى نفسه أحد الرجال الخمسة الذين تقاطعت مصائرهم فرسمت بعض أقدار مصر، وشيئا من محنتها فى ذلك الزمن البعيد. وقد اخترت هؤلاء الرجال الذين ينتمون إلى جيل واحد، وجنسيتين مختلفتين. لأن الحديث عنهم يكشف كثيرا مما غاب عنا فى التأريخ لتلك الثورة المصرية الكبيرة. وبين الرجال الخمسة مثقفان مختلفان تكوينًًا وتوجهًا هما إدوارد بالمر وعلى مبارك، وعسكريان سياسيان هما اللورد كرومر وأحمد عرابى، وقد ولدا -لغرابة المصادفات- فى نفس العام 1841، وسيطر أولهما على مقدرات مصر أربعة وعشرين عاما، بينما نُفى ثانيهما عن أراضيها تسع عشرة سنة. أما الخامس ويلفريد سكاون بلنت (1840 - 1922) فيكبرهما بعام واحد، كما كان أطول الثلاثة عمرًا، فقد جمع بين المثقف والسياسى، وبين الشاعر الذى يطمح إلى أن يكون ضمير عصره، والمغامر المولَع بالحياة. ولعب دورا مرموقا فى مسار كل ما جرى لعرابى من أحداث، وخصوصا بعد هزيمة ثورته، كما أنه يكشف لنا عن أهمية الحرية فى الثقافة، وأهمية الثقافة فى الدفاع عن هذه الحرية وإرهاف ضميرها.
وقد كشفتُ فى مقال الأسبوع الماضى كيف أن العمل الذى دار على الجبهة الدولية، سواء بتمويهات «ميثاق النزاهة» العارى من أى نزاهة، والذى يجب تسميته بميثاق الغدر والبهتان، أو بتأكيدات ديليسبس الكاذبة لأحمد عرابى بأن حيدة قناة السويس ستحول دون استخدام الإنجليز لها فى الحرب، وأن فرنسا لن تسمح لهم بذلك. أو حتى بضغط بريطانيا بعدما لاقت قواتها مقاومة أكبر مما تصورت، وخصوصا أمام خطوط كفر الدوار الحصينة، وعلى ترعة المحمودية التى أشرف عليها عرابى وطلبة باشا عصمت، وخداعها السلطان العثمانى بأنها ستساعده كى يسترد سلطانه المفقود على مصر، كى يعلن عصيان عرابى، فأصدر فرمان عصيانه فى 6 سبتمبر 1882، وفى أثناء احتدام المعارك فى الجبهة الشرقية فى القصاصين وعلى مشارف التل الكبير، ونشر الأمر فى (الجوائب) ففرح به الخديو توفيق، لأنه جاء كطعنة فى ظهر عرابى، خصوصا بعدما كان السلطان العثمانى قد أسبغ عليه أحد أهم أوسمة السلطنة، وأوكل إلى سلطان باشا نشره بين المصريين وتوزيع نسخ من (الجوائب) التى تضمنته على الأعيان، وكان لهذا الإعلان أثره الفادح على سير المعارك، كما ذكرت لسطوة قوة الخلافة الدينية، كما هو الحال مع كل من يستخدمون الدين لتحقيق أهداف سياسية مشبوهة فى عرقلة الثورة المصرية الجديدة، بل وفى الإجهاز عليها وتوطئتها لخدمة الأهداف الصهيوأمريكية فى المنطقة.
وكان يرافق هذا التجهيز على الجبهة الخارجية، كدأب الثورة المضادة الآن، تجهيزات أهم على الجبهة الداخلية. وقد دارت هذه التجهيزات على محورين: أولهما محور إنجليزى داخلى، حيث حرص الإنجليز على حرمان المصريين إبان الحرب من أموالهم. وتأكدوا من أن الخزانة المصرية كانت فارغة، فقد أفرغها المراقب المالى الإنجليزى كولفن مما بها من أموال قبل الغزو، ونقل كل ما بها إلى الأسطول الإنجليزى فى الإسكندرية، كما نقل كل ما فى صندوق الدين من أموال إليه أيضا، وتكفل المندوب الفرنسى بنقل ما تبقى فيه من أموال للسفن الفرنسية. كى يستخدموها فى رشوة المصريين الخونة، وبأموال مصرية خالصة. أيذكرنا هذا بشىء من التمويل الأجنبى وتورطاته فى ثورة 25 يناير، والإنفاق منه خصما على أموال المعونة الأمريكية. فلما حانت ساعة الوغى لم يكن وراء عرابى جيش كبير ولا أموال، وكان ظهره مكشوفا لخيانات الخديو وأتباعه من الأعيان الخونة بقيادة محمد سلطان باشا. ومن المثقفين الخونة بقيادة على مبارك باشا، ومع هذا أبلى جنود مصر بلاء حسنا على الجبهة الغربية وكبدوا الإنجليز خسائر فادحة على ترعة المحمودية. وعلى مدار أكثر من شهر كامل من المعارك الحامية، التى تواصلت عقب ضرب الإسكندرية، طوال ما بقى من يوليو وشهر أغسطس. وبعد وصول ويلسلى ورغم كل إمداداته أخفق الإنجليز فى اختراق تحصينات العرابيين فى كفر الدوار، وارتدوا على أعقابهم خاسرين فى أكثر من معركة، بعدما كبدهم المصريون خسائر حالت دون تحقيق أى تقدم ملموس على تلك الجبهة الغربية.
لكن «الولس» كسر عرابى كما يقول التعبير المصرى الشائع والصادق معا! وكان هذا الولس مركبا. فقد بدأ بأن خدع ديليسبس عرابى، وسمح للإنجليز باستخدام القناة لاستقدام آلاف الجنود من الهند إلى السويس، ومنها إلى الإسماعيلية، لفتح جبهة شرقية. بينما كانت العساكر البريطانية تتدفق على الإسكندرية من مالطا وقبرص وجبل طارق حتى بلغ عددها أكثر من 14 ألفا، بينما كان عدد الجيش المصرى المكبل بالفرمانات العثمانية والخيانات المحلية لا يزيد على 13 ألفا، حسب تقديرات بلنت نفسه؛ موزعين على كل الجبهات بين الإسكندرية ورشيد ودمياط. ومع ذلك لم يستطع الجيش الإنجليزى التقدم على الجبهة الغربية رغم المدد الوفير الذى تدفق عليه فى شهر أغسطس 1882. وقد كان لا بد أن تبالغ الصحف البريطانية فى حجم الجيش المصرى الذى أوقف زحف الإنجليز فى كفر الدوار، فذكرت أنه يتكون من 47 ألف مقاتل، كى تتم التعبئة لإرسال آلاف جديدة من الجند والعتاد. برغم معرفة بريطانيا الوثيقة بالفرمانات التى لا تبيح له أن يتجاوز 18 ألفا، وعرقلتها النشيطة لأى زيادة له منذ عصر إسماعيل. وطوال العام الذى انقضى منذ نجاح الثورة فى وقفة عابدين وحتى اندلاع الحروب. ألا يذكرنا هذا بما يدور الآن وامتناع أمريكا عن تسليم أى أسلحة متفق عليها للجيش؟
وكانت هذه المبالغة الكاذبة ضرورية كى تدفع بريطانيا بعشرات الآلاف من الجنود الذين جاءت بهم من الهند. وكان لا بد من مدد وفير منهم، لفتح جبهة شرقية أخرى، من جهة قناة السويس التى صرفت فرنسا نظر عرابى عن حمايتها حتى اللحظة الأخيرة. وكان هذا المدد الهندى كبيرا، فقد نجحت الدعايات الصحفية التى اقتربت بالجيش المصرى من الخمسين ألفا، إلى الحد الذى نعرف الآن أنه اقترب من الأربعين ألفا. أى أننا بإزاء غزو كاسح يستخدم أكثر من خمسين ألف جندى بعتاد حربى متفوق. ولم يكن هذا كله كافيا دون «الولس» لتحقيق نصر على مصر. وإلى جانب هذه الآلاف التى جاءت من الهند، ونزلت فى السويس ثم سارت إلى الإسماعيلية، كان ثمة وعى لدى العدو بأنه من الممكن أن تصطدم هذه الجيوش بمقاومة عسكرية وشعبية كبيرة، خصوصا أن مشاعر المصريين كانت معبأة ضد الإنجليز. لكن الدور التمهيدى الذى قام به هذا الإنجليزى العتيد الذى دعوته بأحد الأسلاف الأوائل للورنس العرب الشهير، كان له دور مهم فى تهيئة المناخ الذى أسهم فى هزيمة عرابى وثورته. ألا وهو إدوار هنرى بالمر (Edward Henry Palmer -1840 -1882) والذى عرفه بدو سيناء والشرقية باسم عبد الله أفندى.
وبالمر هو صاحب أولى الدراسات التفصيلية عن أرض التيه فى سيناء بعنوان «صحراء الخروج التوراتى The Desert of the Exodus 1872» التى تقدم أول خريطة تفصيلية دقيقة جغرافيا وسكانيا لبدو سيناء، ترتبط فيها طوبوغرافيا المكان بسلالات سكانه وقبائلها المختلفة، أرجو أن يرجع إليها كل المهتمين الآن بتطهير سيناء من العناصر الإرهابية التى تستهدف، بعد تآمر الإخوان على الثورة، الإجهاز الكامل على الثورة المصرية الجديدة، بإدخال مصر فى مستنقع الدم، وتدمير الدولة المصرية معا. وبينما كان هذا المثقف الإنجليزى يتفانى فى خدمة مشروع بلاده الاستعمارى البغيض، لدرجة أنه دفع حياته ثمنا لنجاح هذا المشروع كما ذكرت، كان المثقف المصرى المرموق، على مبارك، يسهم بدم بارد فى خيانة بلده، وتوطئة أرضها الطاهرة للمستعمرين، كما كشفت من خلال الوثائق الإنجليزية التى بعث بها إدوار ماليت للجنرال ويلسلى. ومعها رسالة توصية بإكرام وفادة محمد سلطان باشا وعلى مبارك باشا ومرافقيهما الخونة وتمكينهم من تمهيد أرض مصر للجيش الإنجليزى الغاصب.
وتوشك المقارنة بين مسيرة بالمر الذى علم نفسه، وأنفق حياته من أجل نجاح مشروع بلاده، ومسيرة على مبارك الذى تعلم على حساب مصر وخانها، أن تجلب الدموع إلى عيون القراء والحسرة إلى عقولهم، وتشعرهم بالخزى لتخلى مثقفيهم عنهم، وعن وطنهم. فمع أن بالمر كان يصغر على مبارك بسبعة عشر عاما، وأنه تعلم على حسابه الخاص عديدا من اللغات، بما فى ذلك الهندية والفارسية، وحصل على وظيفة فى جامعة كيمبريدج المرموقة، فإنه تطوع عام 1868 للمشاركة فى المسح الاجتماعى الجغرافى اللغوى لسيناء على حساب صندوق الاستكشافات الفلسطينية وقتها، فقام باستكشاف صحراء التيه التوراتية مع زميل له هو تشارلز دريك «Charles Drake» ومسح سيناء مشيا على الأقدام ودون أى دليل. وواصل هو بعدها البحث والتنقيب فى الكتب والمخطوطات لتوثيق كل ما شاهده فيها، وما دوّنه بها من معلومات حتى كتب نتيجة لذلك كتابه المهم عام 1872. وحصل بفضله على كرسى الدراسات العربية فى جامعة كيمبريدج المرموقة فى العام نفسه.
ثم واصل بعد هذا الكتاب تأليف مجموعة مقالات علمية عن الملل والنحل السرية فى سيناء، وعن شبكة القبائل والتجمعات فيها. وهى كلها من المراجع المبكرة والمهمة فى هذا المجال. لكن ما أن دعاه وطنه حتى لبى النداء، وترك وظيفته الجامعية المريحة من ورائه وعاد إلى سيناء يستخدم كل معارفه وصلاته القديمة فيها لخدمة بلده. ويكرسها لضمان ما طلبته منه حكومته، وهو حث أهالى سيناء على التخلى عن أى دعم للجيش المصرى من ناحية، والتأكد من عدم تهديدهم قناة السويس حال استخدام الإنجليز لها فى مهاجمة مصر من ناحية أخرى. وقد قام بالأمرين على خير وجه، بل ودفع حياته ثمنا لتحقيق النصر لبلاده.
أما على مبارك «1823 - 1893) الذى انحدر من محافظة الدقهلية، واستخدم معرفته بالمنطقة لمساعد الإنجليز فى الجبهة الشرقية، وليس للوقوف مع ثورة بلاده وجيشها المدافع عن استقلالها الوطنى؛ فقد كان ضمن البعثة التعليمية الشهيرة إلى فرنسا، والمعروفة ببعثة الأنجال، لسفر أربعة من أبناء محمد على وأحفاده بها، التى زامل فيها إسماعيل بك إبراهيم، حفيد محمد على الذى أصبح فى ما بعد الخديو إسماعيل. إذن فقد تلقى كل تعليمه على حساب مصر وبأموالها، واقترب بسبب ابتعاثه على حسابها فى بعثة الأنجال من الأسرة الحاكمة، وهذا هو سر استعانة إسماعيل به بعد توليه الحكم، فقد تزاملا فى تلك البعثة التى ألهمت إسماعيل عملية تحديث مصر، على الطراز الباريسى، وجعلها «قطعة من أوروبا» كما كان يقول شعار عصره. لأن زمن بعثة الأنجال الشهيرة تلك تزامن فى باريس مع قيام البارون جورج - يوجين هاوسمان بإعادة تخطيط باريس وتحديثها. وهى العملية التى أحالت باريس منذ هذا الوقت وحتى الآن إلى واحدة من أجمل المدن الأوروبية. وقد قام على مبارك بدور بارز فى عمليات التحديث فى عصر إسماعيل. سواء فى ذلك عملية تحديث المدينة أو تطوير النظم التعليمية فى مصر. لكنه ككثير من المثقفين المصريين فى عصرنا الحديث، استمرأ الحياة فى الحظيرة على حد تعبير فاروق حسنى، وعندما حانت لحظة الفرز، وأصبح مصير الوطن على المحك، آثر الولاء للحاكم التركى على الولاء لمصر، واختار الولوغ فى دماء المصريين ليخدم الحاكم الفاقد للشرعية والمصداقية، ووافق على أن يبعث به الخديو ليساعد الإنجليز على احتلال بلده، وخيانتها فعلا لا قولا. ألا يذكرنا هذا بتقدم جابر عصفور إلى القسم أمام مبارك المخلوع فى وزارته الأخيرة؟ والغًا هو الآخر فى دم الثوار فى ميدان التحرير؟!
ماذا قال بشارة تكلا مؤسس «الأهرام» عن معركة التل الكبير؟
ويطرح سلوك على مبارك ذاك، والذى يتواصل الآن فى سلوك عصفور وجمال الغيطانى، الذى سار على درب على مبارك فى كتابة الخطط، وغيرهما كثير من الأسئلة عن العلاقة بين المثقف المصرى والسلطة. فعلى مبارك هو أيضا صاحب «علم الدين» و«الخطط التوفيقية» وغيرها من الأعمال الثقافية المهمة، ولكنه أيضا صاحب هذا الموقف الشائن الذى صحب فيه الخائن الكبير للثورة العرابية محمد سلطان باشا، والقيام معه بتسهيل مهمة الجيش البريطانى فى احتلال مصر. خصوصا أن الأمر لم يقتصر عليه وحده، بل شاركه فى تلك الخيانة، كما هو الحال الآن، مثقفون آخرون. كان فى مقدمتهم بشارة تكلا صاحب «الأهرام». حيث يقول عرابى لمحاميه الإنجليزى برودلى «إن بشارة تقلا صاحب (الأهرام) ومحررها كان ممن يدينون بمبدئنا قبل الحرب، وكان قد أقسم بدينه وشرفه أنه واحد منا وأنه يعمل لحرية وطننا. وقد عددناه فى الحق من الوطنيين. ثم دخل على عرابى فى سجنه بعد الهزيمة، وخاطبه بأقذع الألفاظ، ووصفه بالخيانة وعدم الشرف». انظر ما كتبته «الأهرام» عشية نهاية معركة التل الكبير الفاصلة، واحتلال الإنجليز للقاهرة بعد انكسار الجيش، وتمعن فى دلالاته:
هل يمكن لصحفى أو كاتب أن يهنئ غزاة بلاده، وأن يتشفى فى زعمائها الوطنيين بهذه الطريقة؟ بعدما كان يعد نفسه أحد أنصار عرابى، ومن المؤيدين لحزبه الوطنى؟ إن قراءة هذه الكلمات التى تبدأ من العنوان اللزج: «البشرى العظمى»، وتتواصل مع وصف المحتل بالباسل، ووسم الزعيم الوطنى بالعاصى، والزعم بأن مصر تتهلل طربا وفرحا، وليس حزنا وكمدا، للاحتلال ثورث الغم! ناهيك بتهنئة الخديو وعن التهليل الفج «بشراك يا مصر بشراك! فقد نلت المنى ودخلت العساكر الإنجليزية باسم الحضرة الخديوية عاصمة بلادك فاحتلتها. وقبضت على عرابى وطلبة وإخوانهما. واستلمت القلعة وقصر النيل وسواهما من المراكز العسكرية. وتسنى لسمو خديوك المعظم أن يتم فيك مقاصده النبيلة الآيلة إلى نجاحك ورقيك. وانفتحت لأبنائك أبواب العصر الجديد فادخلوها بسلام آمنين» أى عار هذا؟!
ولم يكن هذا هو حال «الأهرام» وحدها، فقد سارت جريدة «الوطن» و«المحروسة» على نفس النهج. وانتهى أمرهما بالخيانة الصريحة. كما تطوع بعض الانتهازيين، وعلى رأسهم الشيخ حمزة فتح الله وأسس جريدة «الاعتدال» بعد الغزو البريطانى، وندد فيها بالعرابيين وموقفهم من الإنجليز، واصفا العرابيين بالجهل بفنون الحرب، وإقحامهم البلاد فى حرب لا طاقة لهم بها، وذلك لمآربهم الشخصية. واصفا عرابى بأنه جاهل خاطرَ بدماء المسلمين وأعراضهم. وظلت الصورة التى تواصل نسج أكاذيبها منذ افتتاحية «الأهرام» عشية الاحتلال وحتى قصيدة أحمد شوقى الرديئة، كى يتكرس فينا الخنوع والخضوع للحاكم مهما كان ضعيفا أو خائنا أو فاقدا للشرعية! وأهم من هذا كله كى تشوه رموزنا الوطنية.
ولا أريد أن أواصل الكشف عن خيانات المثقفين، خصوصا تلك التى أسفرت عن وجهها القبيح بعد الهزيمة وممالأة الخديو، الذى ثبت عرشه بالتضحية باستقلال مصر كلها. لكننى أود أن أعود إلى تأكيد أن سلطان باشا هو الذى قام بالدور الجوهرى فى طعن الجيش المصرى فى ظهره وخيانته. فلم يقتصر على توزيع «الجوائب» وإعلان عصيان عرابى بين الجند والأهالى فى أثناء احتدام المعارك، ولا حتى على ضمان أن لا يهاجم أهالى الشرقية وبدو صحاريها خطوط الجيش الإنجليزى الخلفية، ولكنه كما كشفت الوثائق لا يقل بأى حال من الأحوال عن دور الخائن على يوسف خنفس الذى كشف للجيش البريطانى خطط الجيش المصرى، وقاده إلى اختراق الصفوف الخلفية للجيش وطعنه من الخلف فى معركة القصاصين. فقد كان دوره كما كشفت رسالة الخديو وماليت لويسلى هو توفير دعم الأهالى لعملية الاحتلال، وتسهيل مهمة الجيش الإنجليزى لا مقاومتها. لأن ما قام به سلطان باشا على الأرض، هو الجانب العملى المهم الذى يتم عبره تحويل ضغوط الخارج وخداعاته إلى وقائع بالداخل وعلى الأرض. وقد قدمت صفحات من وثائق تلك الخيانات التى تورط فيها المثقفون، كما يتورطون الآن فى خيانة ثورة 25 يناير، وعلى رأسهم على مبارك، الذى سرعان ما نال مكافأته على خيانته، بأن أصبح وزيرا فى أولى وزارات الاحتلال البريطانى لمصر.
ولا أريد أن أنهى هذه الحلقة بسرد وقائع الهزيمة الناجمة عن هذا التنسيق المحكم على الجبهتين الخارجية والداخلية. ولكننى أود أن أذكر القارئ بالجانب المضىء أيضا فى الوطنية المصرية. فبالرغم من خيانة الأميرالاى على يوسف خنفس وتمرير خطة هجوم الجيش المصرى للإنجليز فى موقعة القصاصين فى 9 سبتمبر، وبعد أن ساعد عربان الهنادى، الذين جندهم سلطان باشا الجيش الإنجليزى على مفاجأة جيش العرابيين ليلا فى التل الكبير، ها هو البطل محمد عبيد والألاى السودانى بقيادته يسطرون بدمائهم تاريخا مجيدا فى معركة التل الكبير فى 13 سبتمبر، ويكبدون الإنجليز ثمنا فادحا فيها، وقد صمدوا حتى استشهد معظمهم، بمن فيهم محمد عبيد نفسه. لكن بقية المعركة كانت خليطا من المهزلة والخيانة وسوء التدبير معا، وقتل فيها أكثر من ألفين وغنم الإنجليز أكثر عتاد الجيش فيها. بعد انهيار الجيش الذى عانى من الضعف وخيانات الداخل والخارج على السواء. وسقطت تحصينات معركة التل الكبير على بعد 110 كيلومترات من القاهرة، فانفتح الطريق أمام جيش الاحتلال لوصولها فى نفس اليوم. ألا نجد فى هذا ترجيعا لأصداء محادثات الكيلو 110 ولكن على طريق السويس هذه المرة لا الإسماعيلية، بعد استفحال حجم ما يدعى بالثغرة فى حرب 1973؟
أما بقية الرجال الخمسة فسنتحدث عنهم فى المقال القادم!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.