ما هى دولة إسرائيل؟ دولة إسرائيل عبارة عن تحقيق لفكرة الوعد الإلهى للشعب اليهودى، الوعد المذكور فى القرآن فى سورة المائدة بالمناسبة: «الأرض المقدسة التى كتب الله لكم». على هذا الوعد قامت الفكرة، وهاجر أناس تشتتوا منذ مئات السنين إلى «أرض الهجرة»، بعد أن لفظتهم المجتمعات غير اليهودية. هاجر المستضعفون من ديار الحرب عليهم، إلى دار أمان (سجلى يا بنتى عندك فى الملاحظات). فى دار الهجرة، الأرض الموعودة، قامت دولة إسرائيل. لكن المساحة لم تَكْفِها، فهناك زيادة سكانية، هناك مزيد من «المؤمنين» يأتون هجرة إلى حياة أفضل فى مجتمع لا يلفظهم. وهناك أيضا ضرورات أمنية، وضرورات اقتصادية. ماذا تفعل إسرائيل؟ تتوسع، تستخدم شعار تحقيق وعد الله. أين تجدين نفس هذا التفكير؟ (سؤال إلزامى). لا. أنا عايز كمان أروح أبعد من كده وأقارن بين دولة إسرائيل وبين الدولة الإسلامية الأولى فى يثرب. هجرة. مجتمع. توسُّع. دولة. النقطة هنا أن توسُّع الدولة اليثربية كان أول ما كان على حساب يهود المدينة. بنى النضير ثم بنى قينقاع ثم بنى المصطلق وبنى قريظة وخيبر. سنَدَع جانبًا الأسباب المذكورة فى كتب السيرة، لأنها -فى معظم الحالات- لا تبرر حروبًا تنتهى بالطريقة التى انتهت بها حروب المسلمين مع اليهود من تهجير عرقىّ أو تطهير عرقىّ، أفضل ما يمكن أن يُقال فيه إنه كان ابن زمانه (سجلى دى كمان علشان هنرجع لها). سندع جانبا هذه الأسباب وننظر فى الأسباب العملية على الأرض. الدولة اليثربية الناشئة كانت تعتمد فى اقتصادها على الحرب والغنيمة. وبعض الزراعة والتجارة. لكن أكثر مناطق يثرب خصوبة، وإنتاجا للتمر، كانت تحت يد اليهود. سوق يثرب الحِرفى المربح كان تحت يد يهود بنى قينقاع. إنتاج أفضل أسلحة الجزيرة العربية كان فى يد اليثاربة بوجه عام ولكن بيد يهود خيبر بوجه خاص. انقطاع الغنائم، بداية من الهزيمة فى أُحد، مرورا بمقاومة الحصار دون غنيمة فى الخندق، أرهق ميزانية دولة يثرب تماما. لذلك كان لا بد (فى إمبريالية مصغَّرة) من الاستيلاء على «ثروات القبائل المجاورة». وهذا ما حدث. أضيفى إلى هذا البعد الاقتصادى بُعدا أمنيا أيضا، بيع سبايا اليهود استُخدم فى تسليح جيش فتح مكة. لاحظى أيضا أن يهود يثرب من سكانها الأصليين منذ هاجروا إليها مع عرب من اليمن. لماذا أعود إلى دولة يثرب وأجيب لنفسى الكلام؟ لأن هنا مَربط الفرس. ركزى معايا. فى الجزء الأول من المقال لا بد أنك قلت لنفسك إن سلوك إسرائيل يشبه سلوك الإسلامجية المحدَثين. جماعات التكفير والهجرة. الإخوان المسلمون. الجماعة الإسلامية. هذه الإجابة ليست مخطئة تماما. هتاخدى عليها واحد من عشرة لو كتبتيها فى مكان يحترم التفكير الحر. الحقيقة أن وجه التشابه هو الشرعية الدينية والاعتقاد بالتفوق والاصطفاء لا غير. الشرعية التى تبرر التوسع على حساب آخرين بالأمر الإلهى والوعد الربانى. إنما لو دقَّقتِ لرأيتِ أن إسرائيل انتبهت إلى ما لم ينتبه إليه الإسلامجية المحدثون. انتبهَت إلى الدرجات التسع الأخرى اللازمة لبناء دولة معاصرة قوية، ولم تركِّز على الدرجة الأولى فقط. بأىّ معنى؟ إسرائيل أنشأت فوق الدرجة الأولى، العنصرية المبرَّرة دينيًّا، تسع درجات من دولة حديثة، عالمانية، ديمقراطية، فيها نظام تعليمى من أفضل النظم فى العالم، وهى دولة صف أول فى تكنولوجيا المعلومات، وفى تطوير الأسلحة، وفى الزراعة. وهى مجتمع لا يتدخل فى إيمان الناس، ولا تفرض الدولة فيه نمط حياة عقائديًّا معينًا على أفرادها. كما أنها مجتمع حر لمواطنيه، يساوى بينهم أمام القانون، ويلاحق «الشريف منهم» قانونيًّا لو أساء. أما الإسلامجية فليس فى أدبياتهم بناء الدولة المعاصرة للزمن الذى نعيش فيه، لأنهم يكرهون العالمانية ويكرهون الديمقراطية ويمجّدون المحفوظات الشرعية على العلم. الإسلامجية -حتى الآن- يَستقون أحكام دولتهم المزمعة من أحكام دولة يثرب ومنها -فى سياق موضوعنا- قتل ومقاتلة اليهود، وتهجيرهم من شبه الجزيرة العربية، وسبْى نسائهم وأطفالهم، والاستيلاء على كل ممتلكاتهم إلا ما تحمله العِير. هل هذا يمكن أن يقيم دولة فى القرن ال21؟ طيب أمّال انتم بتلوموا إسرائيل على إيه بالظبط وانتم بتتوعّدوا تعملوا أكتر منها؟ فَهِّمونا الواحد مخّه قرَّب ينفجر!