ثمة نوعان من الإلحاد: الأول يمكن وصفه ب«الفلسفى»، إذ ولد من رحم الصراع الممتد حول ذلك الكائن القدسى الأسمى «الله»، خالق العالم والإنسان، والذى طرحت فى ظلّه تلك الأسئلة الجوهرية حول معنى الوجود، وأصل الخلق، وجذور الشر، وجدوى الخير، ومصير الإنسان، ومغزى الحياة، وما بعد الموت.. إلخ. وهى الأسئلة الكبرى التى شغلت تاريخ الفلسفة، وعبَّرت عن انشغال حقيقى بالمصير الإنسانى. هذا النوع من الإلحاد هو الذى عرفته الثقافة الأوروبية الحديثة. وباسمه تحدَّى فيورباخ الإيمان المسيحى، كما تحدّاه فرويد وماركس ونيتشه ودوركهايم. إذ اعتبر فرويد أن الله مجرد تعبير عن جوهر الإنسان، ومن ثَمَّ فالدين ليس سوى أوهام إنسانية. أما ماركس فرأى فيه مجرد تنهيدة لمخلوق خاضع، وأفيونًا لشعوب مقهورة. أما فرويد فادعى مباشرة أن الدين محض أوهام تعبّر عن رغبات بشرية قوية تتوق للإشباع. أما نيتشه، وعلى العكس من حركة التاريخ الفكرى، الذى شهد مرارًا قتل الإنسان قربانًا على مذبح الإله، فقام بقتل الإله! على مذبح الإنسان، قربانًا لحريته بعد طول عجز، وتقدّمه بعد ركود استغرق القرون الوسطى المسيحية. لقد أنكر هؤلاء جميعًا الله، ولكن إنكارهم جسَّد موقفًا معرفيًّا مسؤولًا، أفنوا فيه أعمارهم، وأعادوا فى سياقه تأمُّل التاريخ البشرى كله، وأنتجوا نظريات عدّة كان بعضها عميقًا فى تفسير جوانب النشاط الإنسانى، سواء النفسية كالأحلام لدى فرويد، أو الاقتصادية الاجتماعية لدى ماركس، أو الاجتماعية الدينية لدى دوركهايم. أما الثانى فيمكن وصفه ب السوقى ، إذ يفتقر المدعون له إلى العمق والمسؤولية، ويعولون فقط على الغرابة والاستفزاز فى التعاطى مع الحقيقة الإلهية، ناهيك بالسخرية من رجال الدين المسيحى وأئمة الفقه الإسلامى، وهو ما تجلَّى فى حوارات الإعلام المصرى التى اتسم معظمها بالردح والاستهزاء بإيمان المشاهدين. والبادى من طبيعة المرحلة العمرية لأغلب الملحدين هؤلاء أن التسرُّع هو سمتهم، وأنهم لم يبذلوا جهدًا معرفيًّا يُذكر فى تأمل الموقف الإنسانى المعقد، فلا غايات واضحة لإلحادهم، سوى الاستعلاء على جموع المؤمنين ، باعتبارهم ذلك القطيع الذى يحسن التفرُّد فى مواجهته بالإلحاد، كمحاولة للبحث عن هوية ضائعة. مشكلة هذا النوع من الإلحاد السوقى أنه عدوانى بقدر ما هو استعلائى، فالملحد الفلسفى لا يسرع إلى إعلان إلحاده، وبعض مَن ذكرناهم سلفًا لم يسموا أنفسهم ملحدين أصلًا، بل وصفهم بذلك مؤرخو الثقافة الذين أتوا بعدهم. أما الملحد السوقى فغالبًا ما يعلن إلحاده، قبل أن يتأمَّل حيثياته، لأن الهدف هنا هو تحقيق الشهرة والذيوع كما تحقّق فعلًا للبعض منهم. ولعل هذا يذكّرنا بمرحلة المراهقة لدى كثير من الناس، وهى مرحلة معروفة بالميل إلى تأكيد الذات، ولو عبر ممارسات عبثية غالبًا ما يندمون عليها بعد النضوج، ومن ضمنها عادة التدخين، تقليدًا للأب، وتمردًا على سلطته التى يرونها قمعية، بل وعلى طفولتهم التى يرغبون فى تخطيها، ولكنهم سرعان ما يحنّون إليها فى مراحل تالية من العمر، حينما يقض الشيب مضاجعهم، فهل يحن أولئك الملحدون السوقيون إلى الله، فى مراحل نضجهم، بعد أن تزول أسباب مراهقتهم، وتختفى الأضواء المسلطة على إلحادهم؟