كما ترى حضرتك، فنحن الآن نبدو محشورين وسط ضجيج مقرف تبثه عصابتان اثنتان تعيشان وتقتاتان على وهم يستقر أحيانا كثيرة فى قلب الجنان الرسمى شخصيا.. العصابة الأولى هى تلك التى قادها الأستاذ حسنى مبارك وولده وظلت راقدة على أنفاس أهالينا لمدة 30 عاما كاملة أعملت خلالها فى جسد هذا البلد، دولةً ومجتمعًا، شتى صنوف الإفساد والتدمير والتخريب المادى والعقلى والروحى والأخلاقى، وأشاعت ظلما وقهرا وتخلفا رهيبا حتى أضحى المجتمع مجرد أطلال وحطام يختلط فيه البؤس والعدم الإنسانى بالتخلف والجهل والتأخر الذى تراكمت مظاهره القبيحة على كل صعيد وفى كل مكان تقريبا، عدا قشور ملمَّعة وفخمة معزولة تماما ومتناثرة هنا وهناك. فأما العصابة الثانية فهى أكثر وحشية وأشد أذًى، إنها عصابة «إخوان الشياطين» وأتباعها القتلة الذين حاولوا أن يرثونا من العصابة الأولى بعدما «نشلوا» ثورة عظيمة أسقطت نظام مبارك وولده، وفوق جثة هذه الثورة التى يكرهون ويعادون كل قيمها وأهدافها النبيلة، صعدوا إلى قمة السلطة لمدة عام واحد كان كافيا لكى يرى المصريون بعيونهم ويلمسوا بأياديهم حجم الخطر الوجودى الرهيب الذى يهدد البلد إذا ما استمرت هذه العصابة الطائفية الإرهابية فى الحكم، وأدركوا بفطرتهم السليمة وبمخزون مسيرة تحضرهم الطويلة أن الأمر لن يقف عند حدود إبقاء التخلف والقهر والتخريب والبؤس عند المستوى الذى تركته العصابة الأولى خلفها بعد اندحارها، وإنما سيتفشى الخراب ويعم ويستفحل أكثر وأكثر إلى حد يهدد بقاء كيان الوطن نفسه وتحطيم ما تبقى من قواه وتمزيق وحدة نسيجه المجتمعى (انظر ما يحدث فى العراق وسوريا وليبيا) لهذا انطلقت ثورة أسطورية جديدة (30 يونيو) نجحت بالفعل فى نزع شوكة هذه العصابة المسمومة بالدم من جسد الدولة والمجتمع بضربة واحدة. غير أن العصابتين هاتين لم تقتنعا بأنهما اندفنتا وذهبتا فعلا إلى الجحيم أو مزبلة التاريخ (أيهما أقرب) بغير رجعة، وإنما راحت كل واحدة منهما على طريقتها تعافر وتعاند قدَرها المحتوم، فعصابة مبارك وولده لجأت إلى طرق النصب الخايبة المتمرسة والمتعودة عليها واستخدمت بكثافة مذهلة أبواق إعلامها المنحط الذى تتولاه فرقة كريهة بذيئة ممن تلقوا تدريبهم على المهنة إما فى أقبية مباحث التموين أو على أرصفة الشوارع (أغلبهم ربما لا يصلحون مشاهدين ومع ذلك يطلون على خلق الله يوميا من بعض شاشات التلفزة باعتبارهم مذيعين).. هؤلاء حاولوا -وما زالوا- نشل ثورة 30 يونيو وتأجيرها لحسابهم أو دسّها فى كروشهم الواسعة، وهم فى هذه الأيام يعيشون ذروة عالية من ذُرى الوهم الجنونى خصوصا بعدما سمحت المحكمة التى تنظر بعض جرائم قادة عصابتهم، لمبارك ووزير داخليته وعدد من أركان جهازه القمعى باستخدام حقهم القانونى فى الدفاع عن أنفسهم وأتاحت لهم الكلام علنا فكذبوا بفحش (على فكرة «الكذب» فى المحاكمات حق تكفله القوانين عندنا وفى الدنيا كلها لأى متهم حتى يدفع عن نفسه الجرائم المنسوبة إليه) وأطلقوا العنان لترهات وخزعبلات لا تدخل عقل طفل، إذ تتناقض تناقضا فجًّا ومفضوحا مع واقع مادى كئيب وقبيح عاشه المصريون وكابدوا مظاهره الشنيعة سنوات وعقود طويلة وما زالوا يتجرعون مراره وسمومه حتى اللحظة، بما فى ذلك سم عصابة «إخوان الشياطين» التى حاولت أن ترثنا من عصابة مبارك وفشلت فراحت تنتقم منا بكل ما أوتيت من إجرام وغل وحقد وكراهية للإنسانية وقيمها جميعا، إذ إن الحقيقة التى لا سبيل لإنكارها أن قطعان المجرمين القتلة المتاجرين بالدين لم يهبطوا علينا من السماء فجأة بعد ثورة 25 يناير وإنما كانوا قد تمددوا وبرطعوا واستشروا وجرى تسمينهم فى عصر المخلوع الأول وولده. و.. تآكلت المساحة، وقد أكمل غدا إن شاء الله.