كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهراً عندما توقفت الطالبة القبطية «مريم» أمام مدرسة ضاحية السلام الإعدادية لتصافح زميلاتها بحرارة، وقد انفرط عقد دموعها وهى تودعهن الوداع الأخير قبل مغادرتها مدينة العريش. ولدت «مريم» ونشأت فى حى الرائد العربى لأب يعمل بمجلس مدينة العريش، وأم موظفة بديوان عام محافظة شمال سيناء، وفى هذا الحى كبرت والتحقت بالمدرسة الابتدائية ومن ثم الإعدادية وأصبح لها زميلات وصديقات. اليوم قرر والد «مريم» الرحيل من مدينة العريش ومن شمال سيناء كلها، بعد أن باتت حياتهم مهددة بالخطر، نتيجة تهديدات تنظيم «ولاية سيناء» لكافة المسيحيين المقيمين بشمال سيناء بالرحيل بعد 48 ساعة، ثم مددت المهلة إلى اسبوع وإلا سيتم استهدافهم وتصفيتهم داخل بيوتهم. كانت مدينة العريش قد شهدت خلال الفترة الماضية عدة حوادث قتل خلالها مواطنون أقباط بمناطق مختلفة بمدينة العريش كان آخرها إطلاق عناصر مسلحة وملثمة النار على المواطن القبطى نبيل محروس والذى كان يعمل موظفاً بمرور العريش. كما تم حرق منزل المواطن عبد الشهيد توفيق عازر والذى يعمل ببيع البلاستيك على «عربة كارو» وبعدها من الهجوم على منزل أحد المواطنين المقيمين بحى ضاحية السلام وتلاها على فتره متقاربة جدا استهداف وقتل المواطن وليام ميشيل «ابو هانى» صاحب محل سن السكاكين وذلك أمام المحل الخاص به بمنطقة سوق السمك بالعريش . وقبل أيام، وزعت عناصر تابعة لتنظيم « ولاية سيناء « منشورات تطالب الأقباط بالرحيل من جميع أنحاء شمال سيناء، وأمهلتهم اسبوعا واحدا فقط للرحيل، وهددت من سيبقون بعد هذه المهلة بالتصفية واستهدافهم داخل بيوتهم ومحلاتهم. لم تكن هذه المرة الاولى التى يجبر خلالها الأقباط على الرحيل من شمال سيناء، حيث كانت بداية الأحداث خلال شهر أكتوبر من عام 2012 عندما تم لصق منشور على واجهة محلين تجاريين أحدهما للمفروشات والآخر بقالة فى مدينة رفح يطالب الأقباط بالرحيل و إلا سيتعرضون للقتل، وبعد مرور يومين فقط من لصق المنشور وعدم استجابة الأقباط لرغبة المسلحين بمغادرة المدينة، تم إطلاق النار على مواطن قبطى يدعى ممدوح نصيف وشهرته «أبو جورج» وتم تدمير محل البقالة الخاص به بمنطقة صلاح الدين برفح. تلا هذه الواقعة اطلاق النيران بكثافة على منازل تعود لمواطنين اقباط برفح وسادت حالة من الذعر بين العائلات المسيحية ، ما اضطر كافة الأسر القبطية برفح وعددها 11 أسرة لنقل أمتعتها ومغادرة رفح إلى العريش، خشية استهداف أسرهم وأبنائهم، وبعض الأسر أقامت بالمجمع الكنسى الملحق بكنيسة مار جرجس بحى المساعيد بالعريش، وبعضهم استأجر شققاً بأنحاء المدينة. ولم تتوقف التهديدات من قبل المسلحين للأسر القبطية ومطالبة كافة المواطنين بالرحيل من شمال سيناء، بدعوى أنه لا مكان لهم فى سيناء، بل نفذ المسلحون تهديداتهم بالفعل، وتم استهداف المواطن القبطى مجدى لمعى 60 عاما وفصل رأسه عن جسده بمدينة بالشيخ زويد، وقتل المواطن القبطى - هانى سمير كمال 37 عاما بالمساعيد بالعريش، وقتل القس مينا عبود كاهن كنيسة العذراء بالمساعيد بالعريش. دفعت هذه الوقائع 4 أسر قبطية كانت تقيم بمدينة الشيخ زويد بالرحيل إلى مدينة العريش، فيما غادرت 15 أسرة، آنذاك، شمال سيناء تماما بعد انتشار حوادث استهداف وقتل الأقباط. من جانبه اجتمع اللواء عبد الفتاح حرحور محافظ شمال سيناء واللواء احمد بكر مدير امن شمال سيناء السابق مع الأنبا قزمان أسقف عام شمال سيناء والأسر القبطية بالعريش بمقر المجمع الكنسى بحى المساعيد بالعريش وتم احتواء الامر ومنع وسائل الصحافة والإعلام من مقابلة الاقباط او تناول الازمة التى يمرون بها . إلا أن تجدد الاحداث ووقوع حوادث قتل لمواطنين اقباط وتوزيع المنشورات التى تحدد مهلة لمدة اسبوع واحد للمغادرة أجبرت الكثير من الاسر القبطية على اتخاذ القرار الصعب بإنهاء ارتباطهم وتصفية اعمالهم وبيع ممتلكاتهم ومغادرة مدينة العريش عائدين لمدنهم ومحافظتهم وخاصة بمحافظات الصعيد. يقول إيهاب لويس مدرس ابتدائى بالعريش، بكلمات ممزوجة بالألم والحزن : «كنت فى رفح وغادرت الى مدينة العريش خوفاً على حياة أسرتى حيث تم تهديدى تليفونيا بحرق بيتى حياتى كلها تغيرت، واليوم بعد استهداف مواطنين اقباط فى العريش وتنفيذ المسلحين لتهديداتهم فإننى استعد الآن لمغادرة شمال سيناء كلها. يضيف لويس: انا عندى أسرة وأطفال، الوضع فى العريش الآن صعب تهديدات ليل نهار، وأبناؤنا منذ أسبوع وهم لا يذهبون للمدارس، وبعد توزيع منشورات تهديد باستهدافنا داخل منازلنا لم يبق لدينا أى متسع للتفكير والآن زوجتى وبناتى يحزمن امتعتنا للرحيل إلى مسقط رأسنا فى مركز ابو تيج بمحافظة اسيوط. اما المواطن جبرائيل حنا فقد اكد ان سيناء التى كانت تمثل لنا الجنة على مدى 30 عاما من الاقامة على ارضها فى محبة وسلام، أصبحت تمثل لنا الجحيم وأصبح الموت يتسلل للأقباط فى بيوتهم وبالشوارع وداخل محلاتهم، ولذلك فلم تعد لنا حياة فى سيناء، ولن ننتظر حتى نرى ابناءنا وأسرنا وقد وقعوا مضرجين فى دمائهم، فى حين لم تستطع الاجهزة الامنية ان توفر لنا الامن والأمان، وقال ساخرا « شرطة مش قادرة تحمى نفسها هتحمينا ازاي؟! ». وأكدت المواطنة القبطية «مريان كيرلس»: أن الجميع هنا بمدينة العريش ينتظر استهدافه فى اى لحظه بعدما أشار البعض الى انهم يرصدون كافة المسيحيين الموجودين على أرض شمال سيناء بالاسم، وسط عدم توفير أى حماية للأقباط من قبل قوات الجيش او الشرطة. فيما أعرب عدد من مشايخ، القبائل بشمال سيناء عن استنكارهم لما حدث فى العريش فى حق الأسر القبطية، وأكد الشيخ حميد منصور ان استهداف الاقباط وقتلهم بسيناء بعيد كل البعد عن التسامح الدينى ولا ينتمى إلى دين من الديانات السماوية. ووصف الشيخ محمد أبوسعيد ما حدث من تهديدات وإطلاق نار على المواطنين الاقباط بشمال سيناء بأنه نوع من البلطجة ولا علاقة له بالفتن الطائفية أو الصراع الدينى.، وانتقد المشايخ الانفلات الأمنى فى شمال سيناء وخاصة بمدينة العريش. وأصدر ائتلاف اقباط مصر بيانا أكد خلاله مغادرة العشرات من الاسر القبطية محافظة شمال سيناء من مناطق متفرقة من المحافظة ولكن الأكثرية من منطقة ضاحية السلام بالعريش. وأكد منسق ائتلاف اقباط شمال سيناء ابانوب جرجس المحامى بان الاسر المسيحية التى رحلت من سيناء خلال الايام الاسبوع الماضى بلغت قرابة 70 اسرة من واقع 200 اسرة قبطية تقيم بمدينة العريش . وأضاف قائلا : بعض ارباب الاسر التى غادرت العريش، غادروا بعد تقديم طلبات إجازة للسيد اللواء محافظ شمال سيناء والذى لم يتردد عن الموافقة فى الحال عليها ومنهم من كان يقوم بتصفية أعماله الحرة وبيع ممتلكاته لمغادرة المدينة بلا عودة ويقوم الآن الغالبية من أقباط شمال سيناء يبحث كيفية رحيله عن المحافظة سواء كان سيعود مرة أخرى أم لم يعد وذلك على خلفية تزايد حوادث الاستهداف الواضحة والممنهجة ضد الأقباط بمحافظة شمال سيناء. واستنكر المحامى أبانوب جرجس منسق ائتلاف اقباط شمال سيناء قائلاً إنها تهدف إلى إحراج الدولة فى المقام الأول بعدم مقدرتها على حماية الأقباط بالعريش وثانيا لعدم إشعال فتنة طائفية بين المسيحيين والمسلمين، خاصة مع تزايد حالات الخطف والقتل للمواطنين الاقباط واستهدافهم وحرق منازلهم وحرق الكنائس والاعتداء على الأبرياء، موضحا ان نحو 1800 اسرة غادرت شمال سيناء خلال السنوات الثلاثة الاخيرة هربا من الموت على ايدى العناصر الارهابية. من ناحيته اكد النائب القبطى السابق «باسل عادل»: أن استمرار تهجير الأسر القبطية من العامرية سابقاً و رفح والعريش حاليا ليعد إشارة قوية على غياب الدولة أمام المد المتطرف،و تهجير الأقباط هذه المرة من العريش يعد أمراً خطيراً بعد الدعوات السابقة بإقامة إمارة إسلامية من قبل بعض الجهاديين» . اللواء على العزازى مدير أمن محافظة شمال سيناء أشاد بجهود قوات الشرطة بشمال سيناء بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية فى حفظ الأمن والقبض على العناصر الإرهابية بالمحافظة. وأوضح مدير امن شمال سيناء: أن تلك الافعال التى تحدث عامة ضد قوات الشرطة والجيش لا يمكن حجبها وأن الاحداث التى تحدث ضد الأقباط ما هى إلا استعراض للقوى من بعض «الفئران» -على حد قوله - والتى تفعل المصيبة وتختبئ فهم لا يقدرون على المواجهة لانهم يعلمون أن الأمر سيكلفهم الغالى والنفيس . وقال العزازي: علينا جميعاً ألا نخاف من تلك الحوادث الفردية وأن يد الارهاب تطولنا جميعاً فهى لا تفرق بين أحد. فيما اكتفى اللواء السيد عبد الفتاح حرحور محافظ شمال سيناء بالتأكيد على ان ما تقوم به الجماعات المسلحة ضد الاقباط هى حوادث فردية وغير ممنهجة ولم تتحول الى ظاهرة، وطالب وسائل الاعلام بعدم اشعال النار فى سيناء بنشر مثل هذه الاخبار التى من شانها بث الفتنة والفرقة بين المسلمين والأقباط