دويتشه بنك يعلن تحقيق أرباح قياسية في 2025 بالتزامن مع تحقيقات غسل أموال    أخبار مصر: قرارات صارمة من كاف ضد المغرب والسنغال، حريق هائل بمنشية ناصر، قفزة تاريجية للذهب، ميلان يصدم إمام عاشور    الحرب قادمة| الرئيس الأمريكي يحذر إيران: أصابعنا علي الزناد    توافد لاعبي الأهلي على مطار القاهرة استعدادا لرحلة تنزانيا (صور)    حركة المرور اليوم، سيولة مرورية في القاهرة والجيزة والقليوبية    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    جرينبيس: فرنسا تواصل شراء المواد النووية من روسيا رغم حرب أوكرانيا    أسعار الذهب اليوم تصدم الجميع بارتفاع تاريخي جديد| عيار 21 وصل لكام؟    بعثة الأهلى تصل مطار القاهرة استعدادا للسفر إلى تنزانيا    السعودية: ساهمنا في ضبط معمل لتصنيع مواد مخدرة في لبنان    قرارات نارية| رسميًا.. «كاف» يعلن عقوبات السنغال والمغرب في نهائي «كأس أفريقيا»    طقس اليوم الخميس.. تحذيرات جديدة من العاصفة الترابية    قطاع الأمن الوطني.. درع يحمي الدولة من مخططات الإرهاب    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    "مصنع السحاب" لحامد عبد الصمد: حين يغدو السرد مشرحة للهوية والمنع وكيلًا للإعلانات    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    مصرع شابين أبناء عمومة صدمتهما سيارة نقل فى كرداسة    طريقة عمل يخنة العدس الأحمر بالخضار، وجبة دافئة مغذية    كاف يفرض عقوبات قاسية على المغرب والسنغال بعد أحداث نهائى الكان    سانا: القوات الإسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة الجنوبي وتعتقل شابا    حركة النجباء تعلن فتح باب التطوع في جميع محافظات العراق    لقطات إنسانية من قلب معرض القاهرة للكتاب| أم تقرأ.. وطفل يغني وذاكرة تُصنع    رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي: آفاق النمو الاقتصادي أقوى من العام الماضي والقرارات النقدية ستبقى مرهونة بالبيانات    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    قطر تشارك في الاجتماع السادس للمنتدى العالمي لضريبة القيمة المضافة في باريس    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    وفاء مكى: المدعية علي بالاعتداء عليها رشحتها لعمل فنى والمخرج أكد عدم صلاحيتها فقررت الانتقام منى    وفاة وإصابة 4 شباب في حادث تصادم بالشرقية    محمد بركات: معتمد جمال كسب رهان مباراة بتروجت    تشيلسي لثمن النهائي.. ونابولي يودع دوري الأبطال    سداسية ليفربول ورباعية برشلونة.. تعرف على أهم نتائج الجولة الختامية من مرحلة الدوري بأبطال أوروربا    حمادة هلال يحصل على إجازة يومين من تصوير «المداح: أسطورة النهاية»    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    أخبار 24 ساعة.. وزارة التضامن تطلق برنامج عمرة شعبان وبدء التفويج الأحد    وزارة النقل تُفعّل الدفع الإلكتروني بالفيزا في الخط الثالث لمترو الأنفاق والقطار الكهربائي الخفيف لتسهيل شراء التذاكر (تفاصيل)    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    فرنسا تؤيد إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة أوروبا للمنظمات الإرهابية    مبابي: لم تكن مفاجأة إذا تقدمنا 5-1 أمام بنفيكا.. والهدف الأخير مُخز لنا    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    البيئة: مشروع إدارة المخلفات باستثمارات 4.2 مليارات دولار من أكبر المشروعات بتاريخ مصر    كنيسة الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة تحتضن اليوم الخامس ل "أسبوع الصلاة من أجل الوحدة"    هل نكهة الفراولة في اللبن والزبادي خطر على الأطفال؟ استشاري يجيب    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    3 منافسين فى السباق والتصويت إلكترونى بالكامل    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    رئيس الوزراء يبحث تعزيز الشراكة المصرية التركية في مجال إنشاء المدن الطبية والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب    نائب وزير الصحة فى بنى سويف: توحيد الرسائل السكانية نحو ولادة طبيعية آمنة    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    طلب إحاطة في النواب لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل والحد من بطالة الخريجين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسرار مافيا الباعة الجائلين فى نصف البلد

حملة «ليلية» لإجلاء الباعة من «الإسعاف».. اتهامات للداخلية ب«العودة للعنف»
سيطرت حالة من الغضب على الباعة الجائلين فى محيط منطقة الإسعاف بوسط القاهرة بالتزامن مع الحملة الأمنية التى يشنها الأمن لإعادة الانضباط للعاصمة منذ مساء أمس الأول.
وعلمت «الشروق» عن خطة يعدها حى بولاق أبوالعلا لنقل الباعة من هذه المنطقة على مرحلتين تستهدف المرحلة الأولى إخلاء الشوارع نهائيا من اى معوقات تعطل حركة سير السيارات ثم تأتى المرحلة الثانية بالاهتمام برصيف المارة الملىء بالباعة الجائلين وقد أمهل رئيس الحى الباعة وقتا لترك الرصيف. وقد أخلت الحملة شارع رمسيس ومحيط مبانى الإسعاف ودار القضاء العالى من أى تواجد للباعة الجائلين لكنهم ظلوا يفترشون الأرصفة ببضاعتهم.
كان اللواء على الدمرداش مدير أمن القاهرة يرافقه مأمور قسم الأزبكية، وعابدين قاد حملة أمنية موسعة لإزالة اشغالات الطريق الموجودة بمنطقة وكالة البلح مساء أول من أمس وقال الصغير إن قوات الأمن استطاعت إزالة الاشغالات المعطلة للطريق، وسيتم استكمال إزالة باقى الاشغالات فى الطريق خلال الأيام القادمة.
يأتى هذا الإجراء، فى إطار إعادة تهيئة الشوارع وإزالة التعديات على الطريق حملة أمنية موسعة لإزالة اشغالات الطريق بميدان الإسعاف الموجود بوسط البلد. وقال الدمرداش إنه تم التعامل مع الباعة بدون عنف لتفادى أية مشادات مع الباعة. مؤكدا أن إيجاد اماكن بديلة لهم مسئولية الحى وقد وعد مسئوليه بسرعة التحرك لإيجاد أمان بديلة خلال فترة وجيزة.
من جهته، قال اللواء إبراهيم الزيات، مدير شرطة مرافق القاهرة، إنه الحملات الأمنية المكبرة ستشمل أيضا شبرا، مرورا بالساحل، ومدينة نصر، وعباس العقاد، ومصطفى النحاس ومنطقة المعادى، مؤكدا وجود استمرار الحملات بمنطقة الإسعاف، لإزالة التعديات الموجودة فى نهر الطريق. وأضاف الزيات: «قمنا بإزالة التعديات، ولم نواجه أى مقاومة من الباعة، فهم يعلمون ان هناك إجراءات قوية وشديدة ضد من يخالف القانون». وتابع «ننسق مع اللواء على الدمرداش، مساعد الوزير لقطاع أمن القاهرة، لنقل البائعين بوسط البلد إلى منطقة الجلاء، ما سيوفر انفراجة مرورية كبيرة».
من جانبه، أكد نقيب الباعة الجائلين، أحمد حسين، اعتزامه تقديم شكوى إلى كل من رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، احتجاجا على الحملة التى شنتها شرطة المرافق على الباعة فى منطقة الإسعاف والأزبكية، مساء أمس الأول، معتبرا أنها تمثل «عودة للتعامل الأمنى العنيف مع الأزمة».
وأوضح النقيب فى تصريحات ل«الشروق»، «تدخلنا لاحتواء الازمة مع كبار الباعة الجائلين، لاحتواء غضبهم من التعامل الأمنى معهم، ما أدى إلى تجنب وقوع أعمال عنف واسعة فى المنطقة»، مؤكدا «رفض العودة لتلك الممارسات الأمنية، والتعامل مع الباعة باعتبارهم مواطنين درجة ثالثة».
وأضاف «لن نلتزم بأية حلول أمنية لمشاكلنا، خاصة أننا تقدمنا على مدى السنوات الثلاث الماضية بالعديد من المقترحات أكثر من مرة، لحل المشكلة دون اللجوء إلى الحلول الأمنية، ومنها مقترحات بأماكن أسواق بديلة، كما قدمنا الرسومات الخاصة بها». وأشار إلى إلقاء أجهزة الأمن القبض على 3 بائعين فى منطقة الإسعاف خلال حملة المرافق، بعد اعتراضهم على إزالة بضائعهم، وأكدنا لمدير أمن القاهرة، أن النقابة ستتولى تنظيم وقوف الباعة لحين إنشاء أسواق بديلة، بحيث يلتزموا جميعا بالأرصفة، دون التعدى على حرم الشارع».
وسط القاهرة، أو وسط البلد، كما يعرفها أهلها، هى القلب التجارى والحضارى للعاصمة المصرية العريقة، بناها الخديو إسماعيل عقب افتتاح قناة السويس لتكون واجهة مشرفة لمصر، وتم تخطيطها وتصميمها على أحدث الطرز الأوروبية المعمارية، وأدخلت الإضاءة إلى شوارعها قبل أن تدخل شوارع باريس، وظلت من يومها مزارا سياحيا ومنطقة يفخر بها المصريون أمام العالم.
الآن تحولت تلك المنطقة إلى مصدر إزعاج لكل من يقطنها، وكل من يجد نفسه مجبرا للذهاب إليها لقضاء مصلحة أو شراء أى من مستلزماته، بسبب الباعة الجائلين الذين احتلوا أرصفتها وشوارعها وافترشوا مداخل عماراتها التاريخية، وتسببوا فى زحام شديد، بسبب إغلاق الشوارع الرئيسية ببضائعهم مجهولة المصدر، وشوهوا مظهرها الحضارى بمخلفات تجارتهم، وأصبحوا سببا لامتناع السائحين عن النزول للمنطقة بسبب إلحاحهم عليهم للشراء أو المعاكسات والتحرش.
وظلت قضية الباعة الجائلين أزمة تؤرق الحكومات المتعاقبة قبل ثورة يناير وحتى الآن، وكان الحل الأوحد الذى تتخذه الحكومة هو «الحل الأمنى» عن طريق حملات تصادر بضائع الباعة ومطاردتهم فى الشوارع، وبعد دقائق من انصراف الحملات يعاود الباعة افتراش المناطق التى يحتلونها، ليثبتوا عمليا فشل الحل الأمنى، ولم تبحث الحكومات عن حلول أخرى على بعد تفاقم أزمة الباعة وتضاعف أعدادهم بسبب زيادة الفقر والبطالة، وساهم فى ذلك غياب الأمن لمدة تقترب من 3 أعوام عقب ثورة يناير.
يحدثنا أحمد حسين، نقيب الباعة الجائلين، عن العالم الخفى للباعة الجائلين بوسط العاصمة، فيقول: غالبية الباعة الذين يفترشون منطقة وسط البلد من الشباب، من مختلف محافظات مصر، قدموا إلى القاهرة بعد أن ضاق بهم الحال بحثا عن فرصة عمل، وسط إهمال من الحكومات المتعاقبة، فوجد ضالته فى أن يفترش «مترا» من الأرض ويقوم ببيع أى شىء يكتسب منه القليل من المال الذى يساعده فى العيش والزواج وغيره، وكانوا يظنون أن الأمر سهلا، وأن كل ما يحتاجه هو قطعة من الخشب، وقليل من البضاعة يبدأ به مشواره، ولكن كان يفيق على كابوس، وهو أنه لا يستطيع افتراش «أرض الحكومة» إلا بموافقة 5 من التجار الذين يسيطرون على منطقة وسط البلد، ولا يستطيع أحد أن يفترش «شبرا» من الأرض دون موافقتهم، ولن يسمح لأحد ببيع بضائع لحسابه الخاص، فهؤلاء التجار يقومون بتسليم كل بائع «قطعة من الخشب وبرميل يضعها عليه، ومعهم البضاعة التى يحددونها له سواء (ملابس أو أحذية أو أدوات كهربائية وغيره).
ويضيف حسين: وهؤلاء التجار يستوردون بضاعتهم من «الصين» ويحددون لكل منطقة مسئول عن جمع الإيراد يوميا، والتدخل للتصدى لكل من يحاول افتراش الأرض دون الرجوع إليهم، وغالبا ما يكون هؤلاء المسئولين من المسجلين خطر المعروفين بالمنطقة، حتى يخشاهم الباعة، وتتراوح قيمة إجار الفراشة الواحدة التى هى عبارة عن مترين من الأرض من (50 إلى 150 جنيها يوميا) حسب المنطقة، ويتم تسليم الباعة البضاعة بسعر معين وتحديد سعر البيع ليكون موحدا بين الجميع.
ويواصل النقيب: بعد بيع البضاعة وتسليم قيمتها لهؤلاء التجار مع قيمة إيجار الأرض، يحصل الباعة على نصيبهم المتفق عليه، فمثلا يتسلم البائع قطعة الملابس من التاجر ب20 جنيها، ويحدد له التاجر سعر البيع ب30 جنيها، أى يكسب فى القطعة 10 جنيهات، وهو مكسب جيد جدا خاصة أن تلك المنطقة أصبحت جاذبة للزبون الشعبى بعد أن كانت مقصد «كريمة المجتمع» لارتفاع أسعار البضائع التى تباع فى محالها.
ويوضح حسين: يحقق البائع مكسبا يوميا لا يقل عن 400 جنيه، وربما ضعف ذلك المبلغ، إضافة إلى الأرباح الطائلة التى يحققها التجار الخمسة المسئولون عن المنطقة، حيث يدخل خزائنهم يوميا مئات الآلاف من الجنيهات سواء من قيمة إيجار الأرض، أو من الأموال التى يسلمها له الباعة يوميا، دون أن يتكلفوا أى مشقة.
محمد جبر، بائع، يقول: «أنا حاصل على بكالوريوس تجارة، ومنذ تخرجى أبحث عن عمل، ولم أجد إلا فرصة للعمل «كاشير» فى أحد محال وسط البلد، قبل ثورة يناير، وكنت أتقاضى راتب 500 جنيه شهريا، وبعد الثورة وجدت فرصة لإيجار فراشة فى شارع 26 يوليو ب100 جنيه يوميا، وتواصلت مع أحد التجار لتسليمى البضاعة وسداد قيمتها نهاية كل يوم، مثل كل الباعة الموجودين فى الشارع، ووجدت أن مكسبى يوميا يعادل ما كنت أتقضاه فى الشهر من عملى «كاشير»، وغالبا كل الباعة الموجودين بالمنطقة ظروفهم مثلى، وربما يختلف الأمر حسب نوع المؤهل سواء عاليا أو متوسطا أو بدون مؤهل، فى النهاية «الرءوس تساوت».
بائع آخر، رفض ذكر اسمه، خشية تعرضه للإيذاء أخبرنا، أن هناك «مافيا» تدير الباعة بالعاصمة، مكونة من التجار الخمسة، الذين ذكرهم نقيب الباعة فى البداية، إضافة إلى تعاونهم مع ضباط المرافق بالمنطقة، حتى يتم السماح لهم بالوقوف دون مضايقات، وإعادة البضائع فى حال مصادرتها، كما أنهم يتعاملون مع مسئولين من الأحياء يتقاضون منهم مبالغ مالية، مقابل استخراج تصاريح للوقوف فى الشارع، ليصبح البائع يمارس عمله ويحتل الشارع بتصريح خارج من جهة حكومية، وأن قيمة التصريح الواحد تتراوح ما بين 5 آلاف و10 آلاف جنيه».
طارق، أحد الباعة، والمتحدث باسم نقابتهم، يقول: قضية الباعة الجائلين متشعبة، خاصة أن محاولة إنهاء تلك الظاهرة، سيتسبب فى مشكلات اجتماعية خطيرة، لأن تلك المهنة تفتح ملايين البيوت، وتنفق على أكثر من 25 مليون مواطن، لو اعتبرنا أن متوسط الأسرة 5 أفراد، وأن عدد الباعة 5 ملايين بائع، وإنهاء تلك الأزمة، مستحيل، لأنه من أين يأكل هؤلاء بعد أن يتركوا تلك المهنة؟
«الشروق» قضت يوما كاملا بصحبة الباعة، بشارع طلعت حرب، ورصدت إقبالا كبيرا من الشباب على شراء البضائع المعروضة، خاصة أن جميعها تقليد عالى الجودة لماركات عالمية، كما أن أسعارها تناسب الجميع، لا يوجد فصال على البضائع المعروضة، يأتى الزبون ويسأل عن سعر «التى شيرت» أو «الحذاء» نخبره السعر ولا يحاول الفصال، فقط يقوم باختيار اللون أو الشكل الذى يريده من بين مئات القطع الموجودة.. كل ساعة يحضر شابان يجران «سيارة حديدية» يضعان عليها كميات من البضائع ويجوبان بها على كل الفراشات، ويتم توزيعها، ويخبران الباعة بالسعر الذى يبيعون به «30 جنيها للقطعة»، ويسلمان كل بائع 100 قطعة، ثم يقوم الباعة بفتحها وعرضها.. بعد قليل يمر شخصان على الباعة المتواجدين بالشارع ويقول لهم أحدهما نصا: «الحالة نايمة ليه كدا.. سخنوا المسائل شوية»، فيعتلى كل بائع الفراشة التى يقف عليها بصحبة 2 أو 3 آخرين من الباعة، ويصيحون بالعبارات الترويجية والغناء بأصوات مرتفعة فى وقت واحد «قرب يا باشا قرب يا بيه كل الماركات ب30 جنيه».
تمر الساعات وينتهى أصحاب الفروشات من بيع البضائع التى تسلموها من رجال التاجر الذى يمدهم بها، وتتبقى فقط البضاعة التالفة أو التى يوجد بها عيوب، فيتم جمعها ووضعها فى «كيس بلاستيك» وحساب المبلغ المستحق للتاجر قيمة البضاعة التى تسلموها منه، حيث تم بيع 87 قطعة، قيمتها 2610 جنيهات، حيث إن القطعة بيعت ب30 جنيها، ويتبين أن نصيب التاجر 20 جنيها عن القطعة الواحدة، حيث أصبح نصيبه الإجمالى 1740 جنيها، يضاف إليها 120 جنيها قيمة إيجار الفراشة والسماح لهم بالوقوف.
هانى مراد، أحد الباعة الذين وقفنا معهم اليوم بأكمله لنشاهد عن قرب عملية البيع والشراء: «فى فصل الصيف تكون حركة البيع أفضل بكثير من الشتاء، ويكون الشارع مزدحما حتى الساعات الأولى من الصباح، ولذلك تكون أعداد الباعة أضعاف الموجودين حاليا، فكل بائع يصطحب أشقائه أو أصدقائه للعمل معه فى الصيف لمواجهة ضغط البيع، بسبب الزحام وكثرة الزبائن، خاصة على الملابس الرياضية، وملابس البحر».
طوال اليوم، يمر باعة آخرون بوجبات سريعة، وسندوتشات وعلب كشرى، ويعتبر هؤلاء المصدر الرئيسى للغذاء بالنسبة لباعة الشارع، وبعدها بفترة يمر آخرون يبيعون الشاى والعصائر، يستخدم الباعة حمامات مول طلعت حرب، وحمامات المقاهى الموجودة بالمنطقة، وطوال اليوم تنشب المشاجرات مع بعض سائقى السيارات، بسبب توقف الباعة فى وسط الطريق لعرض بضائعهم ما يساهم فى زيادة الزحام المرورى، فى ظل غياب تام للأجهزة الأمنية، حتى رجال المرور الذين يقفون على بعد خطوات لتنظيم حركة السير لا يتدخلون، كأن الأمر لا يعنيهم.
سائق تاكسى تشاجر مع بائع، وتجمع حوله بعض الباعة وأشبعوه ضربا، بعد دقائق حضر السائق وبحوزته بعض الرجال، وتحول الشارع لساحة قتال، تتطاير البضائع فى كل مكان، ويعلو صراخ الفتيات خوفا من تعرضهم لأذى، تتوقف حركة السير تماما، بعض أصحاب المحال يسرعون فى إنزال الأبواب الحديدية خشية تحطم المحال، يحضر الشخص المسئول عن جمع وتوزيع البضاع والأموال، وبصحبته 4 آخرين، تظهر على وجوههم ملامح البلطجة، وبحوزتهم جميعا «شوما» ويبدأون فى تفريق المتشاجرين بضربهم جميعا دون تمييز، ثم يصطحبون السائق ومن حضر معه من رجال والبائع صاحب المشكلة، ويقول لهم «اللى له حق هنجيبهوله.. مش عايزين دوشة علشان الحكومة ما تنطش فى الشارع».. ويصطحبهم ويغادر.
فى جولتنا، رصدنا أيضا التباين بين العاملين بالمهنة، حيث هناك حملة المؤهلات العليا، والمتوسطة، ومن لا يمتلك أى مؤهل، كما أن هناك بعض من صدر ضدهم أحكام قضائية مسجلين خطر ومنهم من اتخذها مهنة شريفة تبعده عما كان يقوم به من أفعال خارجة عن القانون كلفته سنوات خلف القضبان، وآخرون يتخذونها ستارا لتجارة المواد والأقراص المخدرة.
من جانبه، أكد أحمد حسين نقيب الباعة، على ضرورة أن تتخلى الدولة عن التعامل مع ظاهرة الباعة باعتبارها مجرد مخالفات قانونية، مقترحا أن تلجأ الحكومة لمشروع إقامة الأسواق البديلة، ويضيف: هناك مقترح تقدمنا به لمحافظ القاهرة الأسبق، أسامة كمال شمل اختيار عدة مناطق لإقامة أسواق بديلة عليها، منها «أرض وابور التلج» ببولاق، وأرض تابعة للبريد بالأزكية، وأرض خلف سنترال رمسيس، وغيرها من الأماكن التى يمكن أن تحل المشكلة نهائيا بنقل الباعة إليها، وتحمل كل بائع إنشاء «باكية» على حسابه الشخصى، ولا تتكلف الدولة شيئا سوى مد المنطقة بالمرافق، ويقوم كل بائع بسداد مبلغ شهرى تحدده المحافظة، اقترحنا أن يكون 300 جنيه، بدلا من انتفاع بعض التجار بتلك الأموال دون وجه حق، ولكن لا نعرف سبب تباطؤ الدولة فى تنفيذ المشروع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.