فى مايو الماضى وعندما دعت القوات المسلحة العديد من الفنانين والمطربين والمثقفين لحضور «تفتيش الحرب» الشهير فى الفرقة التاسعة المدرعة فى دهشور، رأيت منظرا لا أنساه ابدا: دكتور علوم سياسية شهير يسير وبجواره مطرب مغمور، الجنود لم يعرفوا المحلل والباحث المرموق، لكنهم جميعا طلبوا من المطرب التقاط الصور التذكارية معه. هذا المثال لا يقلل من قيمة الخبير السياسى، لكنه يكشف دور الفنان وتأثيره. فى كل انحاء العالم يسعى السياسى لكسب ود الفنان، ومصر ليست استثناء من هذه القاعدة. فالسياسى أو الحزب الذى يضمن تأييد غالبية الفنانين والمثقفين الحقيقيين، يكون قطع شوطا كبيرا فى ضمان حب وتأييد غالبية المصريين. جماعة الإخوان خلال فترة حكمها القصيرة لم تفشل فقط فى كسب حب الفنانين والمثقفين، بل سعت الى كسب عداوتهم بكل السبل، سواء فى السماح بالتهجم على الفن والفنانين او تعيين وزير للثقافة جعل كل المثقفين يعتصمون حتى رحل النظام بأكمله وليس الوزير فقط. بعض السذج يقولون لماذا تسعى حكومة وراء فنان «نص لبة»؟. هؤلاء السذج المنفصلون عن الواقع يقيمون الفنان طبقا لآرائهم وليس طبقا لشعبيته. هناك فنانون كثيرون يحسبهم بعض المثقفين بلا قيمة، لكن شعبيتهم عند البسطاء والعامة كبيرة. ومن هنا تكون قيمتهم عند حكوماتهم اكبر، لأنهم قادرون على زيادة شعبيتها، مثلما يسعى الديمقراطيون فى الولاياتالمتحدة لنيل رضا وتأييد نجوم هوليوود كى يكسبوا رضا من يحبونهم من الجماهير. المقدمة الطويلة السابقة هى محاولة للرد على البعض الذى ينظر للفن نظرة دونية أو يسأل لماذا يتم حشد هؤلاء الفنانين فى الاحتفال بنصر اكتوبر فى حين كان هناك قتلى زاد عددهم على الخمسين؟، ومنطق آخر يقول إن الأموال التى صرفت على الاحتفال كان يمكنها سد رمق الجوعى او توظيف العاطلين!!. ما سبق منطق خاطئ وملتبس، فالحفل سبق الاعداد له قبل موعده باسابيع طويلة وبالتالى فالانفاق الحقيقى حصل قبل الاحداث، كما انه لا يوجد خيار بين الفن والجوع، لأنه بهذا المنطق فإن كل البلدان الفقيرة ينبغى عليها أن تلغى الفن والرسم والموسيقى والادب والشعر والرياضة لتوفر الأموال المصروفة عليها لتوجيهها الى تلبية حاجات الفقراء. ثم إن الفن صار منذ زمن سلعة مهمة تدر دخلا كما هو الحال فى هوليوود أو بوليوود. الفن أفضل سلاح ضد الفقر والمرض والجهل، وبالتالى فإن ما فعله الجيش مع الفنانين فى اكثر من مناسبة خلال الشهور الماضية كان يمثل تقديرا حقيقيا وذكيا لقيمة الفن والفنانين. الفنانون جزء اساسى من القوة الناعمة لمصر سواء كانوا يغنون فى الميكروباصات والتكاتك أو على خشبة الأوبرا. الذى رأيته بعينى ليلة الأحد فى استاد الدفاع الجوى هو أن غالبية فنانى ومطربى ومثقفى وصحفيى مصر والوطن العربى كانوا سعداء ويضحكون من قلوبهم وهم يحتفلون بالنصر. فى مقصورة استاد 30 يونيو وبالمناسبة هذا يوم الدفاع الجوى فى ذكرى اسقاط الفانتوم الاسرائيلى كان هناك الناصريون والساداتيون والليبراليون واليساريون ونجوم وسياسيون من كل الوطن العربى، كان هناك حسين طنطاوى وغالبية المجلس العسكرى القديم. الذى غاب فقط فى هذا اليوم هم الاخوان والجهاديون وسامى عنان. تحية إلى الفنانين وللقوات المسلحة وجنودها وقادتها فى عيدها ورحم الله كل الشهداء والضحايا سواء سقطوا دفاعا عن الأرض والعرض أو حتى عن أفكار خاطئة ومضللة.