محاولة قبل الغزو، إدارة ترامب تجتمع بمبعوثي الدنمارك وجرينلاند في البيت الأبيض    زيلينسكي يحذر من هجمات روسية كبرى مع بدء موجة برد قارس    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    جوتيريش يأسف لانسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية    احذروا، بيان عاجل من الأرصاد بشأن تحركات الأمطار والرياح على محافظات مصر    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    طريقة عمل بطاطس مهروسة، محشية بالخضار ومخبوزة في الفرن    الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدين والوطن
نشر في الشروق الجديد يوم 30 - 11 - 2012

فى سنة 1947، صدر ذلك القرار المشئوم من الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، الذى عبّأت من أجله الولايات المتحدة الأمريكية، أصوات الدول الخاضعة لنفوذها لضمان صدور القرار لصالح الصهاينة، وترتب عليه إعلان قيام دولة إسرائيل. أصاب هذا القرار بالتقسيم، هزيمة العرب فى الحرب التى ترتبت عليه، الأمة العربية كلها بجرح لا يزال ينزف حتى اليوم، وقد مر عليه ثلثا قرن.



كنت فى وقتها فى سن تسمح لى بمتابعة الأخبار، ومواقف وتعليقات الزعماء والأحزاب المصرية المختلفة على هذه الكارثة، وكان معظمها يعكس شعورا عميقا بالحزن وخيبة الأمل، ولكن لم يكن كذلك بالضبط موقف حزب واحد هو الحزب الشيوعى. كان للشيوعيين العرب فى ذلك الوقت موقف غريب من القضية الفلسطينية، يقلل من شأن الانتماء القومى ويعلى من شأن الانتماء الطبقى. كان من المعروف بالطبع أن الشيوعيين يؤمنون بنظرية ماركس التى تضع قضية الاستغلال الاقتصادى فى المقدمة، وتعتبر كل ما عدا هذا من قضايا سياسية وفكرية قضايا تابعة للقضية الاقتصادية، وأن كل هذه القضايا الأخرى سوف تحل تلقائيا متى تم التخلص من النظام الطبقى الذى يقهر العمال لحساب الرأسماليين.



كان الشيوعيون ينظرون شذرا، وأحيانا بسخرية واضحة، إلى شعارات القومية العربية، ويعتبرونها دعوة «بورجوازية»، تصب فى النهاية فى مصلحة طبقة ضد طبقة أخرى، وأن الولاء الحقيقى لا يجب أن يكون «للأمة»، بل «للطبقة»، إذ إن المعركة هى فى الأساس معركة ضد الاستغلال الاقتصادى، والعراك الذى يبدو وكأنه بين أمة وأخرى، هو فى الحقيقة صراع بين طبقة مستغِلة «بكسر الغين» وطبقة مستغَلة «بفتح الغين».



كان من العبارات التى كثيرا ما تتردد فى كتابات الشيوعيين، وينتقدها أعداؤهم بشدة، عبارة ماركس «العامل لا وطن له».



وهى تعبير عن نفس الفكرة التى ذكرناها حالا، وهى أن الانتماء الحقيقى من جانب العامل هو لطبقته، وأن محاولة استدراج العمال والمستضعفين فى الأرض لشعارات «الوطنية»، وتعبئتهم فى جيوش بدعوى التضحية «من أجل الوطن»، ليست إلا خدعة لتعبئة الجيوش لصالح البورجوازية التى تمسك بمقاليد الحكم. وانتصار الوطن لن ينهى عذاب العمال وقهرهم، بل سينتهى ببقاء البورجوازيين فى مراكزهم. «العمال لا وطن لهم»، لأنهم ليسوا المستفيدين من خيراته ولا من انتصاره العسكرى إذا انتصر.



تطبيقا لهذا النوع من التفكير، كان الشيوعيون العرب يعتبرون أن المهم ليس هو انتقال أرض فلسطين، أو جزء منها، من اليهود إلى العرب، بل المهم هو نوع النظام الاجتماعى الذى يطبقه اليهود أو العرب. فالمشكلة تعتبر منتهية، أو شبه منتهية، إذ طبق اليهود نظاما اشتراكيا، أو أصبحت إسرائيل دولة اشتراكية، إذ متى قضينا على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، «هكذا كان يسير تفكيرهم»، فلا أهمية لما إذا كانت الأرض فى أيدى هذه المجموعة من الناس أو تلك.



كان من المشهور، قبل إعلان دولة إسرائيل، أن جماعات من اليهود فى فلسطين يعيشون فى مزارع جماعية يسمونها «بالكيبوتز»، تطبق نظاما يشبه ما يدعو إليه الماركسيون من اشتراكية، من حيث الملكية الجماعية ونمط توزيع الدخل. وقد دعا هذا الكثيرين من المؤمنين بالاشتراكية فى بلاد مختلفة من العالم إلى التعاطف مع هذه التجربة، بل ودعا بعضهم إلى الذهاب للعيش فترة من الزمن فى هذه «الكيبوتز»، قبل أن يكتشف كثيرون منهم الجانب العنصرى فى تفكير هذه الجماعات، وما يضمرونه هم ودولتهم الجديدة من شر للسكان العرب فى فلسطين، فتركوها وعادوا إلى بلادهم. لابد أن تعاطفا مماثلا قد وجد لدى بعض الشيوعيين العرب مما جعلهم يتصورون أن إسرائيل يمكن أن تطبق نظاما قريبا من حلمهم الاشتراكى.



لا شك أن موقف الاتحاد السوفييتى من قرار تقسيم فلسطين كان عاملا مهما أيضا فى تحديد موقف الشيوعيين العرب من القضية الفلسطينية. لقد أعلن الاتحاد السوفييتى تأييده لقيام الدولة الإسرائيلية مدفوعا باعتبارات خاصة به (وهى اعتبارات لم تكن، بالمناسبة، اعتبارات أيديولوجية بل اعتبارات وطنية وقومية). والشيوعيون العرب كانوا فى ذلك الوقت يظنون خيرا بالاتحاد السوفييتى ولا يسمحون بأى شك فى نواياه، بل وكانت بعض أحزابهم تأتمر بأمره. دفع هذا أيضا الشيوعيين العرب إلى اتخاذ هذا الموقف الغريب من القضية الفلسطينية، الذى استمر عدة سنوات بعد إعلان دولة إسرائيل، وقبل أن ينكشف للجميع كل خبايا سياستها العنصرية وأهدافها التوسعية.



•••



أثار هذا الموقف من جانب الشيوعيين استنكارا ونفورا شديدين من بقية العرب. كان هناك شعور فطرى وقوى للغاية، بأن مثل هذا الموقف من القضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون صائبا. أرضنا عزيزة علينا سواء استولى عليها رأسماليون أو اشتراكيون، والاغتصاب شر لابد من منعه بصرف النظر عن هوية المغتصب. الشعور الوطنى ليس وليد النظام البورجوازى بل هو شعور طبيعى جدا لا علاقة له بالنظام الاقتصادى الذى يجرى تطبيقه. هو أقرب إلى شعور الابن نحو أمه وأبيه، بغض النظر عمن هى الأم ومن هو الأب. وتقاعس المرء عن الدفاع عن أرضه ينطوى على تخاذل مقيت وتنازل ذميم عن حق الدفاع عن النفس. إن الشعور بالولاء للطبقة التى تنتسب إليها شعور محمود ومطلوب، ولكن الطبقة الواحدة تتوزع أيضا إلى أوطان مختلفة، والشعور بالولاء لأناس ينتمون إلى نفس الوطن الذى تنتمى إليه شعور محمود ومطلوب أيضا، سواء كانوا من طبقتك أو من طبقة أخرى. التنكر للشعور الوطنى ينطوى على موقف غريب وغير طبيعى، ولا يجوز الزعم بأن الانتماء الطبقى، على مستوى العالم كله، يجُبّ الانتماء الوطنى وليس صحيحا أن مدّ الشعور بالانتماء حتى يتعدى الحدود الوطنية، لكى يشمل أناسا ينتمون إلى أمم أخرى، هو موقف أكثر نبلا من الشعور بالانتماء لبنى وطنك، بل إن لازعم بأنك تحب «الإنسانية» كلها، يثير الشك بشدة إذا كنت عاجزا عن أن تعطى حبك لإنسان بعينه.



•••



قد يبدو كل هذا الكلام بعيد الصلة عما تمر به مصر فى هذه الأيام، ولكن العكس هو الصحيح. لقد تذكرت هذا كله عندما قرأت تعليقا لزعيم من زعماء جماعة الإخوان المسلمين فى مصر على تصحيح لسياسى وطنى كبير ينبه فيه إلى شىء يقتضيه الحرص على مصلحة مصر، إذ قال الزعيم الإسلامى «طظ فى مصر!»، قاصدا بذلك أن ما يهمه ليس مصلحة مصر بل مصلحة الإسلام، وكأن هناك تناقضا بين المصلحتين. كما تردد فى الآونة الأخيرة القول بأن ما يربط المسلم المصرى بالمسلم الباكستانى أو الإندونيسى أقوى وأعمق مما يربط المسلم المصرى، بالمصرى القبطى. كذلك اشتد شعورى بالخوف عندما قرأت تصريحا جاء على لسان محلل سياسى أمريكى، فى حديث له بقناة (C.N.N)، وأورده الأستاذ خالد البرى فى مقال له بجريدة التحرير (26/11/2012)، إذ قال ما معناه إن تأييد الولايات المتحدة لمجئ الإخوان المسلمين للحكم فى مصر، قد يكون الدافع له قبولهم لتوطين مواطنين فلسطينيين فى سيناء، على أساس علاقة الإخوان المسلمين القوية بمنظمة حماس، باعتبار وحدة المعتقدات السياسية، وأن كليهما يجعل للرابطة الإسلامية أولوية على الرابطة الوطنية، هل يمكن أن يكون هذا أحد العناصر الأساسية فى مؤامرة ضد مصر ولصالح إسرائيل، تتضمن توطين أعداد كبيرة من أهالى غزة فى سيناء، أى أن يكون حل جزء منهم من مشكلة الفلسطينيين على حساب أراض مصرية بدلا من أن يكون باستعادة الفلسطينيين أراضيهم المغتصبة فى فلسطين؟



هل يمكن حقا أن يكون استخدام هذا التعبير الشائن «طظ فى مصر»، وأن يكون هذا الادعاء المنافى لمشاعرنا الطبيعية بأن المسلم الباكستانى أو الإندونيسى أقرب إلينا من المصرى القبطى، مجرد توطئة لتنفيذ مشروع فظيع تتخلى مصر بمقتضاه عن جزء عزيز من أرضها، كحلقة جديدة من هذا المسلسل المرعب الذى عشنا فيه منذ سنة 1947؟



بل هل يمكن أن يصل بنا التشاؤم إلى درجة أن نتصور أن إقدام رئيس الجمهورية منذ أيام قليلة إلى إصدار ما سمى بإعلان دستورى يقضى بتحصين قرارات رئيس الجمهورية ضد الطعن بأى صورة من الصور، يقصد به التمهيد لهذا النوع من القرارات؟



لقد حاول رئيس الجمهورية أن يخفف من حدة الهجوم ضد هذا الإعلان بقوله إن المقصود به فقط القرارات المتعلقة «بأعمال السيادة». فهل يا ترى تدخل ضمن هذه القرارات المتعلقة «بأعمال السيادة»، القرارات المتعلقة بسيناء؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.