هل لاحظ أحدكم أن اليسار المصرى بمختلف أطيافه لم يحصل على أكثر من خمسة فى المائة « تقريبا» من مقاعد البرلمان الذى أعقب ثورة 25 يناير؟!. إذن ماذا يعنى هذا؟!.
إنه يعنى أحد أمرين إما أن مشاكل الفقراء والمطحونين قد انتهت ونعيش فى رغد ورفاهية، أو أن هذه الأحزاب وقادتها قد فشلوا فشلا ذريعا فى الوصول إلى جماهير الشعب ومخاطبتها والحصول على ثقتها!.
وبما أن «الحال المايل» لا يخفى على أحد و«حالتنا تصعب على الكافر»، فعلينا أن نسأل قادة اليسار الذين تصدوا للمشهد منذ بدء تجربة التعددية والأحزاب السياسية عام 1976 وحتى الآن عن حصيلة عملهم؟!.
قبل أيام مرت ذكرى أحداث 17 و18 يناير الشهيرة عام 1977 حينما انتفض الشعب المصرى ضد توجهات أنور السادات الرأسمالية وقراره برفع أسعار بعض السلع الأساسية، وأجبروه على التراجع عنها بعد ساعات من إصدارها فى انتفاضة شعبية مشهورة وصفها السادات بأنها «انتفاضة حرامية».. هذه الانتفاضة تعنى أن التاريخ حلقات متصلة ولم يبدأ فى 25 يناير الجارى فقط.
فى السبعينيات لعبت قوى اليسار دورا نضاليا رائدا فى وقت كانت قوى التيار الدينى خصوصا الاخوان تتحالف مع أنور السادات.
ويحسب لحزب التجمع بقيادة خالد محيى الدين شفاه الله وسائر الفصائل اليسارية ومعها القوى الناصرية المختلفة تصديها لمجمل سياسات السادات الاقتصادية وكذلك لاتفاقيات كامب ديفيد. وتواصل هذا التصدى بأساليب مختلفة فى الثمانينيات وحتى بدايات التسعينيات حينما بدأت التيارات الإسلامية تلعب دور رأس الحربة فى معارضة نظام حسنى مبارك.
وقبل أيام أيضا احتفل مواطنون بسطاء مصريون وعرب بعيد ميلاد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر المولود فى 15 يناير 1918، وفى معظم المظاهرات الشعبية المصرية واحيانا العربية مانزال نرى المتظاهرين يرفعون صوره، لكننا لم نعد نرى حشود أنصاره أو تمثيلا نيابيا يليق بحجم هذا التيار فى الوجدان الشعبى.
من الذى يتحمل ذلك وكيف يفسر لنا قادة اليسار حصول التيار الإسلامى على أكثر من ثلثى مقاعد البرلمان فى حين فشلوا هم فى حصد حد أدنى يجعلهم قوة مؤثرة فى البرلمان؟!.
كيف يكون الواقع الاقتصادى والاجتماعى مأساويا ولا يستطيع اليسار النزول إلى الجماهير والتعبير عن مصالحها؟.
لا أستطيع لوم الأحزاب اليسارية الجديدة التى تحتاج وقتا وخبرة ومالا حتى تحصد مقاعد معتبرة، لكن ما هو عذر أحزاب مثل التجمع والناصرى؟!.
التيار الإسلامى اشتغل بجد وحصد نتيجة جهده، وهذان الحزبان فشلا فشلًا ذريعا لأن معظم قادتهما فضلوا النوم فى أحضان صفوت الشريف وبقية رموز نظام مبارك وتركوا الشارع للتيار الإسلامى مثل «الموزة المقشرة»!.
لا أعرف كيف يقبل قادة هذه الأحزاب والقوى والتيارات اليسارية الاستمرار بعد فشلهم، وكيف يجرءون على النظر فى وجوه وعيون أعضاء وأنصار هذه الأحزاب بل كيف يستطيعون النوم بهدوء بعد الجرائم التى ارتكبوها؟!.
الذى تسبب فى هذه الهزيمة المنكرة لقوى اليسار ليس الإسلاميين وتحالفهم مع العسكر كما يشاع، وليس الانتهاكات والتجاوزات أمام اللجان الانتخابية- لأنها محدودة- بل قادة هذا اليسار الذين وجهوا طعنة غادرة إلى أحزابهم بتعاونهم مع النظام القديم والجديد والابتعاد عن الجماهير.
يفترض أن يبادر قادة اليسار فى مصر إلى الاعتذار لأعضاء أحزابهم، ثم يقدموا استقالاتهم، ويلتزموا بالانزواء فى بيوتهم، فربما ينساهم الشعب، باعتبار أنه يصعب أن يسامحهم!.