البابا تواضروس يستقبل شباب إيبارشية نيويورك بالإسكندرية    الصادرات الرقمية المصرية تقفز إلى 7.4 مليار دولار بدعم قوي من التعهيد    لاريجاني: تدخل واشنطن في الشأن الداخلي لإيران يساوي اضطراب المنطقة    التشيك تعرب عن تضامنها مع سويسرا عقب انفجار احتفالات رأس السنة    باكستان تؤكد دعمها الثابت لمبدأ "الصين الواحدة"    ماكمانامان: ليفربول يفتقد للتنظيم في غياب صلاح    الطقس غدا.. انخفاض الحرارة وبرودة شديدة وشبورة كثيفة والصغرى بالقاهرة 9 درجات    أوقاف الغربية تفتتح المسجد الغربي بقرية شندلات بعد تطويره    الأوقاف تفتتح مسجدا جديدا بالقليوبية    رئيس هيئة البترول يجري زيارة مفاجئة لمنطقة أنابيب البترول بالتبين    زيلينسكي يعرض منصب مدير مكتبه على رئيس المخابرات العسكرية    المركز الأوروبى للأرصاد يحذر: صيف 2026 سيكون الأشد حرارة    المركزي البولندي يتوقع تراجع معدل التضخم إلى 2.6% في 2026    مدرب تونس: سنظهر وجهنا الحقيقي أمام مالي وأتفهم غضب الجماهير    تضاؤل فرص مهند لاشين في اللحاق بمباراة منتخب مصر أمام بنين    "منتجي ومصدري الحاصلات البستانية" يعلن خطة طموح لدعم صغار المزارعين    «بلطجي الموقف» في قبضة الأمن    تموين القليوبية يحرر 65 مخالفة بالخانكة وبنها وقليوب    لقطات من زيارة أنجلينا جولى لمعبر رفح ضمن جولة فى محافظة شمال سيناء    تأجيل تصوير فيلم "شمشون ودليلة" بعد انتهاء موسم دراما رمضان    "القومية" تستلهم أعمال عمار الشريعي على المسرح الكبير    مصطفى شوقي ل الشروق: «ابن الأصول» أولى تجاربي المسرحية.. واسم مراد منير جعلني أوافق قبل قراءة النص    الصحة: تقديم 8.2 مليون خدمة طبية من خلال المنشآت الصحية بالإسكندرية خلال 2025    إجراء عملية زراعة قرنية ناجحة بمستشفى رمد المنصورة    رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يصدر توجيهات مباشرة بإغلاق حركة الطيران في مطار عدن    سام مرسي ينضم رسميًا إلى بريستول سيتي الإنجليزي    أمم أفريقيا 2025.. مكافآت خيالية في بنين لتحقيق الفوز على الفراعنة    عاجل | "الاتصالات" و"التموين" تطلقان 9 خدمات حصريًا عبر منصة "مصر الرقمية"    95% نسبة الإنجاز.. الحكومة تكشف موعد افتتاح «حدائق الفسطاط»    وقاية من الفتن: فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    667 ألف ناخب يتوجهون غدا لصناديق الاقتراع بالدائرة الثالثة بالفيوم    ضبط سائق أجرة متهم برفع التعريفة بسوهاج بعد تداول الواقعة على مواقع التواصل    ارتفاع فى اسعار الفراخ اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    حامد حمدان ينتظم في تدريبات بيراميدز غدًا والإعلان بعد وصول الاستغناء    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح بمحافظات المرحلة الأولى للتأمين الشامل    طب القاهرة: لا صحة لما يتردد بشأن إلغاء الدبلومات المهنية    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    بسيوني: استمرار صلاح ومرموش داخل الملعب ضرورة فنية للمنتخب    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    صندوق مكافحة الإدمان يواصل تنفيذ البرامج التوعوية خلال 2025.. تنفيذ أنشطة في 8000 مدرسة و51 جامعة و1113 مركز شباب للتحذير من تعاطي المخدرات    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات لدعم بناء القدرات الصحية    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    منال عوض تبحث مع قيادات جهاز تنظيم إدارة المخلفات الوضع الراهن لتنفيذ منظومة ادارة المخلفات    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    رسائل السيسي في اختبارات كشف الهيئة لحاملي الدكتوراه من دعاة "الأوقاف" تتصدر نشاط الرئيس الأسبوعي    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    القبض على صاحب المطعم و3 من العاملين به في واقعة تسمم 25 شخصاً بالشرقية    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورة المصرية .. وثلاثة أطباء كبار
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 09 - 2011

مع تردد الأسماء المرشحة، لرئاسة الجمهورية، يخطر لى من حين لآخر ثلاثة أسماء لأشخاص تتوفر لهم فى رأيى كل الصفات التى نحتاجها فى رئيس جمهورية جديد لمصر، ولكن لا أحد منهم بدت منه، للأسف، أى رغبة فى التقدم لترشيح نفسه.
كان من حسن حظى أن تعرفت عليهم جميعا قبل ثورة يناير 2011 بسنوات كثيرة، أصبحوا من أقرب الناس إلى قلبى، ثم اكتشفت فجأة، عندما خطر لى أن أكتب عنهم أن فيهم صفة مشتركة لا علاقة بينها وبين الثورة والثورية، وهى أنهم أطباء. لكل منهم تخصص بعيد عن تخصص الآخر، ولكننى لم أستطع أن أتبين أى سبب يمكن أن يجعل طبيعة تخصص كل منهم مسئولة عما يتحلون به من صفات، وعن اشتراكهم فى العمل الوطنى قبل الثورة بزمن طويل. أحدهم طبيب أسنان. والثانى متخصص فى أمراض النساء والعقم، والثالث، وهو أكبرهم سنا، متخصص فى أمراض الكلى. كل منهم نبغ فى مجال تخصصه، ولكنه فعل أيضا أشياء أخرى بديعة، لا علاقة لها بالثورة، بل وبعضها لا علاقة له أيضا بالطب.
طبيب الأسنان، اكتشفنا فجأة أنه روائى كبير وبين يوم وليلة طبقت شهرته الآفاق فى مصر وخارج مصر، بل وأصبحت بعض رواياته، فى مثل لمح البصر، من أكثر الكتب مبيعا فى بعض الدول الأوروبية، بعد أن ترجمت إلى عدة لغات. والطبيب المتخصص فى أمراض النساء أنشأ أول مركز لعلاج العقم فى مصر، وحقق فيه نجاحا باهرا، أضاف إلى شهرته التى اكتسبها من بحوثه العلمية. ثم فاجأنا هو الآخر بنشر كتاب بديع عن سيرته الذاتية أفصح عن جمال روحه بالإضافة إلى سعة علمه. وأما الطبيب الثالث فقد أنشأ (ويكاد أن يكون ذلك بيديه المجردتين) مركزا رائعا لعلاج وزرع الكلى، فى مدينة إقليمية مصرية، حيث قرر الإقامة المستمرة بها، خارجا عن العادة السائدة فى تفضيل الإقامة فى العاصمة.
ترجع معرفتى بطبيب الكلى إلى سنوات بعيدة مضت، إذ عرفنى عليه صديقى المرحوم على مختار الذى كان قد تخرج لتوه فى كلية الطب، وأنا فى الحقوق، وكان سبب التعارف اشتراكنا نحن الثلاثة فى فرع ناشئ فى مصر لحزب يدعو للقومية والوحدة العربية، عرفنا به بعض الشباب العربى المثقف الذين أتوا للدراسة فى مصر. بهرتنى منذ ذلك الوقت قوة شخصيته، وجديته التامة، وحسمه وتفضيله للنشاط العملى المفيد على الاستغراق فى المناقشات النظرية والجدل.
كنت أكبر منه بأربع سنوات، ولكننى لم أكن قد تجاوزت حينئذ الثالثة والعشرين من عمرى، ثم باعدت بيننا الأيام. بسبب سفرى إلى إنجلترا للدراسة، ثم سفره هو أيضا، وقيام الحزب الذى انضممنا إليه بحل نفسه استجابة لطلب جمال عبدالناصر، كشرط للوحدة مع سوريا، ثم استقراره هو فى المنصورة بعد عودته من الخارج، بينما عشت أنا فى القاهرة. كنت أسمع أخباره من بعيد، واقرأ عن إنجازاته المبهرة فى مركز الكلى. وكان هو يرسل إلىّ بالتحية، من بعيد أيضا، ذاكرا أنه يقرأ كتبى وما أكتبه فى الصحف. ثم تقابلنا بعد فراق طويل جدا، فى حفلة اقيمت لتكريم د. محمد البرادعى، إذ جاء صديقى الطبيب فى صحبة د. البرادعى وقدمنى إليه.
فى هذا الحفل دعانى صديقى القديم للمجىء إلى المنصورة مع زوجتى لإلقاء محاضرة عن الاقتصاد المصرى، فقبلت مسرورا، لأكثر من سبب، وقضينا معه هو وزوجته فى المنصورة يومين من أجمل الأيام.
كان أجمل ما رأيت فى المنصورة مركز الكلى، الذى كان هذا الرجل صاحب فكرته، ومن عمل على جمع التبرعات من الخارج لتمويله، وواضع نظامه ومديره حتى بلغ سن التقاعد فأصبح مستشارا له. قابلنا الرجل فى مكتبه وطاف بنا فى أنحاء المركز. كنت أتوقع، ما دام المركز كله مدينا له بهذا القدر، وبسبب ما تعودت عليه من طريقة معاملة المرءوسين لرئيسهم فى مصر، أنه بمجرد أن يراه موظفو المركز وأطباؤه وفراشوه، وهو يمر بممرات وحجرات المركز مع بعض ضيوفه، أن يهب الجالس واقفا، أو أن يتركوا ما بأيديهم ليحيوه، ولكنى لاحظت العكس. ظل كل موظف مشغولا بما يفعله، رغم رؤيته للرجل الكبير، واكتفوا بالتحية الملائمة دون أى تزيد. مررنا أيضا بالكافتيريا فنبهنا الرجل إلى أنها مفتوحة للأطباء والعمال على السواء، وأن هناك حدا أقصى معقولا جدا لثمن الوجبة.
كان لدينا فسحة من الوقت بين زيارة المركز وموعد محاضرتى، فاصطحبنى أنا وزوجتى لرؤية مكتبة حديثة افتتحت فى المنصورة، تشبه المكتبات الحديثة فى القاهرة، التى تجذب شباب القراء، رجالا ونساء، وكان صاحب فكرة إقامة هذه المكتبة بالمنصورة مديرها، طبيبا مثله، ولكنه أضاف شيئا جديدا لم أره فى القاهرة، وهى أنه وضع جهازا للموسيقى فى البدروم، وخصص جلسة أو جلستين فى الأسبوع لاستقبال الشباب للاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقال لى مدير المكتبة إن صديقى الذى جاء إلى المنصورة، يأتى مرة فى الأسبوع للحديث إلى الشباب فى موضوعات تتعلق بالتذوق الموسيقى.
كنت أظن أن صديقى قد نشأ فى المنصورة، وأن هذا هو سبب استقراره النهائى فيها بعد أن درس فى القاهرة والولايات المتحدة وإنجلترا. ولكنه أخبرنى أنه يعيش فى المنصورة قبل تعيينه مدرسا بكلية الطب بجامعتها، ولكنه لم يجد أى مبرر لأن يتركها ويقيم بالقاهرة. وقد وجدت شقته التى لا يزال يسكنها منذ ذلك الوقت، جميلة ولكنها صغيرة، فى عمارة بوسط المدينة، إذ لم ير أيضا مبررا لتركه هذه الشقة بعد تقدمه فى الوظيفة أو السن.
كان سبب تعرفى على صديقى الثانى، طبيب أمراض النساء، مختلفا تماما. كان صديقا لذلك الرجل الفريد من نوعه، الكاتب السودانى الطيب صالح. وكان الطيب صالح، كلما جاء فى زياراته الدورية للقاهرة، يُستقبل استقبالا حارا من مجموعة من المثقفين المصريين المحبيّن له، فيرتبون له لقاءات العشاء والسمر، وكنت أُدعى أحيانا إلى هذه اللقاءات، وفى إحداها التقيت لأول مرة بهذا الطبيب الفذ.
لفت نظرى إليه أولا قلة كلامه. إنه مستمع جيد، ومتكلم جيد، ولكنه برىء من أى عقدة تدفعه إلى الكلام بمناسبة وغير مناسبة، وهذا نوع نادر من الناس. ثم سمعت بنبوغه ونجاحه الباهر فى مجال عمله، وبأريحيته وكرمه فى معاملة المرضى غير القادرين على دفع تكاليف العمليات الجراحية والمستشفى. وقد لمست أنا هذا الكلام عندما لجأت إليه سيدة محدودة الدخل، لعلاج ابنتها من العقم، بعد أن احتارت مع غيره من الأطباء فأشرت عليها باللجوء إليه، ومازالت بعد مرور عشر سنوات، تلهج بالثناء عليه وتدعو له ولابنته الطبيبة أيضا، والتى قدمت بدورها خدماتها بعد قدوم الطفل، بدون مقابل.
كانت المفاجأة السارة التالية عندما عرفت أنه أيضا أديب. فقد ظهر له كتاب فى السيرة الذاتية، رأيت فيه ما رأيت فى الرجل من قبل، من تواضع غير مصطنع، وحكمة فى ترتيب الأولويات، وواقعيته فى تقييم الأحوال المصرية، ونوع من حب الوطن بالغ الجاذبية، لاختلاط العاطفة الجياشة فيه بالواقعية والروح العلمية.
لم أتعجب إذن عندما سمعت بعد ذلك باشتراكه فى تكوين جمعية للدفاع عن استقلال الجامعة المصرية، وتطهيرها من سيطرة الدولة وأجهزة الأمن، ومن تحكمها فيمن يعين مديرا أو عميدا، ومن يسمح له بإلقاء محاضرة عامة فى الجامعة ومن لا يسمح له..الخ. وقد تابعت بشغف خطواته فى هذا العمل، فوجدته دائما يؤكد تلك الصفات الرائعة، التى سبق أن رأيتها فيه.
تعرفت على صديقى الطبيب الثالث المتخصص فى طب الأسنان عندما اتصل بى لتحيتى بسبب بضعة مقالات نشرت لى ونالت إعجابه فالتقينا على الغداء. عرفت أنه قرأ لى أيضا كتابا قديما نشره ناشر مغمور ثم لم يعد طبعه ولكنه وجده فى مكتبة الجامعة التى كان يدرس بها بالولايات المتحدة أثناء دراسته لدرجة الماجستير. فى المرة التالية التى قابلته فيها أعطانى كتيبا صغيرا له، طبعه على نفقته الخاصة، طبعة محدودة النسخ ويحتوى على مجموعة من القصص القصيرة. قرأت الكتاب فطرت به فرحا، ومازلت حتى الآن أتذكر تفاصيل بعض قصصه وكأنى قرأتها بالأمس، وكنت أحكى لبعض معارفى وأصدقائى موضوعات هذه القصص بالتفصيل، لعمقها وطرافتها، وكتبت مقالا عن هذا الكتاب فى مجلة الهلال. بعد ذلك بقليل قال لى إنه أصدر مع مجموعة من الأصدقاء الذين لهم مثل آرائه فى الأحوال المصرية، عددا واحدا أو عددين من مجلة جديدة، محدودة النسخ، ويطبعونها أيضا على نفقتهم الخاصة، ويقومون بتوزيعها بأنفسهم بطريقة بدائية جدا على بعض المكتبات، ثم يمرون عليها من جديد لتحصيل ثمنها وجمع النسخ غير المباعة. كان اسم المجلة اسما جميلا «زرقاء اليمامة»، يناسب جدا الهدف من ورائها. كان هدفهم، باختصار، رسم طريق للتقدم لا يتنكر للتراث، وهى فكرة كنت ولا أزال أتعاطف معها جدا، وعبرت عنها فى أكثر من كتاب ومقال لى، مما جعل صديقى هذا يطلب منى الكتابة فى العدد التالى من المجلة فكتبته بعنوان «لماذا التمسك بالتراث؟»، أو شيئا بهذا المعنى.
لا أظن أن المجلة ظهر لها عدد تالٍ، فالامكانيات المادية كانت محدودة جدا، وكان إصدار مجلة جديدة محفوفا بالكثير من العقبات التى تضعها الدولة حرصا على أمن النظام الحاكم. ولكن مفاجأة سارة أخرى من هذا الصديق كانت فى انتظارى عندما أعطانى نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة لرواية كاملة كتبها وطلب رأيى فيها. جلست لقراءتها فوجدتها غاية فى التشويق والجمال والحساسية، وتعبّر عن فهم عميق لمشكلات مصر وأسبابها الحقيقية، وعن تعاطف صادق مع المظلومين من المصريين.
لم يكن الرجل قد حقق بعد أى شهرة تذكر، ولكن هذه الرواية عندما تم نشرها، جلبت له الشهرة فى مثل لمح البصر، وزادت شهرته حتى طبقت الآفاق عندما أنتجت فى فيلم جميل، ثم عندما ترجمت إلى عدة لغات وبيع منها ملايين من النسخ فى شتى أنحاء العالم.
كان من الطبيعى عندما تشتد حركة المعارضة فى السنتين أو الثلاث السابقة على ثورة يناير، أن يشترك كل من هؤلاء الأطباء العظام، كل بطريقته، فى دعم المعارضين ودفع حركتهم إلى الأمام. ساهم الثلاثة بنشاط فى مظاهرات الاحتجاج، وفى عقد الندوات وكتابة المقالات التى تندد بديكتاتورية النظام وفساده، ومنادين بتغييره، وبإصلاح ما فسد فى هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة فى مصر ركز أحدهم على إصلاح أحوال الجامعة وأساتذتها، وكتب آخر مقالات بديعة عن المطلوب لإصلاح التعليم فى مصر، وفضح الثالث ما يرتكبه وزير الثقافة من تخريب أحوال الثقافة والمثقفين فى مصر، لتحقيق مصالحه الشخصية. ولم يأنف أحد منهم من الوقوف فى الشارع مع المتظاهرين، وسافر أحدهم مع مجموعة من الأطباء المصريين إلى غزة لعلاج المصابين من اعتداءات الإسرائيليين. وقدم الثلاثة المساعدة لجهود الدكتور محمد البرادعى فى تنظيم حركة شعبية لإسقاط النظام، وإفشال مشروع توريث رئاسة الجمهورية لابن الرئيس. ثم قامت الثورة بالفعل، فكان الثلاثة فى طليعة المتظاهرين والمطالبين بسقوط النظام، وأخذ أحدهم معه، فى بعض هذه المظاهرات، زوجته وبنتيه، معرضا نفسه وأسرته، مثلما تعرض زميلاه للمعاملة الغليظة من رجال الأمن، وللقنابل المسيلة للدموع. واشترك الثلاثة فيما كانت تعقده بعض القنوات التليفزيونية المستقلة من ندوات لتشجيع المزيد من الناس على الانضمام للمظاهرات.
عندما نجحت الثورة ذلك النجاح المبهر فى تنحية رأس النظام، وإفشال مشروع التوريث إلى الأبد، عمت الفرحة قلوب الجميع، وزادت ثقة المصريين بقدرتهم على إنجاز التقدم المنشود فى مختلف ميادين الحياة، وضاعف أطباؤنا الثلاثة العظام من جهودهم فى سبيل إحداث هذا التقدم. ولكن فوجئ الثلاثة كما فوجئنا جميعا بتباطؤ غير متوقع من جانب الممسكين الجدد بالسلطة. فوجئنا أولا بالتباطؤ فى ضرب العاملين على إفساد العلاقة بين المسلمين والأقباط بل وما بدا وكأنه إفساح المجال لبعض كبار المتعصبين الذين يزيدون الفتنة الطائفية اشتعالا. ثم فوجئنا باختيار عدد من المسئولين الكبار الجدد لا يبعثون على الثقة التامة فى تعاطفهم مع الثوار ومطالبهم، مع الابقاء على عدد آخر فى نفس مواقعهم المهمة، ممن لا شك فى انتسابهم للنظام الذى جرى إسقاطه. ثم ظهر أيضا تباطؤ ملحوظ فى تعقب عدد من المسئولين الكبار الذين تمت تنحيتهم، والذين لا شك عند الناس فى ضلوعهم فى الفساد ودعم مشروع التوريث، بل وضلوع بعضهم فى الاعتداء على الثوار اعتداء أدى إلى مقتل كثيرين، وإصابة عدد أكبر فى أعينهم مما أودى ببصرهم، لوحظ تباطؤ شديد فى تعقب هؤلاء بالمحاكمة، فى الوقت الذى اتخذت فيه بعض الإجراءات العنيفة، ضد بعض الثوار الذين عبروا عن استيائهم من هذا التباطؤ، والذين طالبوا بإجراءات أكثر حسما وثورية، سواء فى اختيار المسئولين الجدد، أو فى تعقب كبار المسئولين القدامى، بما فى ذلك الكشف عما سرقوه من أموال البلد وهربوه إلى الخارج.
بدأت السماء تتلبد بالغيوم، وبوادر الشك والاحباط تتسرب إلى النفوس، فإذا بأطبائنا الثلاثة يساهمون بنشاط فى التعبير عما بدأ الناس يشعرون به، ويطالبون بصيانة الثورة من الضياع والحيلولة دون تحول الثورة، إذا استمر الحال على ذلك، إلى مجرد انقلاب، يغير رأس النظام وبعض الأفراد المحيطين به، ولكن تبقى السياسات القديمة كما هى، ويستمر الفساد على ما كان عليه.
فى مشهد تليفزيونى لا ينسى، رأينا أحد هؤلاء الأطباء الثلاثة، ومعه رجلان وطنيان، أحدهما سياسى شهير والآخر إعلامى شهير أيضا، يحاورون أول رئيس للوزراء عيّنه الرئيس المخلوع بعد قيام الثورة، فى محاولة لتهدئة الناس، ثم استمر رئيسا للوزراء لبضعة أسابيع حتى بعد تنحية رئيس الجمهورية. كانت المناقشة عنيفة، وتدور حول تهاون رئيس الوزراء فى تنفيذ طلبات الثوار. كانت ردود رئيس الوزراء تتسم ببعض التعالى وهو يرد على أسئلة الطبيب الحادة والجريئة، فزادت حدة الطبيب وجرأته، حتى ذهل الناس لرؤيتهم طريقة غير مألوفة فى مخاطبة المسئولين الكبار، بينما كان الطبيب يحاول فقط تأكيد حق أى شخص فى قول ما يعتقده فى نقد أى مسئول كبير، مهما كان القول عنيفا، طالما أنه لم يخرج عن حدود الأدب، فى الوقت الذى كان فيه رئيس الوزراء يطالبه بأن يلتزم بالطريقة المستكينة المألوفة فى مخاطبة أى رئيس فى مصر.
استقال رئيس الوزراء بعد ساعات قليلة من انتهاء هذه المناقشة التليفزيونية، وربما كانت هذه المناقشة سببا مهما من أسباب الاستقالة. واختفى رئيس الوزراء من الساحة السياسية تماما، بينما استمر صديقنا الطبيب وزميلاه فى التعبير عن مشاعر الناس إزاء ما يحدث يوما بيوم، وفى تأييد ما يستحق التأييد وفضح ما يجب فضحه.
أحيانا أقول لنفسى: «إذا كانت مصر قادرة على أن تنجب، بين الحين والآخر، رجالا من نوع هؤلاء الأطباء الثلاثة، فما الذى ينقصها لتحقيق ما تطمح إليه؟».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.