مع اقتراب العملية الانتخابية لمجلس النواب من مراحلها النهائية ودخول الانتخابات البرلمانية فعليًا فى العد التنازلى لإعلان التشكيل الكامل للبرلمان الجديد تتجه الأنظار إلى مرحلة التعيينات الرئاسية باعتبارها الحلقة الأخيرة فى استكمال البنية الدستورية للمجلس النيابى وضمان تحقيق التوازن والتمثيل العادل لمختلف الفئات والتخصصات التى قد لا تفرزها صناديق الاقتراع وحدها. ويعد التعيين فى مجلس النواب آلية دستورية مكملة للعملية الانتخابية، وليست استثناءً منها، حيث استهدف الدستور من خلال هذه الصلاحية إتاحة الفرصة لتمثيل الكفاءات والخبرات الوطنية، وأصحاب الإنجازات العلمية والعملية، إلى جانب بعض الفئات التى نص الدستور صراحة على ضرورة تمثيلها داخل المجالس النيابية، بما يعزز من جودة التشريع والرقابة، ويرفع من كفاءة الأداء البرلماني. ◄ الإطار القانوني نظم قانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014 ضوابط وشروط تعيين الأعضاء داخل البرلمان، تنفيذًا لأحكام الدستور، الذى منح رئيس الجمهورية حق تعيين نسبة محددة من أعضاء المجلس، فى إطار واضح ومنضبط، يهدف إلى دعم التمثيل النوعى دون الإخلال بإرادة الناخبين أو التوازنات السياسية داخل المجلس. ونصّت المادة 27 من القانون على جواز قيام رئيس الجمهورية بتعيين عدد من الأعضاء لا يجاوز 5% من إجمالى عدد الأعضاء المنتخبين، على أن يكون نصفهم على الأقل من النساء، وذلك لتمثيل الخبراء وأصحاب الإنجازات فى المجالات المختلفة، فضلًا عن الفئات التى يرى الدستور ضرورة تمثيلها، وفقًا لأحكام المادتين 243 و244 من الدستور. ويتم هذا التعيين فى ضوء ترشيحات عدد من الجهات والمؤسسات، من بينها المجالس القومية المتخصصة، والمجلس الأعلى للجامعات، ومراكز البحوث العلمية، والنقابات المهنية والعمالية، وغيرها من الكيانات ذات الصلة، بما يضمن اتساع قاعدة الاختيار وتنوع مصادر الترشيح. ◄ اقرأ أيضًا | 10 يناير.. إسدال الستار على أطول انتخابات برلمانية في تاريخ مصر ◄ ضوابط صارمة ووضع القانون مجموعة من الضوابط الحاكمة لقرارات التعيين، لضمان عدم استخدامها فى التأثير على الخريطة السياسية أو تغيير موازين القوى داخل المجلس، حيث اشترط أن تتوافر فى العضو المعين ذات الشروط الواجب توافرها فى المرشح المنتخب لعضوية مجلس النواب، وعدم تعيين عدد من الأشخاص من حزب سياسى واحد بما يؤدى إلى تغيير الأغلبية النيابية داخل المجلس، بالإضافة إلى حظر تعيين أى عضو من الحزب الذى كان ينتمى إليه رئيس الجمهورية قبل توليه مهام منصبه، تأكيدًا لمبدأ الحياد، وعدم تعيين أى شخص سبق له خوض انتخابات المجلس فى الفصل التشريعى ذاته وخسر فيها، احترامًا لإرادة الناخبين ونتائج الاقتراع. وتعكس هذه الضوابط حرص المشرع على أن تظل التعيينات أداة لاستكمال التمثيل، لا وسيلة للالتفاف على العملية الانتخابية أو إعادة إنتاج نتائجها. مساواة كاملة وأكدت المادة 28 من قانون مجلس النواب مبدأ المساواة الكاملة بين العضو المعين والعضو المنتخب، حيث نصّت على أن يتمتع الأعضاء المعينون بذات الحقوق، ويلتزمون بذات الواجبات المقررة لأعضاء المجلس المنتخبين، دون أى تمييز فى الصلاحيات أو المسئوليات. كما ألزمت المادة بنشر قرار تعيين أعضاء مجلس النواب فى الجريدة الرسمية، بما يضمن الشفافية الكاملة وإخضاع القرار للرقابة المجتمعية والرأى العام. ويبلغ العدد الإجمالى لأعضاء مجلس النواب 596 عضوًا، ما يعنى أن نسبة ال5% المخصصة للتعيين تعادل نحو 28 عضوًا، يمثلون الشريحة الأخيرة التى تُستكمل بها تركيبة المجلس قبل بدء الفصل التشريعى الجديد. وتحمل هذه التعيينات أهمية خاصة فى هذه المرحلة، إذ يُعوَّل عليها فى تعزيز حضور الخبرات التشريعية، والكفاءات المتخصصة فى مجالات الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والقانون، إلى جانب دعم تمثيل المرأة والفئات التى نص عليها الدستور. ومع اقتراب إسدال الستار على ماراثون الانتخابات البرلمانية، تبرز مرحلة التعيينات باعتبارها اللمسة الدستورية الأخيرة فى تشكيل مجلس النواب، والتى يُنتظر أن تُسهم فى بناء برلمان متوازن، يعكس تنوع المجتمع المصري، ويملك من الخبرات والكفاءات ما يمكنه من مواجهة التحديات التشريعية والرقابية خلال المرحلة المقبلة. ◄ التزام دستوري ويؤكد الدكتور صلاح فوزى أستاذ القانون الدستورى أن حق رئيس الجمهورية فى تعيين نسبة من أعضاء مجلس النواب ليس سلطة تقديرية مطلقة، وإنما هو اختصاص دستورى مقيد بضوابط واضحة نص عليها الدستور وقانون مجلس النواب، بما يحقق التوازن بين مبدأ سيادة الأمة عبر الانتخاب، ومتطلبات التمثيل النوعى والكفاءة التشريعية. ويشير فوزى إلى أن النص على عدم جواز تغيير الأغلبية النيابية عبر التعيين، أو تعيين أعضاء من الحزب الذى كان ينتمى إليه رئيس الجمهورية قبل توليه منصبه يعكس حرص المشرّع على تحصين البرلمان سياسيًا، ومنع أى شبهة للتأثير على إرادة الناخبين أو توجيه المسار التشريعى من خارج القبة البرلمانية. كما أن حظر تعيين من خاضوا الانتخابات وخسروها فى الفصل التشريعى ذاته يُعد تجسيدًا لمبدأ احترام نتائج الاقتراع، ويغلق الباب أمام ما كان يُعرف تاريخيًا ب«الالتفاف على الصندوق»، وهو ما يعزز من الثقة العامة فى العملية السياسية. ويؤكد الفقيه الدستورى أن مساواة العضو المعين بالعضو المنتخب في الحقوق والواجبات وفقًا للمادة 28 من القانون تُرسخ مبدأ وحدة العضوية البرلمانية، وتُحمّل المعينين المسئولية السياسية والتشريعية الكاملة، دون تمييز أو استثناء.