30 دقيقة تأخير على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الجمعة 27 فبراير 2026    توزيع 4 طن من لحوم صكوك الأضاحي على الأسر الأكثر احتياجًا بكفر الشيخ    رويترز: تقارير مخابراتية أمريكية تكذب زعم ترامب عن الصواريخ الإيرانية    أحمد هيكل: أطلقنا 6 شركات قبل أزمة 2008.. وواجهنا تسونامي ماليًا    الحماية المدنية تُخمد حريقين في شبرا الخيمة والعبور وتمنع كارثة    أحمد عبد الحميد: فقدان والدي وابنتي «قلمين» علّموني معنى الدنيا.. مكنتش أعرف الابتلاء    مفتي الجمهورية من جامعة دمياط: نصر أكتوبر نقل الأمة من الانكسار إلى أفق التمكين    باكستان تُحذر: قواتنا جاهزة لسحق أي معتد بعد الغارات على أفغانستان    إعلام إسرائيلي: قائد عسكري أمريكي أطلع ترامب على خيارات الهجوم على إيران    تصل إلى 12 مليون دولار، زيادة كبيرة في جوائز كأس الكونفدرالية    نتواصل بلا كلمات ونفهم بقلوبنا، "تربية بنات" بالأزهر تدعم طالباتها من ذوات الاحتياجات الخاصة (فيديو)    ضبط قائد سيارة «چيب» تحمل علم إسرائيل في كرداسة بعد إصابته عددا من المارة    إعادة تشغيل مطار سوهاج الدولي بعد تطوير شامل ورفع كفاءة متكاملة    أحمد عبد الحميد: والدي رفض «الواسطة» في الفن.. وأول رمضان من غيره صعب    تارا عبود: مشاركتي في مسلسلين بموسم رمضان 2026 كانت تحديًا كبيرًا    «إفراج» يكتسح جوجل.. إشادة تامر حسني تشعل السوشيال ميديا ونجاح عمرو سعد يكتب شهادة تفوق مبكرة في دراما رمضان    فتاوى القوارير| حكم تناول العقاقير لمنع نزول الحيض بهدف الصيام    تأملات في اسم الله «الوهاب» ودعوة لحسن الظن بالله واليقين بعطائه    لتزيين حلوياتك، طريقة عمل صوص الفراولة    من وصايا «سيد قطب» إلى قتل المدنيين.. تصاعد درامي لرسائل العنف في «رأس الأفعى»    مايا مرسي: الدولة لا تغض الطرف عن العنف ضد المرأة    اللجنة المصرية تواصل تنفيذ حملتها لإفطار مليون صائم للأشقاء الفلسطينيين    حادث دهس ومحاولة هرب بالشارع السياحي بكرداسة | صور    برعاية تركي آل الشيخ.. «الترفيه» السعودية وMBC مصر توقعان عقد إنتاج مشترك    سقوط أمطار وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة بدمياط    فيديو | تفاصيل مشاجرة داخل مسجد بقنا.. خلافات قديمة بين «ولاد العم»    صور أقمار صناعية كشفت الخطة الكاملة.. كيف أبطلت الصين عنصر المفاجأة الأمريكي في حرب إيران؟    مفيد للضغط المرتفع وخطر على هؤلاء، خبير تغذية يحذر من تناول الكركديه في السحور    أذكار الصباح يوم الجمعة وفضلها وأفضل ما يُقال في هذا اليوم المبارك    دعاء الليلة التاسعة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    منتخب مصر يخسر أمام مالي في تصفيات كأس العالم لكرة السلة    مستقبل وطن يطلق حملة «إفطار مسافر» بمحطة مصر في الإسكندرية    للمرة الأولى.. جراحة توسيع الصمام الميترالي بالبالون في مستشفيات جامعة قناة السويس    حادث مروع في جمصة.. مصرع شخص بعد سحبه داخل ماكينة ري بالدقهلية    ضبط 6 متهمين في مشاجرة بالشوم أمام مسجد بقرية في نجع حمادي بقنا    لقاء سويدان تداعب كمال أبو رية على الهواء    تريزيجيه وزيزو يشاركان فى مران الأهلى الجماعى استعداداً لمباراة زد    إصابة محمد شكرى بكدمة فى مشط القدم واللاعب يغيب عن مباراة الأهلى وزد    يايسله يتجاوز إنجاز جروس ويدخل تاريخ الأهلى فى الدورى السعودى    كرة سلة - منتخب مصر يخسر من مالي في افتتاح تصفيات كأس العالم 2027    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة الاعتداء على سيدة ب«شومة» وإلقائها في ترعة بكفالة 2000 جنيه    أول تعليق من لقاء سويدان عن حقيقة ارتباطها بأحمد عز    انطلاق سهرات الأوبرا الرمضانية بثلاث فعاليات مميزة في القاهرة والإسكندرية    مجلس جامعة المنيا يهنئ محافظ المنيا بتجديد ثقة القيادة السياسية ويؤكد استمرار التعاون المشترك    إنتاج 12 طنًا من الأسماك بمحطة تحضين الخاشعة ومفرخ المنزلة ضمن خطة دعم وتنمية الثروة السمكية    مصدر أردني: إعداد خطة بديلة عن شراء المياه الإضافية من إسرائيل    مواعيد مباريات دور ال 16 من دوري أبطال آسيا للنخبة    تموين شرق تضبط 6.5 أطنان سكر ناقص الوزن بالإسكندرية    فوز القناة وتعادل الترسانة، نتائج مباريات الخميس في دوري المحترفين    التجربة الثالثة.. ديميكليس مدربا ل ريال مايوركا    رد ناري من لقاء سويدان على شائعات السحر.. فيديو    كريستال بالاس يتأهل لثمن نهائى دورى المؤتمر الأوروبى لأول مرة فى تاريخه    بعد اقتراحه بخصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة لبناء منشآت تعليمية جديدة.. قصة الصعود الغامض ل "ملياردير التعليم" نبيل دعبس.. ولماذا رفضت الكويت الاعتراف بشهادة مؤسساته؟    وزير الكهرباء: إعادة هيكلة القطاع وفصل الإنتاج عن التوزيع لتعزيز الشفافية وتحسين الخدمة    الصحة: فحص أكثر من 719 ألف مولود ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية منذ انطلاقها    حملة تضليل متعمدة قبل الانتخابات بساعات، نقابة المهندسين بأسيوط تنفي شائعة وفاة رئيسها    توسيع الصمام الميترالى بالبالون وتقنية الشنيور بمستشفيات جامعة قناة السويس    الرئيس السيسي يجري اتصالًا هاتفيًا بشيخ الأزهر للاطمئنان على صحته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القارىء محيي الدين ابراهيم يكتب: الثورة المضادة في مصر والمماليك الجدد
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 05 - 2011

قال اينشتاين: اثنان لا حدود لهما .. الكون الواسع .. والغباء الإنساني.تمر علينا هذه الأيام الذكري المئتين لمذبحة المماليك الثالثة والأخيرة على يد الضابط محمد علي ( 1مارس – 22 ابريل ) من عام 1811، وأقول ذكرى ولا أقول احتفالا لأن مصر لا تحتفل بها أبدا رغم أنها كانت القنطرة الوحيدة للعبور إلى مصر الحديثة إذ يعتبر التاريخ أن محمد على أبو مصر الحديثة وصاحب شعار ( مصر للمصريين ).
يقول كارل كوستاف يونج، مؤسس علم النفس التحليلي ( 1875 – 1961 ) والذي ساعد مكتب الخدمات الاستراتيجية في تحليل شخصية الزعماء النازيين لصالح الولايات المتحدة ما مفاده أن الأمم العظيمة تستلهم في حاضرها أحداثاً بعينها من تاريخها حتى ليتراءى لنا أن التاريخ يعيد نفسه، فهل تستلهم مصر اليوم تاريخها منذ مائتي عام حينما تخلص محمد علي باشا من المماليك ( الثورة المضادة ) وتتخلص هي ايضا وشباب ثورة 25 يناير ( شباب التغيير ) من الثورة المضادة ( المماليك الجدد ) ودعاة تقسيم مصر وقادة مناهج الفتنة الذين يستقووا بالغرب وبأميركا وبعض دول الجوار ضد مصر وابناء شعبهم الواحد من المصريين حسب زعم " يونج " نقول ربما!
كان محمد علي (4 مارس 1769 - 2 أغسطس 1849) هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، حينما نزل إلي مصر لعقاب الخونة من جواسيس المماليك الذين فتحوا مصر لفرنسا عام 1798 ( كانت الحملة الفرنسية مكونة من 30 الف محارب ) ونجاحهم في ذلك الى حد ما، ولكنهم – أي المماليك – بعد انتصار محمد علي السريع في عدة مواقع، سلموا مصر مرة اخرى لأعدائها ولكن هذه المرة للإنجليز حيث كان أمين بك محافظاً على رشيد وسلمها بالكامل للكولونيل فريزر قائد الأسطول الانجليزي مقابل حماية الإنجليز للمماليك وأن يخلصهم من محمد على لتستمر الحرب بين الإنجليز والمصريين قرابة العامين وتنتهي بانتصار المصريين وحيث يشاهد محمد علي فيها وبأم عينه عظمة المقاتل المصري ضد اعدائه في الداخل والخارج وربما يبوح بذلك عن عمد للشيخ عبد الله الشرقاوي، الذي كان قد ترأس الديوان الاستشاري الذي اسسه نابليون حينما غزا مصر ليستميل أهلها وكان ذلك الديوان مؤلفاً من المشايخ والعلماء المسلمين ومكونا من11عالما.
كان الشيخ عبدالله الشرقاوي يشك قليلا في محمد علي، يخشى أن يضحك عليه كما ضحك نابليون على المصريين، ضحك على المشايخ والأئمة وعلى الشيخ عبدالله الشرقاوي نفسه، وزعم انه الشيخ علي بونابردي باشا الفرنساوي، وكان يتجوّل في شوارع القاهرة وهو يرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب، وكان يتردد إلى المساجد في أيام الجمع ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة ويؤم المصلين، ويردد عليهم بعد صلاة العشاء في ليلة الجمعة أن الإسلام كالمسيحية تفسدهما السياسة ويلعب القائمون عليهما بالنار إذا تخطوا حدود أماكن العبادة لأنهم يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان‏ وكان دائما ما ينهي خطبته للمصلين بهذا الدعاء : ادام الله اجلال السلطان العثماني، ادام الله اجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك، واصلح حال الأمة المصرية" وقد اساء بونابرت التصرف ببشاعة وصلت لحد القتل والاغتيال مع المسيحيين المصريين بعد رفضهم التعاون معه في احتلال مصر مقابل تسليمهم مفاتيح مدينة القدس وكان يبرر اساءته للمسيحين في مصر بقوله حتى تقولوا لأمتكم أيها المسلمون ان الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون وإثبات ذلك ماثل للعيان وانهم قبل ذلك قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحّث النصارى على محاربة الإسلام، وهو ما كان يدفع المصريين لأن لا يصلوا ورائه ويتركوه مذعورين الى مساجد اخرى وهو ما دفعه – ربما - لتكوين ديوان استشاري ذلك الديوان الذي خدع به الناس وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي بعد أن فشلت مساعيه الشخصية وبنفسه في فتنة شعب مصر.
ينظر الشيخ عبد الله الشرقاوي لمحمد علي، يتفحصه، يدرك أن محمد علي مثله الأعلى نابليون بونابرت، يقول له: لقد شنق بونابرت الشيخ محمد كريم أمام أعيننا في ميدان الرميلة بالقاهرة المحروسة، قتل المشايخ والقساوسة بجانب المماليك وانني لم اقبل رئاسة الديوان الذي أنشأه وأنا أعلم نواياه إلا للحفاظ على بقية الأئمة من القتل والاغتيال، ولكن هذا أيضا لم يشفع لي عند كثير من المصريين.
كان محمد علي يؤمن فعلا بنابليون بونابرت، يعشقه الى حد النخاع كرجل وقائد عسكري، ويردد مقولته الشهيرة: من يحكم مصر بإمكانه أن يغير التاريخ‏، وأن يحكم العالم، كان محمد علي لا يريد من الشيخ عبد الله الشرقاوي إلا أن يزكيه عند عمر مكرم كبير القاهرة، أو قل كبير الكبراء في القاهرة المحروسة، إن آمن به عمر بك مكرم فلا جدال أن يصبح محمد علي واليا على مصر لما لهذا الرجل من كلمة نافذة واحترام عند السلطان العثماني.
آمن شباب المصريين من ابناء الفلاحين بمحمد علي، كانوا يصورونه في حكاياتهم الشعبية أمام البيوت في القري كأنه رسول العدل من السماء، انه أرحم على الفلاحين من المماليك، بل وأخذ يضم بعض ابناء الفلاحين للأرناؤوط وعساكر الأرناؤوط الألبان رغم جهلهم بفنون القراءة والكتابة بل وفنون القتال أيضاً لكنهم كانوا مؤمنين بالتغيير ولديهم الروح والطموح والانتماء الذي يمكنهم من تحقيق هذه الغاية، إنها روح المقاتل الشريف، هذا ما آمن به محمد علي في أبناء الفلاحين وكان هذا الإيمان بمثابة كلمة السر التي فتحت له قلب واحترام عمر بك مكرم حتى قبل أن يزكيه الشيخ عبد الله الشرقاوي وليصير محمد علي بالفعل واليا على مصر عام 1805 وسط إجماع شعبي منقطع النظير لأنه اختيار شباب التغيير، اختيار الفلاحين الذين أقاموا أفراح شعبية في القرى والنجوع وشوارع القاهرة المحروسة استمرت أكثر من شهر تقريباً، كان يوزع فيها محمد علي الأطعمة بنفسه أحيانا على أهالي القاهرة، وهو ما أثار غيرة المماليك وحتى زملائه الضباط أيضاً الذين جاءوا معه من ألبانيا، وقامت عدة محاولات باغتياله فشلت جميعها بسبب تصدي المصريين ( أبناء الفلاحين ) لها.
لقد بدأت الثورة المضادة بالفعل، ووصلت بفساد قادتها للحد الذي جعلهم يدعون لتقسيم مصر إلى ولايات وإمارات وأن يستعينوا بالإنجليز على ذلك بل ويسهلوا لهم احتلال مصر ويسلم بالفعل أمين بك محافظ رشيد المدينة بالكامل للكولنيل الإنجليزي "فريزر" مقابل بقاءه واليا على الوجه البحري وكذلك التخلص من محمد علي بك وهو الأمر الذي دعا المصريين لأن يقاتلوا لمدة عامين ضد الإنجليز ومعهم كل قادة الثورة المضادة من المماليك والذين عاونوهم وساعدوهم على غزو الإنجليز لمصر مقابل مصالحهم الشخصية واعتلاء الحكم رغما عن المصريين أنفسهم، وقد قتل في هذه الحرب الى جانب عسكر الإنجليز اكثر من عشرة ألاف مملوك على ما اقترفت ايديهم في حق مصر واستعانتهم واستقوائهم بالأجانب ضد اهل البلد، ولكن هرب أمين بك للصعيد واحتمى برهبان الكنيسة الكاثوليكية التي انشأتها حملة نابليون في اسيوط وكذلك الأخرى الموجودة بجوار مسجد قنصوه الغوري في القاهرة المحروسة والتي كان الغرض من انشائهما القضاء على سلطة الكنيسة القبطية نهائيا.
لابد إذن من القضاء على الثورة المضادة الآن، وكانت مذبحة القلعة في 1 مارس عام 1811 بعد الانتصار على الانجليز ببضعة اشهر ومنذ مائتي عام بالضبط من الآن.
كانت مجزرة رهيبة قتل فيها ألف ومائتين من اعظم قادة المماليك، والمدهش أنه لم ينجو من هذه المذبحة إلا أمين بك الخائن الذي سلم مصر للإنجليز حيث قفز بحصانه من فوق سور القلعة وبدلا من أن يهرب للرهبان الكاثوليك في اسيوط هرب إلى دمشق عاصمة الشام، وظل الأرناؤوط لمدة أيام يجوسون فيها خلال الديار ويقتلوا اي مملوك يجدونه حتى ولو كان عمره عام واحد، وتخلص محمد علي من المماليك للأبد ومن قادة الثورة المضادة نهائياً.
كان أمام الأزهر والكنيسة القبطية ومدارس اليهود بالإسكندرية اختيار واحد من اثنين لا ثالث لهما، إما أن ينفتحوا على العلوم الدنيوية بما يخدم الإمبراطورية المصرية تحت قيادة محمد علي أو أن يشنق قادة هذه المنابر جميعا دون رحمة ويأتي بقوم غيرهم، حيث كانت تلك الأماكن هي حظيرة المثقفين الوحيدة في مصر وكان عدد المتعلمين في مصر لا يتعدى بضعة آلاف أو ربما مئات في الطوائف الثلاث، وكل منهم له لغته التي يقوم بتدريسها ولكل منهم أمته وقومه، فرفع شعار مصر للمصريين، وضم الثلاثة تحت لواء مصر وجعلهم يختاروا النوابغ من ابناء كل طائفة لأرسالهم في بعثات لأوروبا على أن يعودوا لخدمة مصر وتعليم أبناء مصر، فقوة الجيش الذي يحلم أن تتكون به أمبراطوريته لن تكون بجحافل من الجهلاء ( كالأمن المركزي حالياً ) فالجهل عين الهزيمة ورحم الاستعباد والذل، واستجاب قادة الطوائف الثلاث لتحقيق الحلم وفي عام 1815 تقريبا كانت مصر ولأول مرة منذ 500 عام دولة واحدة وأمة واحدة بأقباطها ومسلميها ويهودها، وكان يتعلم أبناء المصريين في أي دار علم شاءوا وتفوقت مدارس الكنيسة القبطية في تدريس مناهج المحاسبة و العقود وكل ما يخص أرشفة وبناء الدولة الحديثة وكانت أحيانا تخرج الكنيسة من مدارسها عددا من طلابها المسلمين يفوق عددهم عدد المسيحيين، وتفوق الأزهر في القانون واللغات وحتى تكون علومه للمصريين عامة كون المدارس المدنية التي كان على رأسها مدرسة الألسن للطهطاوي أحد مبعوثي محمد علي النابهين لفرنسا وكان طلابها من المصريين جميعا مسلمين وأقباط ويهود، عشق المصريون محمد علي إلى حد الثمالة.
انتهت الثورة المضادة إذن باستئصال شأفة قادتها ( بالعنف للأسف فلم يكن يجدي مع هؤلاء الأغبياء سوى العنف)، تم استئصال شأفة دعاة التقسيم، وقادة الفتنة، وكل من جعل ولاءه للمماليك أو للقوى الخارجية واستقوى بالإنجليز أو الفرنساوية على مصر تحت خدعة وكذبة خوفه على مصر، انتهت الثورة المضادة وضاع قادتها للأبد في مزبلة التاريخ، وحتى يضمن محمد علي بقاء أمبراطوريته واتساعها وقوتها كان عليه أن يجهز من شباب التغيير المؤمنين بحتمية التغيير ومن ابناء الفلاحين المتعلمين قاعدة جيشه، وللأسف يذكر مؤرخي ما بعد ثورة 1952 أن محمد علي استعان بالمماليك لتكوين نواة جيشه وهي مسألة عجيبة في تقديري الغرض منها تشويه صورة محمد على مقابل رجال ثورة 52 خاصة بعد التخلص من أخر ملوك اسرته الملك فاروق الأول وحتى لا يجعلوه صاحب جميل كونه أبو مصر الحديثة، إذ كيف تكون كل هذه العداوة بينه وبين المماليك ويكون جيشه من المماليك؟، مسألة عجيبة فعلاً، لقد كانت نواة الجيش الأولى من ابناء الفلاحين المصريين الذين يؤمن بهم محمد علي جداً، ويؤمن أنه بهم وبهم فقط سيحقق مقولة نابليون التي تتردد في آذانه ليل نهار: من يحكم مصر بإمكانه أن يغير التاريخ‏، وأن يحكم العالم، وفي عام 1819 كانت اسوان هي المقر لأول كلية دفاع في تاريخ مصر تحوي 100 جندي مصري من ابناء الفلاحين ويعلمهم فنون الحرب والدعم اللوجيستي علي مدي ثلاث سنوات العقيد سليمان باشا الفرنساوي أو العقيد أوكتاف جوزيف انتلم سف Joseph François Anthelme Sève أحد أهم قادة جيش نابليون بونابرت ضد روسيا، لينتصر شباب التغيير لدرجة أن يضعوا علم مصر فوق منابع النيل بأثيوبيا ويقولون لإمبراطورها في ذلك الوقت هكذا إذن صارت منابع النيل مصرية.
على قادة الثورة المضادة الآن في مصر أو المماليك الجدد الذين يظنون أن مصر بثورة 25 يناير 2011 بعد مائتي عام من ذكرى التخلص من المماليك القدامى قد اصبحت دولة ضعيفة وتنتابها الفوضى وأن لهم الحق في أن يدعوا بغباء انساني تقسيمها إلى ثلاث إمارات اسلامية وقبطية ونوبية، وان يصنعوا ميليشات لإشاعة الفوضى وقطع الطرق السريعة في القاهرة والمحور وسكك حديد قنا مع رفع شعارات طائفية انهم سيحققون ما يظنون أنه سهل المنال فهم واهمون، لأن مصر أقوى مما يتوقعوا أقوى منهم ومن حلفائهم في الشرق والغرب، ومصر تنظر أليهم الآن لتعرفهم واحدا واحداً وتثبت عليهم تهمة التآمر بألسنتهم، زكريا عزمي نفسه لم يدخل السجن ويتم التحقيق معه إلا بعد حوار تلفزيوني له مع أحد البرامج، وكما يقول المثل العربي " جنت على نفسها براقش" وهكذا يجني على أنفسهم بالنباح المماليك الجدد، لقد دعا شباب التغيير كل الذين استبعدوا من مصر خلال العهد السابق الفاسد والغارق في الفساد بكل مماليكه من رئيسهم المخلوع ووريثة وحتى أقل مملوك فيهم، دعا شباب التغيير كل المصريين الغرباء في المهجر القسري إلى أن يعودوا لمصر، فعاد منهم الآلاف بعد غياب دام لأكثر من ثلاثين عاما ولكن بعضهم عاد بالفتنة، عاد متصورا أنه يمكنه أن يعلن نفسه زعيما أو يقتسم غنيمة أو يصنع أتباع، أو يتولى أمارة أو جزء من أرض مصر يحكم فيه حلفائه واتباعه، وغرق هؤلاء التائهون الواهمون في غبائهم الإنساني وعرفتهم مصر بدءا من قادة معركة ( الظرايب ) بالظاء عمدا وليس الزاى من مماليك المهجر الأوروبي والأمريكي ، وانتهاء بمماليك امارة قنا الإسلامية مماليك مهجر افغانستان وشيشنيا، لقد شهدوا على انفسهم، وحين يستقر محمد علي الجديد، وبالمناسبة هو ليس شخص الرئيس القادم ولكن شخص النظام القادم الذي سيحكم من وراء الرئيس القادم ومن وراء برلمانه، حين يستقر هذا المحمد علي باشا الجديد، وتحت شعار مصر ابنة الجيش، الذي راح ضحيته حسني مبارك بسبب وريثه المدني، سيتم التخلص من كل المماليك الجدد، وحلفائهم وأبواق اعلامهم وتلفزيوناتهم حتى تكتظ بهم مزرعة طرة ومن حولها مع قادتهم القابعين فيها الآن على ذمة التحقيق وعلى رأسهم الرئيس المخلوع وحاشية قصره وورثة فساده، مصر قوية بجيشها، مصر قوية بشباب التغيير الذي قدم حياته لبناء مصر الحديثة، مصر لن تتراجع حتى عن عقاب من يحاولوا طمس ملامح نورها الجديد وفجرها الجديد وحريتها الجديدة بعد ثلاثين عاماً من قهر جبابرة العصر الحديث وقائدهم مبارك.
في الذكرى المائتين لمذبحة المماليك القدامى في القلعة عام 1811 في مثل هذا التاريخ ومثل هذا الشهر، نقول للمماليك الجدد قادة الثورة المضادة في مصر اليوم وقادة التقسيم والفتنة كما قال كارل كوستاف يونج، مؤسس علم النفس التحليلي أن مصر ربما تكون الآن في حالة استلهام لأحداث الماضي من تاريخها وربما يعيد التاريخ نفسه فأحذروه واحذروا بطشة المصريين إذا غضبوا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.