نشرت جريدة النهار اللبنانية مقالا للكاتب وارف قميحة، يوضح فيه أن الصين، خلافا للقوى الكبرى الأخرى، لا تسعى للانخراط العسكرى المباشر فى الحرب الدائرة حول إيران، بل تفضل القيام بدور «قوة التوازن» التى تسعى لحماية مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية.. نعرض من المقال ما يلى: تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط فى قلب مرحلةٍ انتقالية فى النظام الدولى، وتكشف فى الوقت نفسه اختلاف مقاربات القوى الكبرى فى إدارة الصراعات. ففى حين تنخرط أطراف بشكلٍ مباشر فى المواجهة، تختار الصين مسارا مختلفا يقوم على إدارة التوازنات بدل الانخراط العسكرى. هذا الخيار لا يعكس غيابا، بل يعبر عن نهجٍ ثابت فى السياسة الخارجية الصينية، يقوم على تجنب التورط فى النزاعات، والتركيز على الاستقرار كشرطٍ لحماية المصالح الاقتصادية. فبكين، التى عززت حضورها فى المنطقة خلال العقدين الماضيين، ترتبط بشبكةٍ معقدة من العلاقات تشمل إيران ودول الخليج، إضافة إلى مصالحٍ أوسع مع الاقتصاد العالمى. منطقة حيوية بالنسبة الى الصين، لا يُعد الشرق الأوسط ساحة سياسية فحسب، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر رئيسية: أمن الطاقة، استقرار طرق التجارة واستمرارية مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. أى تصعيدٍ واسع فى هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصينى، ما يفسر حرصها على احتواء التوتر من دون الانخراط فيه. فى هذا السياق، يظهر الدور الصينى بصفته حضورا محسوبا. فهى لا تشارك فى العمليات العسكرية، لكنها تراقب مسار التصعيد بدقة، وتتحرك ديبلوماسيا للدفع نحو التهدئة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف. فى المقابل، تكشف هذه الحرب حدود الشراكة الصينية-الإيرانية. فعلى رغم العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، لم تقدم بكين دعما عسكريا مباشرا الى إيران، ولم تنخرط فى المواجهة. هذا يعكس طبيعة السياسة الصينية القائمة على إدارة المصالح وفق توازن دقيق، وليس وفق تحالفاتٍ صلبة. كما تحرص الصين على عدم الإضرار بعلاقاتها مع دول الخليج، التى تمثل شريكا رئيسيا فى مجال الطاقة، إلى جانب استمرار قنوات التعاون الاقتصادى مع أطراف أخرى فى المنطقة. هذا التوازن يفرض على بكين هامش حركة محسوبا، يمنعها من الانحياز الكامل لأى طرف. فى الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار الصين مستفيدا مطلقا من هذه الحرب. فارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد والمخاطر المرتبطة بأمن الملاحة، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الصينى. وبالتالى، فإن مصلحتها الأساسية تبقى فى احتواء التصعيد، وليس فى استمراره. فى هذا السياق، لا يمكن فصل الموقف الصينى الحالى عن الإطار الأوسع الذى طرحه الرئيس شى جين بينج فى السنوات الأخيرة حول الحوكمة العالمية، والذى يقوم على أولوية الاستقرار، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات عبر الحوار بدل القوة. نهج مستمر المواقف الديبلوماسية الصينية، بما فيها الاتصالات الأخيرة التى أكدت ضرورة العودة إلى المفاوضات ورفض التصعيد، لا تُعد استجابة ظرفية للأزمة، بل تعبير عن نهجٍ مستمر فى إدارة الأزمات الدولية. هذا النهج يقوم على تقديم الصين نفسها كطرفٍ يدفع نحو التهدئة، ويحافظ فى الوقت نفسه على توازن علاقاته مع مختلف الأطراف وبذلك، تتحول الدبلوماسية الصينية من مجرد أداةٍ سياسية إلى جزءٍ من تصورٍ أوسع لدور الصين فى النظام الدولى، بحيث تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة توازن، لا كطرف صدام. ضمن هذا الإطار، لا تسعى الصين إلى تحقيق انتصارٍ فى هذه الحرب بالمعنى التقليدى، بل إلى تثبيت موقعها فى مرحلة ما بعدها. فهى لا تنافس على قيادة المواجهة، بل على إدارة نتائجها، من خلال تقليل المخاطر وتوسيع شبكة الشراكات. وفى وقت تنخرط فيه الولاياتالمتحدة فى إدارة المواجهة، وتعمل إسرائيل على فرض معادلاتٍ ميدانية، وتواجه إيران ضغوطا متزايدة، تختار الصين مسارا مختلفا يقوم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادى وإدارة التوازنات. فى المحصلة، لا تبحث بكين عن نصرٍ عسكرى، بل عن موقع أفضل فى نظامٍ دولى يتشكل تحت ضغط الأزمات. وفى هذا السياق، قد لا تكون القوة فى ما تفعله الدول خلال الحرب، بل فى كيفية تموضعها لما بعدها.