اعتدتُ حين أشرح مفهوم فجوة المصداقية فى الخطاب السياسى أن أحكى قصة الراعى الكذوب. هذه القصة الشهيرة التى تحكى عن راعى غنم، يشعر بالملل، فيحاول أن يلهو بالأكاذيب. يصرخ: ذئب.. ذئب، فيهب أهل القرية لنجدته وإنقاذه. وحين يصلون إليه لا يجدون ذئبًا. تتكرر أكاذيب الراعى، حتى يتوقف أهل القرية عن تصديق كلامه. ويومًا ما يهاجم الذئب الغنم فعلا، ويقتل، فيصرخ الراعى: ذئب.. ذئب، فلا يجد منقذًا ولا معينًا! المصداقية سمة أساسية من سمات الشخصية السوية. يبنيها الإنسان طوال حياته، ويحرص على الحفاظ عليها من أن تُجرح فى عيون الآخرين. يتطلب بناء المصداقية توافق الأفعال مع الأقوال؛ فلا يقول الشىء ويفعل عكسه، وتوافق الأقوال مع الأقوال؛ فلا يناقض نفسه، وتوافق الأفعال والأقوال مع النوايا الحقيقية؛ فلا يُظهر خلاف ما يُعلن. يترتب على افتقاد المصداقية وصف الشخص بصفات سلبية هى الكذب، والنفاق، والادعاء، والتناقض، وتجمعها كلها صفة واحدة هى: افتقاد المصداقية. على الرغم من أن السياسة هى حقل خداع ومكيدة، فإن الساسة «الطبيعيين» يحرصون على الحفاظ على حد أدنى من المصداقية. فبدون المصداقية؛ لن يتمكن السياسى من بناء الثقة الضرورية فى نواياه وأقواله وأفعاله، وينتج عن ذلك تدمير صورته العامة، والعزوف عن التعامل معه. لكن هناك فئة من السياسيين تحترف الكذب بالمعنى الحرفى، ولا تهتم بانهيار مصداقيتها. فما يعنيها هو مكاسبها اللحظية، وليس بناء المصداقية. ربما يكون الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو أشهر كذاب سياسى فى عالمنا الراهن، وهو بالتالى أكثرهم فقدًا للمصداقية. فهو دومًا يقول الشىء ونقيضه، ويقول الشىء ويفعل نقيضه، ويصرح بشىء وينوى نقيضه. وهو يفعل ذلك باستمرار، إلى حد يعيق التيقن من حقيقة أقواله، وأفعاله، ونواياه الأصلية. ويفعل ذلك بجراءة وثقة غير عادية. وفى حال انكشاف الأكاذيب ومصارحته بها يرد باستهانة واضحة، تكشف عن أنه لا يُعنى نهائيًا بمسألة المصداقية. • • • يطرح افتقاد الرئيس الأمريكى للمصداقية أسئلة كثيرة. يتصل بعضها بالداخل الأمريكى مثل الأسباب التى دفعت الناخبين الأمريكيين لانتخاب شخص يشتهر بأنه «كذوب»، ومدى صلة هذا الاختيار بالأخلاقيات الجمعية للناخب الأمريكى المحافظ الذى انتخب ترامب، وما تزال شريحة منه تدعم حربه على إيران. لكن أهم تحديات «أكاذيب ترامب» تتصل بالسياسة الدولية، ومخاطرها، وبخاصة فى الأزمات الكبرى مثل الحروب الدولية. منذ شهر تقريبًا تشن أمريكا والكيان الصهيونى حربًا على دولة إيران. أحيطت هذه الحرب بعواصف من الأكاذيب الترامبية، بدأت من إخفاء نية شنها تحت ستار التفاوض، واستمرت فى جميع مفاصلها. وزادت كثافة توظيف هذه الأكاذيب فى الفترة الأخيرة لأهداف كثيرة، ربما يكون أهمها التلاعب بأسواق الأسهم والنفط لتقليل الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب. يستعمل ترامب الكذب الصريح سلاحًا فى حربه مع إيران؛ بهدف إخفاء مقاصده الفعلية، وتبرير جرائم حرب ارتكبها العدوان الأمريكى الصهيونى مثل كذبته الخاصة بإنكار قصف مدرسة ميناب، وقتل 230 طفلة، رغم الأدلة القاطعة على القصف الأمريكى للمدرسة. كما استعمل أكاذيب متكررة بشأن التفاوض مع إيران، واقتراب انتهاء الحرب، للتلاعب بالأسواق الدولية فى اللحظات التى بدت فيها الحرب مؤثرة بشدة فى أسعار النفط وأسواق السندات. علاوة على حفنة الأكاذيب الأساسية الخاصة بدوافع شن الحرب على إيران؛ مثل توقع هجوم عسكرى إيرانى وشيك، وأكاذيبه بشأن نتائج الحرب، مثل تصريحاته المتواصلة بانتصاره، وتحقيق جميع أهدافه. هذه الأدغال المتشابكة من الأكاذيب سمة أساسية من سمات خطاب ترامب. وبسببها صك العلماء مصطلح «ما بعد الحقيقة post truth». فأكاذيب ترامب تصنع عالمًا مزيفًا كاذبًا بشكل مروع، وتقدمه بديلا لعالم الحقيقة. والسؤال هو: كيف يتعامل رجال السياسة مع طوفان الأكاذيب، حين يكون مصدرها أقوى شخص فى العالم؟ • • • يقف العالم حائرًا أمام أكاذيب ترامب، فلا هو قادر على تجاهلها كليَّة، بسبب السلطة التى يمتلكها قائلها، ولا هو قادر على فضحها، بسبب فورات الغضب والعدوان التى يوجهها نحو منتقدى أكاذيبه. ويزداد الأمر وطأة حين يلقى ترامب هذه الأكاذيب فى حضور المكذوب بشأنهم، كما رأينا فى بعض لقاءاته مع رؤساء دول وحكومات تجرعوا أكاذيبه، خشية تكذيبه علنًا، وما قد يترتب على ذلك من عواقب غير مأمونة. وتمتد الحيرة إلى أسواق المال والنفط التى ترقص رقصات عشوائية على إيقاع تصريحات مضطربة كذوب. فكلما خشى من انفلات أسعار الطاقة، وانخفاض الأسهم، ألقى حفنة تصريحات متناقضة، تفلح فى التلاعب بالسوق أحيانًا، وتفشل أخرى. تبدو أكاذيب ترامب أكثر خطورة حين تتصل بأرواح ملايين البشر التى لا يعبأ بها فى سبيل غنائم الحرب الموعودة. فترامب لا يكذب على خصومه فحسب، بل يكذب على أنصاره وشعبه أولا وأخيرًا. وثمن أكاذيب ترامب تدفعه البشرية كلها، التى تعانى غلاء فى طعامها وشرابها ووقودها ومواصلاتها بسبب الحرب الأمريكية-الصهيونية، وتدفع البلدان المكتوية بنار الحرب ثمنًا أكبر من دماء أبنائها وثرواتها وأمنها واستقرارها ومستقبلها. وإذا كان من الصعب إيقاف آلة الحرب الأمريكية الهمجية، فلا أقل من فضح الأكاذيب التى تروجها، وكشف الوجه الحقيقى لمجرميها. تكشف الحالة الراهنة أن فجوة المصداقية لم تعد ذات تأثير كبير فى شعبية السياسيين. فحين تكون الأكاذيب مدعومة بقوة السلاح، ترتعش الشفاه التى تنطق بالحقيقة، ويتوارى قائلوها. ففى كل ركن من أركان عالمنا المعاصر، تبدو الأكاذيب أعلى صوتًا، وأكثر تأثيرًا. وتصبح الحقيقة ضعيفة خافتة، يتنصل الجميع منها، ويعادونها. فالعالم المعاصر يحتفى بالراعى الكذوب، ويكافئه على أكاذيبه. والراعى الكذوب لا يخدع أهل القرية بادعاء وجود ذئب فقط، بل يأكل هو نفسه الأغنام، ويملأ بطنه بها، ويتهم الذئب البرىء، ويجبر أهل القرية على أن يدفعوا ثرواتهم لحمايتهم من التهديد المزعوم، دون أن يفكروا للحظة أن الراعى الكذوب أخطر على حياتهم وثرواتهم ومستقبلهم من أى ذئب، ولو لم يكن بريئًا. وإذا أرادت البشرية نجاةً من مستقبل ترامب المظلم، فعليها تحمل ثمن قول الحقيقة، ونزع قناع الراعى، وكشف وجه الذئب الحقيقى الكذوب.