يشهد النظام الدولى الراهن حالة واضحة من السيولة وعدم الاستقرار، حتى باتت الحاجة إلى مراجعته وتقويمه موضع شبه إجماع دولى. غير أن هذا الإجماع لا يمتد إلى طبيعة الإصلاح المنشود، ولا إلى أولوياته أو آلياته. فالجميع يطالب بالتغيير، ولكن كلٌّ من موقعه، ووفقًا لمصالحه، وفى اتجاهات كثيرًا ما تكون متباينة، بل ومتعارضة أحيانًا. فالولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأكثر تأثيرًا فى النظام الدولى القائم، ترى أنها تتحمل العبء الأكبر سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وأن أى إصلاح جاد ينبغى أن يفضى إلى توزيع أكثر توازنًا للأعباء والمسئوليات بين القوى الدولية المختلفة. وفى المقابل، تنظر كل من روسيا والصين إلى النظام الراهن باعتباره أداة لفرض هيمنة غربية ذات طابع سياسى وأيديولوجى، تُدار من خلالها قواعد الشرعية الدولية بما يخدم مصالح الغرب ورؤاه. أما الدول النامية، أو ما بات يُعرف اصطلاحًا بدول الجنوب، فلها منظور مختلف وأكثر عمقًا. فهى ترى أن الدول الصناعية الكبرى استفادت لعقود طويلة من موارد العالم الطبيعية، وتوسعت فى أنماط إنتاج واستهلاك ألحقت أضرارًا بالغة بالبيئة والمناخ، ثم عادت اليوم لتفرض على الدول النامية قيودًا ومعايير جديدة قد تُقيد حقها المشروع فى التنمية. ومن ثم، تطالب هذه الدول، بحق، بأن تتحمل الدول المتقدمة نصيبها من المسئولية التاريخية، سواء من خلال دعم جهود التكيف البيئى، أو تمويل التحول التكنولوجى، أو تمكين الاقتصادات النامية من اللحاق بموجات التطور الحديثة بوسائل إنتاج أكثر كفاءة وأقل ضررًا بالبيئة. كما تطالب، فى الوقت ذاته، بإصلاح مؤسسات وآليات الحوكمة الدولية، بحيث تصبح أكثر تمثيلًا للواقع الدولى المعاصر، وأكثر عدالة فى صون مصالح الجميع. من هنا، يصبح المشهد الدولى معقدًا: هناك اتفاق على الحاجة إلى التغيير، لكن ليس هناك اتفاق على اتجاهه. وهذه الحقيقة تخلق فى آن واحد فرصًا مهمة، وتحديات جسيمة. لقد طالبتُ، كما طالب غيرى، مرارًا، بأن تبادر الدول الكبرى، التى تشكلت امتيازاتها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى تصحيح اختلالات النظام الدولى، انطلاقًا من حقيقة أن كثيرًا من ترتيباته لم يعد يعكس موازين القوة أو مقتضيات العدالة الدولية فى القرن الحادى والعشرين. ويظهر هذا الخلل بوضوح فى مجلس الأمن، حيث ما زال تمثيل بعض القوى الدائمة العضوية يستند إلى اعتبارات تاريخية تجاوزها الزمن، لا إلى أدوار فعلية معاصرة فى صون السلم والأمن الدوليين. كما أن أداء الدول دائمة العضوية، مجتمعة، لم يرتقِ فى كثير من الأحيان إلى مستوى المسئولية التى أناطها بها ميثاق الأممالمتحدة، وشاب مواقفها قدر كبير من الازدواجية فى تطبيق المعايير، والانتقائية فى تفسير المبادئ. ومن واقع تجربة دبلوماسية وسياسية امتدت لأكثر من أربعة عقود، أستطيع القول بثقة إن الإصلاح والتقويم لم يعودا مجرد مطلب مشروع، بل أصبحا ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الدولى. لكننى، فى الوقت ذاته، أرى بوضوح أن هذه الضرورة، رغم وجاهتها، لا تكفى وحدها لتحقيق التغيير. فقد مضت عقود طويلة، تكررت خلالها الدعوات، وتعددت المبادرات، وطُرحت أفكار جادة ومتوازنة، من دون أن يتحقق تقدم حقيقى يُعتد به. والسبب فى تقديرى واضح: الإصلاح الجوهرى لن يأتى تلقائيًا من الدول التى صاغت النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية، وما زالت تتمتع بامتيازاته الأساسية. فهذه القوى، بحكم المصالح، ليست فى عجلة من أمرها لإعادة توزيع النفوذ أو تعديل قواعد التمثيل. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقى يجب أن يكون على تحرك منظم وفاعل تقوده دول الجنوب، أى الدول النامية، ومعها القوى التى آمنت تاريخيًا بمبادئ عدم الانحياز والتعددية العادلة. غير أن هذا التحرك لا ينبغى أن يُبنى على الشعارات، بل على رؤية عملية قابلة للحشد الدولى. المطلوب ليس مجرد الاعتراض على النظام القائم، وإنما تقديم بدائل واقعية وذكية، يمكن الترويج لها سياسيًا وفكريًا، مع تنشيط دور مراكز الفكر والبحث والمجتمع المدنى فى بلورتها والدفاع عنها. وقد شاركتُ شخصيًا فى إحدى هذه الجهود، بالتعاون مع مركز كوينسى الأمريكى، المعنى بالدعوة إلى علاقات دولية أكثر رشادة وأقل صدامية، وهى مبادرة خلصت إلى مجموعة من التوصيات المهمة بشأن إصلاح مجلس الأمن والمنظمات الدولية، والحد من استخدام القوة خارج إطار ميثاق الأممالمتحدة، وإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الجماعى، فضلًا عن طرح مقاربات عملية للنزاعات المشتعلة، وفى مقدمتها النزاع العربى الإسرائيلى والحرب فى أوكرانيا. إذن، ليست المشكلة فى غياب الأفكار، بل فى كيفية تحويلها إلى زخم سياسى مؤثر. وهنا، من المفيد العودة إلى التاريخ. فالتعديلات الكبرى فى بنية النظام الدولى لم تحدث لمجرد اقتناع نظرى بضرورتها، وإنما عندما توافرت ظروف دولية مواتية سمحت ببلورة مصالح مشتركة حول هدف محدد. لقد أُنشئت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تأسست الأممالمتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كما أُبرمت لاحقًا اتفاقيات مهمة للحد من التسلح، وتنظيم الأسلحة الاستراتيجية، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، فضلًا عن معاهدات دولية مؤثرة فى الاقتصاد والقانون الدولى. والعامل المشترك فى كل هذه المحطات كان حسن التقاط اللحظة الدولية المناسبة، وتوفير حد أدنى من التوافق أو الزخم الذى يسمح بتحويل الفكرة إلى مسار تفاوضى ثم إلى واقع مؤسسى. واليوم، يبدو أننا نقترب مرة أخرى من لحظة تستوجب المراجعة. فالأممالمتحدة، التى أُنشئت لتجنب ويلات الحروب الكبرى، تجد نفسها أمام عالم يشهد تصاعدًا خطيرًا فى عدد النزاعات المسلحة وحدّتها، وتزايدًا فى اللجوء إلى القوة، وتراجعًا فى احترام قواعد الشرعية الدولية. وهذه التطورات لا تُضعف فقط فعالية المؤسسات الدولية، بل تُهدد كذلك ما تبقى من الثقة فى قدرتها على إدارة الأزمات ومنع الانفجار. من هذا المنطلق، أرى أن على دول الجنوب أن تتحرك الآن، لا لاحقًا، مستفيدة من دلالة سياسية ورمزية بالغة الأهمية: مرور ثمانين عامًا على إنشاء الأممالمتحدة، ومرور سبعين عامًا على مؤتمر باندونج، الذى مثّل الأساس الفكرى والسياسى لحركة عدم الانحياز، ورسّخ مبادئ ما زالت تحتفظ براهنيتها، وفى مقدمتها احترام السيادة، ورفض الهيمنة، والتعايش السلمي، والمساواة بين الدول. وأتصور أن هذا التحرك يمكن أن يبدأ عبر ثلاث خطوات مترابطة: أولًا: تشكيل مجموعة محركة محدودة وفاعلة. تبدأ المبادرة من خلال مجموعة صغيرة من الدول تمثل أقاليم مختلفة من الجنوب العالمى، وتتمتع بالمصداقية والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف. الغرض من هذه المجموعة ليس احتكار الفكرة، بل بلورة الإطار الأولى للتحرك، والاتفاق على أولوياته وآلياته، قبل توسيع دائرة المشاركة تدريجيًا. ثانيًا: تحديد الأهداف بوضوح ودقة. ينبغى أن يكون واضحًا منذ البداية أن الهدف ليس هدم النظام الدولى القائم، بل إصلاحه وتقويمه. فالأممالمتحدة، رغم كل ما يعتريها من قصور، يجب أن تظل الإطار الجامع لأى نظام دولى أكثر توازنًا. وفى هذا السياق، يمكن أن تشمل الأولويات ما يلى: • بناء نظام متعدد الأطراف أكثر عدالة وفعالية من حيث التمثيل والأداء. • تطوير عمل مجلس الأمن، ليس عبر إقصاء قوى قائمة، وإنما من خلال توسيع قاعدة التمثيل، خصوصًا للدول النامية، سواء عبر زيادة العضوية المنتخبة أو ابتكار صيغ جديدة لعضوية أطول أمدًا. • تجنب التوسع فى منح حق النقض لأعضاء دائمين جدد، مع السعى فى الوقت ذاته إلى الحد من استخدام الفيتو من جانب الأعضاء الدائمين الحاليين، سواء عبر وضع قيود إجرائية، أو حصر استخدامه فى موضوعات بعينها. • إعادة التأكيد على المبادئ الأساسية التى ينبغى أن تحكم النظام الدولى، وكثير منها يجد جذوره فى مبادئ باندونج العشرة: احترام سيادة الدول، عدم جواز استخدام القوة إلا وفقًا لميثاق الأممالمتحدة، رفض الاستيلاء على الأراضى بالقوة، صون حقوق الإنسان والمواطنة، والتعامل مع جميع الدول باعتبارها شركاء فى نظام دولى جامع، لا تابعين فيه ولا مهمّشين. ثالثًا: توسيع دائرة التشاور وبناء التأييد الدولى. لا يكفى أن تتوافق دول الجنوب فى ما بينها؛ بل يجب أن تنخرط فى مشاورات واسعة مع الدول المؤيدة للتعددية الدولية، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، بهدف بناء أكبر قدر ممكن من التفاهم حول المبادئ والأهداف، قبل نقل هذه الرؤية إلى المؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم مجلس الأمن، وسائر المنظمات الدولية المختصة. فالمطلوب فى النهاية ليس مجرد طرح ورقة إصلاح، بل فرض موضوع الإصلاح نفسه على جدول الأعمال الدولي، وخلق زخم سياسى إيجابى وضاغط يدفع مختلف الأطراف إلى مواقف أكثر اتساقًا مع ضرورات التغيير الرشيد. إن العالم لا يحتاج اليوم إلى هدم النظام الدولى بقدر ما يحتاج إلى إنقاذه من الجمود، ومن الانتقائية، ومن تآكل الثقة فى مؤسساته. وإذا كانت القوى الكبرى غير مستعدة للتخلى طوعًا عن امتيازاتها، فإن المسئولية التاريخية تنتقل، بحكم الضرورة، إلى دول الجنوب. لقد آن الأوان لكى تنتقل هذه الدول من موقع الشكوى إلى موقع المبادرة، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن التذكير بالمظالم التاريخية إلى المساهمة الفعلية فى صياغة توازن دولى جديد: أكثر عدالة، وأكثر تمثيلًا، وأكثر قدرة على صون السلم والأمن والمصالح المشتركة للجميع.