كان الغناء فى ذلك الزمن موقفاً ورسالة، وكان الفنان شريكاً فى صناعة الوعى، وارتبط اسم عبدالحليم حافظ بثورة يوليو، فصار صوته معبراً عن أحلامها، وجسراً بين القيادة والجماهير، يترجم طموحاتهم فى ألحان، تحفظها القلوب قبل الذاكرة. فى تلك المرحلة، لم يكن الفن منفصلاً عن الواقع، ولكن فى صميمه، وحين غنّى عبدالحليم للثورة، كان يوثق لحظة تحوّل تاريخية، ولعبت الأغنية الوطنية دوراً محورياً فى بث الحماسة، وتخفيف وطأة التحديات، والتفاف الناس حول فكرة واحدة، الوطن يستحق التضحية. العندليب كان جزءًا من لوحة فنية رائعة رسمها عمالقة كبار، أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب ومحمد قنديل، وأسماء كثيرة، صنعت أعمالهم ملامح هويتنا الفنية، ولم تكن مجرد أغانٍ، بل دستور للوجدان العربى لا يمحوه الزمن. واليوم، يصدمنا الواقع بسؤال صعب: لماذا انطفأ وهج الأغنية الوطنية؟ وكيف تحوّل الفن من محرك للمشاعر، ولسان حال القضايا الكبرى، إلى مجرد صدى باهت، يمر على الهامش دون أثر؟ هل نضبت العقول؟ أم انكسر وهج الوجدان؟ الحقيقة أن العلاقة بين «الفن والواقع» تغيرت كثيراً، استقال الفنان من مهمة «بناء الوعى»، ليصبح أسيراً لمتطلبات السوق وسرعة الاستهلاك، وتحول الإبداع من رسالة خالدة إلى وجبة سريعة، تلتهمها الخوارزميات، وتُنسى بعد ساعات. فى الماضى، كانت الأغانى الوطنية تبنى جسوراً بين الناس ووطنهم، وتزرع فيهم الانتماء، كانت تُعلم الأطفال معنى العلم ونشيد الصباح، وتُرسخ فى الكبار قيمة التضحية، لم تكن مجرد كلمات تقال، بل طاقة معنوية تحارب اليأس، وتضعف نزعات الفرقة والتطرف، وكلما ارتفع صوت الفن الصادق، تراجعت الأصوات التى تسعى إلى التشكيك والتفريق. وتجلى هذا الدور بوضوح فى الفعاليات الفنية الكبرى، مثل حفلات «أضواء المدينة»، وكانت منصات لإطلاق رسائل وطنية مؤثرة، ومثلما اعتاد محمد عبدالوهاب تقديم أعمال سنوية تحمل طابعاً ملحمياً، تتغنى بأمجاد الوطن الأكبر، وتجمع نخبة من الفنانين فى لوحة فنية تعكس روح التحرر والأمجاد. ورغم مرور الزمن، ما زالت تلك الأغانى تعيش بيننا، نستدعيها فى لحظات الحنين، وتذكرنا بأننا كنا نملك فناً قادراً على توحيد المشاعر، والحنين إلى تلك المرحلة ليس مجرد اشتياق للماضى، بل ذكريات جميلة إلى زمن كان فيه الإبداع صادقاً ومؤثراً. أما عن اللحظات الأخيرة فى حياة العندليب، فقد كانت نهاية هادئة، عاش حياته صاخباً بالإبداع، وفى لندن حيث سافر للعلاج، تدهورت حالته الصحية بسبب نزيف حاد، ويُروى أنه فى أيامه الأخيرة اتجه إلى السكون والتأمل، طالباً الاستماع إلى القرآن، حتى رحل فى 30 مارس 1977، تاركاً خلفه إرثاً فنياً لا يُقدر بثمن. الإبداع الحقيقى لا يموت، قد يغيب صاحبه لكن أثره يبقى، يتجدد مع كل جيل، ويذكرنا بأن الفن حين يكون صادقاً، يتحوّل إلى خلود.