د. آيتن المرجوشى فى لحظات التوتر الجيوسياسى، لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها الأسواق ورؤوس الأموال وسلاسل الإمداد العالمية، والحرب بين الولاياتالمتحدة وإيران تُعيد تذكير الاقتصادات الناشئة وفى مقدمتها مصر بحقيقة جوهرية، وهى أن درجة الانكشاف على الخارج لا تُقاس فقط بحجم التجارة، بل بطبيعة مصادر النقد الأجنبى نفسها. فعادةً ما تكون بعض الموارد المرتبطة بالتدفقات الخارجية مثل التحويلات والسياحة والاستثمارات غير المباشرة أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية، إذ تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستقرار الإقليمى وتدفقات الثقة العالمية. ومع كل موجة توتر، تتجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وترتفع أسعار الطاقة، وتتزايد الضغوط على ميزان المدفوعات وأسعار الصرف فى الاقتصادات الناشئة. وفى هذا السياق، شهد عام 2025، تطورًا لافتًا فى أحد أهم موارد النقد الأجنبى لمصر، حيث سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، مستوى قياسيًا بلغ 41.5 مليار دولار، بما يعادل نحو 10.5٪ من الناتج المحلى الإجمالى، والأكثر دلالة أن هذا الرقم بات يقترب من قيمة الصادرات غير البترولية التى بلغت نحو 48.5 مليار دولار، أى ما يمثل حوالى 12٪ من الناتج. هذه القفزة تعكس بوضوح الأثر المباشر لاستقرار سوق الصرف بعد تعويم الجنيه عام 2024، والذى أدى إلى القضاء على السوق الموازية وإعادة التدفقات الدولارية عبر القنوات الرسمية، كما عزز ذلك، قدرة الاقتصاد على إدارة السيولة الأجنبية، ورفع مستوى الاحتياطيات، وخَفَّف جزئيًا من الضغوط التمويلية قصيرة الأجل. لكن، ورغم أهمية هذا المورد، تظل التحويلات بطبيعتها تدفقات خارجية غير خاضعة لدورة الاقتصاد المحلى.. فهى ترتبط بأداء اقتصادات الدول المضيفة للعمالة، وأسعار النفط، والتحولات الجيوسياسية العالمية.. بمعنى آخر، هى مورد مهم لدعم الاستقرار الاقتصادى، لكنها تظل بطبيعتها تدفقات خارجية يصعب الاعتماد عليها وحدها فى بناء استراتيجية نمو طويلة الأجل. ومع تزايد الصدمات الخارجية، تتزايد أهمية تعزيز الموارد الإنتاجية المحلية وعلى رأسها الصادرات. فالصادرات تمثل جوهر ما يُعرف بالاقتصاد الحقيقى أى الاقتصاد القائم على الإنتاج والقيمة المضافة والتنافسية. وهى المورد الوحيد للنقد الأجنبى الذى يمكن تعزيزه من خلال سياسات داخلية واضحة: تطوير الصناعة، تحسين الإنتاجية، تعميق سلاسل القيمة، وتوسيع الأسواق. ولهذا، فإن استهداف الدولة رفع الصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030، لا يعكس مجرد هدف رقمى، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا فى هيكل الاقتصاد. فالانتقال نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنتاج والتصدير، يعنى تقليل درجة الهشاشة أمام الصدمات العالمية. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن تحقيق الطفرات التصديرية لا يتحقق فقط عبر وضع مستهدفات طموحة أو مؤشرات أداء كمية، والعامل الحاسم يكمن فى التنفيذ المؤسسى المستمر: بيئة أعمال مستقرة، سياسات صناعية مرنة، تمويل ميسّر للقطاع الإنتاجى، وقدرة على التكيّف مع التحولات فى الطلب العالمى. وفى عالم يتسم بتزايد التقلبات الجيوسياسية وارتفاع درجة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، تتزايد أهمية بناء اقتصاد قائم على الإنتاج والتصدير، بما يعزز القدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية ويدعم مسارات النمو المستدام. تملك الاقتصادات التى ترتكز على قاعدة إنتاجية وتصديرية قوية، قدرة أكبر على امتصاص تلك الصدمات والاستمرار فى تحقيق النمو. ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذى تفرضه صدمات الإقليم اليوم، ليس فقط إدارة الأزمات قصيرة الأجل، بل إعادة تأكيد حقيقة استراتيجية: أن تعزيز القاعدة الإنتاجية والتصديرية، الضمانة الأكثر استدامة لاستقرار الاقتصاد المصرى، والملاذ الآمن فى عالم يزداد اضطرابًا.