◄ أطلق خلال خطابه بمنصة «رابعة» الضوء الأخضر لقواعد الجماعة لبدء العنف ضد الدولة ◄ السجن مع سيد قطب حوّله من طبيب بيطري مهتم بالدعوة إلى رجل تنظيم حديدي بعد عام 2013 شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى أدت إلى ظهور ما عُرف ب" تيارالعمل النوعي" أو" اللجان النوعية"، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر.. ومن أبرز القيادات الإخوانية التى تبنت استراتيجيات العنف والتنظيم السرى محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازى، حيث قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة. محمد بديع الوريث الشرعى لصلابة وتشدد سيد قطب المنظّر الفكرى للجماعة وصاحب نظريات العنف، ففترة السجن التى قضاها مع قطب حوّلت بديع من طبيب بيطرى مهتم بالدعوة إلى رجل تنظيم حديدى، يؤمن بأن الصدام مع الدولة حتمية تاريخية، وأن الديمقراطية والسياسة مجرد أدوات، بينما الأصل هو التمكين وفرض الحاكمية. ويعد بديع المسئول الأول عن توجيهات الجماعة التى أدت إلى أعمال العنف عقب عزل محمد مرسى، حيث يمثل بديع نقطة تحول رئيسية فى مسار التنظيم الإرهابى، خاصة فيما يتعلق بالانتقال من العمل الدعوى والسياسى إلى المواجهة الصدامية بعد عام 2013. لعب محمد بديع دوراً محورياً بصفته الرأس الهيكلى والشرعى للتنظيم، ففى خطابه الشهير من فوق منصة اعتصام رابعة العدوية أطلق فيه جملته المعروفة"أرواحنا تفدى مرسى"، وهذه العبارة كانت بمثابة ضوء أخضر لقواعد الجماعة لبدء مواجهة عنف وإرهاب مفتوحة مع مؤسسات الدولة. ولد محمد بديع عبدالمجيد سامى فى7 أغسطس 1943 بمدينة المحلة الكبرى، بالغربية، وهو أستاذ علم الأمراض بكلية الطب البيطرى بجامعة بنى سويف سابقًا، وتولى منصب المرشد العام الثامن لجماعة الإخوان المسلمين من 2010 حتى القبض عليه فى 2013. وُلد محمد بديع فى بيئة متدينة تقليدية فى دلتا مصر، وتلقّى تعليمه بالمدارس الحكومية، حتى التحق بكلية الطب البيطرى بجامعة القاهرة فرع بنى سويف، وبدأت علاقته المباشرة بجماعة الإخوان المسلمين فى أواخر الخمسينيات، تأثر فى شبابه بخطابات سيد قطب، واعتبره لاحقًا مصدر إلهام روحى وفكرى. انضم بديع لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية فى فترة مضطربة، خاصة بعد محاولات الجماعة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر. كان بديع أحد المشاركين فيما عُرف إعلاميًا بتنظيم 65، وهو تنظيم سرى أعاد سيد قطب بناءه داخل الجماعة، بهدف إعادة إحياء النشاط الجهادى المسلح فى مواجهة الدولة، وتم القبض على بديع وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا، قضى منها 9 سنوات، قبل الإفراج عنه فى عهد الرئيس أنور السادات عام 1974. خلال فترة السجن توطدت علاقة بديع بالأفكار القطبية الإرهابية التى تكفر المجتمعات، وتعتبرها مجتمعات الجاهلية، والدعوة للصدام مع الأنظمة. بعد خروجه من السجن عاد إلى العمل الأكاديمى الجامعى، واستأنف نشاطه داخل الإخوان، ليتولى مسئوليات متقدمة، من بينها عضوية مكتب الإرشاد، وأمانة قسم التربية، وهو القسم الذى يتولى غرس الأيديولوجيا الإخوانية فى الأجيال الجديدة، وكان لقربه من محمود عزت الرجل الحديدى للتنظيم دور كبير فى صعوده داخل الهيكل التنظيمى للجماعة. وفى يناير 2010 وبعد وفاة المرشد مهدى عاكف تم انتخاب محمد بديع مرشدًا عامًا، بدعم من جناح الصقور داخل الجماعة، ورغم مظهره المحافظ لعب دورًا محوريًا فى توجيه الجماعة نحو دخول المعترك السياسى عقب ثورة 25 يناير 2011، حيث حرص على الظهور بموقف المراقب الحذر، قبل أن تنخرط الجماعة تدريجيًا فى الميدان، وبعد سقوط نظام الرئيس حسنى مبارك كان بديع من أبرز الداعمين لتشكيل حزب الحرية والعدالة" الذراع السياسية للجماعة"، كما دعم خوض الجماعة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، والتى أوصلت محمد مرسى إلى سدة الحكم. ورغم الخطاب العلنى التوافقى للجماعة كانت توجيهات بديع فى الكواليس تؤكد على ضرورة التمكين، وتحقيق السيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما أثار خصومة مبكرة بين الجماعة ومكونات أخرى من الثورة. نقطة التحول الكبرى فى حياة محمد بديع− كما قلنا− كانت داخل السجن حيث لم يكن مجرد سجين سياسى، بل كان تلميذاً مباشراً ضمن الدائرة الضيقة لسيد قطب خلال قضية تنظيم 1965، وتأثره بقطب وأفكاره المتطرفة لم يكن عابراً، بل شكل العقيدة التنظيمية التى أدار بها الجماعة عقب توليه منصب المرشد العام. بديع يُصَّنف كأحد أبرز أقطاب مدرسة السجون، ففى عام 1965 كان شاباً فى مقتبل العشرينيات، واختاره سيد قطب ليكون ضمن المجموعة الصلبة التى ستتولى إحياء التنظيم، حيث كان مسجونا مع قطب فى نفس القضية، واستمع لشروحات سيد قطب المباشرة لكتاب"معالم فى الطريق"، وتفسير" فى ظلال القرآن". وتشرب بديع من قطب فكرة أن المحنة"السجن والتعذيب" قدر الصفوة المؤمنة، وأنها دليل على صحة المسار، مما خلق لديه صلابة أيديولوجية ترفض المراجعات أو التنازلات السياسية، فقد تأثر بديع بأخطر ثلاث ركائز فى فكر سيد قطب، وطبقها فعلياً عند توليه منصب المرشد، وهى الحاكمية وجاهلية المجتمع، حيث آمن بديع برؤية قطب التى تقسم العالم إلى فسطاطين" معسكرين"وهما الإيمان والكفر، وأن الأنظمة التى لا تحكم بالشريعة أنظمة جاهلية، وهذا الفكر زين للجماعة لاحقاً فكرة الصدام مع مؤسسات الدولة" الجيش والقضاء والشرطة" باعتبارها أدوات لهذه الجاهلية. كما تأثر بضرورة أن ينفصل الصف الإخوانى وجدانياً وفكرياً عن المجتمع المحيط به ليحافظ على نقائه، وظهر ذلك جليا خلال فترة توليه منصب المرشد العام، فقد انغلقت الجماعة على نفسها وزادت جرعة السمع والطاعة. بديع يؤمن بأن الإخوان هم الطليعة المنوط بها تغيير الواقع بالقوة إذا لزم الأمر، وهو ما يفسر تمسكه بشرعية محمد مرسى حتى اللحظة الأخيرة مهما كان الثمن البشرى، رغم خروج عشرات الملايين من المصريين فى مظاهرات حاشدة عام 2013 مطالبين بعزله، وإنهاء الحكم الفاشى لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. فبينما كان المرشدون السابقون مثل عمر التلمسانى وحسن الهضيبى يحاولون تهدئة الجانب الصدامى مع الدولة قام بديع بالتحالف مع محمود عزت زميله فى الجناح القطبى لتمكين التيار القطبى الذى ينتميان إليه من مفاصل تنظيم الجماعة الإرهابية، فى محاولة منهما لإعادة إحياء التنظيم الخاص بروح قطبية. كما نقل بديع عن سيد قطب فكرة أن التربية الجهادية تسبق العمل السياسىى، ولذلك ركز فى عهده على تصعيد الكوادر التى تؤمن بالفكر القطبى الصرف، واستبعاد الكوادر الإصلاحية. وكان بديع صاحب الدور الأكبر فى شرعنة العنف، ففى عام 2013 استدعى بديع أدبيات سيد قطب حول المفاصلة مع السلطة، وهو ما تجلى فى خطاباته التى لم تكن سياسية بقدر ما كانت تجييشاً عقائدياً مستمداً من روح تنظيم 1965. ويرى المحللون أن محمد بديع فى اعتصام رابعة العدوية أعاد إنتاج مشهد 1965، حيث اعتبر الصدام مع الدولة معركة وجودية تشبه تلك التى خاضها أستاذه سيد قطب، فلم يتعامل كسياسى يبحث عن حلول وسط، بل كصاحب عقيدة يرى فى السجن والقتل شهادة وفوزاً كبيراً، وهو نفس ما غرسه قطب فى روعه داخل السجن. القضاء أدان محمد بديع بتهمة تأسيس وإدارة غرفة عمليات رابعة، والتى كانت تدير تحركات الجماعة بهدف مواجهة الدولة، وإشاعة الفوضى، واستهداف المنشآت العامة والشرطية عقب فض الاعتصام. كما وُجهت له تهم مباشرة بالتحريض على قتل المتظاهرين أمام المقر العام للجماعة فى المقطم فيما عرف بقضية أحداث مكتب الإرشاد، وهى القضية التى نال فيها أحكاماً بالسجن المؤبد. وأُدين أيضًا بالتحريض على أحداث العنف التى وقعت بمدينة قليوب وقطع الطريق الزراعي، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.