انهيار الائتمان التجاري يكشف عمق الهشاشة الاقتصادية في وقت تحاول فيه سلطات الانقلاب فى مصر احتواء اضطرابات سوق الصرف، تكشف التطورات الميدانية في الأسواق المصرية عن أزمة أعمق من مجرد تداعيات حرب إقليمية، إذ تبدو الحرب في الخليج وكأنها وفرت للنظام شماعة جديدة لتبرير تراجع الجنيه، رغم أن جذور الأزمة تعود إلى اختلالات هيكلية مزمنة لم تُعالج.
وخلال أسابيع من اندلاع الحرب بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل وإيران، فقد الجنيه المصري ما بين 14% و15% من قيمته أمام الدولار، في تراجع يعكس هشاشة الاقتصاد واعتماده الكبير على العوامل الخارجية، أكثر من كونه نتيجة مباشرة للصراع الجاري.
لكن التأثير الأبرز لم يظهر فقط في سعر الصرف، بل في تفكك آليات السوق نفسها. فقد بدأت منظومة الائتمان التجاري، التي تشكل أساس حركة التجارة الداخلية، في الانهيار التدريجي، مع اتجاه الموردين إلى إلغاء البيع الآجل والمطالبة بالسداد النقدي الفوري، تحسباً لمزيد من تقلبات العملة.
ويقول تجار إن العلاقة التقليدية القائمة على الثقة بين الموردين والموزعين تآكلت سريعاً، لتحل محلها سوق مضطربة تُسعّر السلع وفق تغيرات الدولار على مدار الساعة، ما أفقد الأسواق أي استقرار في التعاقدات أو الأسعار.
السوق تتحول إلى تسعير لحظي تحت ضغط الدولار
التحولات الأخيرة دفعت الأسواق إلى نمط تسعير لحظي غير مسبوق، حيث لم يعد تثبيت الأسعار ممكناً حتى لساعات قليلة. وفي بعض الحالات، تراجع الموردون عن تسليم سلع تم الاتفاق عليها مسبقاً، مطالبين بزيادات فورية بعد تغير سعر الصرف، في مؤشر واضح على فقدان الثقة في استقرار السوق.
هذه الفوضى انعكست مباشرة على المستهلكين، الذين وجدوا أنفسهم أمام موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار، حتى في السلع التي يُفترض أن تستفيد من تراجع الأسعار العالمية، مثل الذهب، الذي سجل انخفاضاً عالمياً، لكنه واصل الارتفاع محلياً بفعل الضغوط على العملة.
كما لجأت بعض سلاسل البيع الكبرى إلى وقف عمليات البيع مؤقتاً لإعادة تسعير المنتجات، بعد زيادات تجاوزت 15%، مع استمرار صعود الدولار إلى مستويات قياسية في البنوك والسوق الآجلة.
الحرب غطاء لأزمة أعمق في بنية الاقتصاد
ورغم ربط هذه التطورات بالحرب، يرى اقتصاديون أن ما يحدث يعكس أزمة أعمق في بنية الاقتصاد المصري، تتمثل في الاعتماد المفرط على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وتآكل مصادر العملة الأجنبية.
ومع تصاعد المخاطر، اتجه التجار إلى تقليص نشاطهم والحد من المخاطر، ما أدى إلى تباطؤ دورة رأس المال وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يدفع الأسواق تدريجياً نحو حالة من الركود.
في المقابل، تبدو قدرة الحكومة على احتواء الأزمة محدودة، خاصة مع استمرار الضغوط الخارجية، ما يعزز المخاوف من تكرار سيناريوهات سابقة، حيث تُستخدم الصدمات الخارجية كغطاء لأزمات داخلية لم يتم حلها، بينما يتحمل المستهلك في النهاية الكلفة الأكبر.