فى ظل اشتعال الحرب بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل ضد إيران لا يزال الاقتصاد العالمى يترنح تحت ضغوط جيوسياسية تتجاوز الحدود العسكرية لتطال الأسواق، وتعيد رسم توقعات النمو، وتثير تساؤلات جوهرية عن مستقبل الاقتصاد المصرى فى خضم حالة عدم الاستقرار الإقليمى، فبعد أن تحوّل التصعيد العسكرى مؤخرًا إلى مواجهة مفتوحة، باتت التبعات الاقتصادية محور تحليل وانتقاد من قبل خبراء اقتصاديين وسياسيين، والذين يُشددون على أن أثر الحرب لن يقتصر على ممرات النفط وحدها، بل سيتغلغل فى مفاصل الاقتصاد العالمى وبالتبعية المحلى. أولى التبعات الاقتصادية التى أثارت قلق الخبراء فى مصر والمنطقة تتعلق بأسواق النفط والطاقة، وحركة الأسعار التى أثارت مخاوف المُستثمرين، فالتصعيد العسكرى فى منطقة الخليج الممتدة بين الخليج العربى ومضيق هرمز -الممر الذى يمر عبره نحو 20% من نفط العالم يوميًا- أدى لارتفاع أسعار النفط العالمية، وارتداد ذلك على توقعات التضخم، وتُشير تقارير إلى أن الأسواق تشهد ارتفاعًا حادًا فى أسعار النفط الخام، وأن سيناريو عدم استقرار الممرات الملاحية قد يدفع الأسعار لمستويات لم تشهدها الأسواق منذ العام الماضى، فى ظل مخاوف من انقطاع الإمدادات، وكما يرى الخبير الاقتصادى الدكتور فخرى الفقى رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق بمجلس النواب فإن اندلاع الحرب يدفع أسعار البترول عالميًا للارتفاع، ومصر تُعد دولة مستوردة للمنتجات البترولية، ما يؤثر على سعر البرميل بالموازنة العامة والدعم، وكذا تأثر سلاسل الإمداد والتوريد ونولون النقل واللوجيستيات، مُحذرًا من مُعاودة مُعدل التضخم للارتفاع عالميًا ومحليًا، وارتفاع أسعار السلع وتكلفة الواردات للمُنتجات البترولية وغير البترولية، وكذا زيادة تكلفة الإنتاج مدفوعة بتغير تكاليف مُستلزمات الإنتاج التى يتم استيرادها فى الغالب، وزيادة سعر الدولار، بسبب اختلالات سوق الصرف، مُضيفًا أن اندلاع الحرب بالمنطقة يرفع المخاطر والقدرة على الاقتراض الخارجى، وإصدار سندات دولية جديدة، بسبب حالة عدم اليقين، وتغير أسعار الفائدة، كما يؤثر على مؤشرات الاقتصاد المصرى، وأبرزها معدل النمو والاستثمار والفائدة والتضخم، وتأثر عجز ميزان المدفوعات. وأضاف أن انهيار الإمدادات أو ارتفاع التأمين على ناقلات النفط بسبب الحرب قد يُزيد من تكلفة شحن النفط، مما يرفع الأسعار العالمية ويخلق ضغوطًا تضخمية على السلع الأساسية، وهو ما يتطلب إجراءات احترازية من البنوك المركزية فى الدول المُستوردة، منوهًا بأن التقييمات الأولية تُشير إلى أن السيناريو الأكثر احتمالًا حاليًا يتمثل فى اضطراب محدود قابل للاحتواء، ما لم تتطور الأحداث لمسار مُمتد يؤثر بصورة مُستدامة على أسعار الطاقة، مُختتمًا بأن المرحلة المُقبلة تتطلب سياسات استباقية قوية، تشمل إدارة السيولة الدولارية، وضبط الأسواق، وتعزيز المخزون الاستراتيجى للسلع الأساسية، لضمان الحفاظ على الاستقرار المالى والاقتصادى فى ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب، مع التركيز على المرونة فى السياسات النقدية والمالية لمواجهة أى صدمات مُحتملة. اختبار مُعقد الحرب تضع اقتصادات المنطقة أمام اختبار مُعقد، لكن الاقتصاد المصرى يمتلك ذاكرة مؤسسية فى إدارة الأزمات الخارجية، وبالتالى فإن التأثير قد يكون محدودًا فى حال استمرار السيناريو الحالى من التصعيد، كما يُشير الدكتور محمد عبد الهادى الخبير الاقتصادى، وقال إن مدى الحرب وحده هو العامل الحاسم فى مسار التأثير الاقتصادى، فإذا طال أمد الصراع أو اتسعت رقعته، فإن ذلك قد يُغير موازين التدفقات التجارية، ويضغط على مؤشرات الاستثمار الأجنبى وتوقعات النمو، مُضيفًا أن الاقتصاد المصري، رغم مرونته، لا يمكن أن يكون بمعزل عن أى اضطراب واسع فى الأسواق العالمية، سواء كان ذلك فى سعر النفط أو سعر العملات الأجنبية أو تدفقات رؤوس الأموال، نظرًا لأن مصر جزء من الاقتصاد الدولى وتتأثر بحركته وتأثيراته، لافتًا إلى أن موقع مصر الجغرافى الاستراتيجى يجعلها فى قلب الأحداث، خاصة فيما يتعلق بإيرادات قناة السويس، التى تُعد أحد المصادر الحيوية للموارد التجارية والنقدية، وأى اضطراب فى حركة الملاحة نتيجة انخفاض سلاسل الإنتاج والتوريد سيؤدى لتراجع الإيرادات الدولارية، بما يضع مزيدًا من الضغوط على الموازنة العامة. وأكد عبد الهادى أن الاستثمارات الأجنبية ستتأثر أيضًا، حيث قد تتراجع التدفقات إلى البورصة والأسواق المصرية نتيجة التوترات الجيوسياسية، مُشيرًا إلى احتمالات تدخل دول كبرى مثل الصين وروسيا فى الأزمة، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادى ويضاعف التقلبات فى الأسواق العالمية والإقليمية، مُشددًا على أن المرحلة المُقبلة تتطلب مراقبة دقيقة للتطورات الإقليمية والدولية، واتخاذ سياسات استباقية لضمان استقرار الاقتصاد المصرى، مع التركيز على المرونة فى إدارة الموارد النقدية والاحتياطات الاستراتيجية للتعامل مع أى صدمات مُحتملة. وعن تأثير الحرب على أداء البورصة المصرية، قال إنها اكتست مُباشرة باللون الأحمر لمعظم المؤشرات، خصوصًا المؤشر السبعينى، والذى اقترب من 12150 نقطة، وكذلك المؤشر الثلاثينى، الذى سجل أقل انخفاض 48.200، وخسرت البورصة 59 مليار جنيه، مُختتمة جلسات الأسبوع ب3.247 تريليون جنيه، أما في سوق الذهب فأشار إلى أن أسعار الذهب عالميًا ومحليًا اشتعلت جراء الحرب في ظل اتجاه المستثمرين إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات التوترات الجيوسياسية وتصاعد المخاطر الإقليمية، موضحًا أن المعدن الأصفر يظل تاريخيًا المستفيد الأول من الأزمات الجيوسياسية، باعتباره الملاذ الآمن الأكثر حضورًا في أوقات عدم اليقين، واندلاع الحروب يدفع المستثمرين إلى إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية، عبر تقليص الانكشاف على الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم، والتوجه نحو الذهب وأدوات التحوط، وهو ما يرفع الطلب بصورة فورية سواء في الأسواق الفعلية أو من خلال العقود الآجلة وصناديق الاستثمار المدعومة بالذهب، وشدد على أن استمرار ارتفاع الذهب من عدمه يرتبط بمدة الصراع وحدته. يُعد موقع مصر الجغرافى واستخدام قناة السويس كممر رئيس لتجارة الطاقة والبضائع عالميًا من أهم نقاط قوة الاقتصاد المصرى، ومع تصاعد القلق حول حركة السفن فى مضائق البحر الأحمر ومضيق هرمز، برزت تساؤلات حول تأثير الحرب على حركة التجارة البحرية عبر القناة، وهُنا يُشير الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع إلى أن الخطوط التجارية والممرات الملاحية الدولية تتأثر بشكل مُباشر بأى اضطراب فى المضائق الكُبرى، ما يفرض تحديات وفرصًا أمام قناة السويس، موضحًا أن التوترات الحالية قد تدفع بعض شركات الشحن الدولية لإعادة النظر فى مساراتها، وهو ما يُمكن أن يؤدى لزيادة مؤقتة فى الحركة عبر القناة إذا ما اختارت الشركات تجنب الممرات المُتأزمة بشرق البحر المتوسط، مما يوفر فرصة مؤقتة لزيادة إيرادات النقل البحرى المصرى، مُحذرًا من أن تكاليف التأمين الإضافية وزيادة أسعار الوقود قد تُقلل من الفائدة الاقتصادية لهذه الحركة المُتزايدة، خاصة إذا ارتفعت تكاليف شحن البضائع لمستويات تجعلها أقل تنافسية مقارنة بالمسارات البديلة. سلاسل الإمداد وأضاف جاب الله أن مُجرد اندلاع العمليات يُرتب حالة اضطراب لسلاسل الإمداد، واشتعال الأسواق العالمية، بما فى ذلك أسواق المال، والطاقة، والذهب والنقل، والغذاء ولكن يمكن تدارك ذلك إذا اقتصر زمن العمليات على عدة أيام، ولكن كلما توسع نطاق العمليات جغرافيًا وزمنيًا فإن آثارها السلبية ستمتد لكافة القطاعات الاقتصادية بما فى ذلك تأثيرها فى اشتعال التضخم، وتراجع الاستثمار المباشر واتجاه رؤوس الأموال نحو الملاذات الأكثر أمنا كالاستحواذ على المعادن النادرة، مما يعصف بنمو الاقتصاد العالمى ويحد من مظاهر تعافيه المأمولة، وكلما استمرت العمليات ستكون آثارها السلبية أكثر نطاقًا وجسامة على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمى بالكامل. وفى الأسواق المالية يترقب المستثمرون والمحللون الاقتصاديون فى مصر ما ستؤول إليه الأسواق فى ظل حالة عدم اليقين، ويرى الخبير المصرفى محمد عبد العال أن حركة البنوك والبورصة ستعكس ردود فعل المُستثمرين إزاء حجم المخاطر المُتوقعة، فإذا ما اشتدّ الصراع فإن تدفقات الأموال الساخنة قد تتراجع مؤقتًا، فى حين تتجه السيولة نحو الملاذات الآمنة، ما يضغط على أسواق الأسهم المحلية، مُضيفًا أن سوق العُملة، لاسيما سعر صرف الدولار مُقابل الجنيه، قد يشهد ارتفاعًا نظرًا لتزايد الطلب على العملات الأجنبية فى ظل ارتفاع تكلفة الواردات، وهو ما يستدعى حرصًا إضافيًا من البنك المركزى فى إدارة السيولة والسياسات النقدية. أسعار السلع على مستوى السلع الأساسية، يُحذر د. عبدالمنعم السيد الخبير الاقتصادى مُدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية من أن أى ارتفاع كبير فى أسعار الطاقة سيترجم تلقائيًا لزيادة فى تكلفة الزراعة والصناعات الغذائية، حيث يرتبط الإنتاج الزراعى بشكل وثيق بأسعار الوقود والأسمدة، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع تكلفة الأسمدة والطاقة الزراعية إلى الأعلى، ما ينعكس فى نهاية المطاف على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، وهو ما قد يشكل عبئًا إضافيًا على المواطن، وقال إن حالة عدم الاستقرار الجيوسياسى تميل دائمًا لتقليل جاذبية الأسواق الناشئة للاستثمارات الأجنبية المُباشرة، وهو ما يعد تهديدًا محتملًا لمساعى مصر فى جذب رؤوس الأموال الأجنبية، ولفت إلى أن الاستجابة الحكومية ستكون العامل الحاسم فى امتصاص الصدمة، مُشددًا على أن الحكومة المصرية إلى تراقب الأسواق اليومية، وتضع فى اعتبارها خطط طوارئ لضبط الأسعار، ودعم القطاعات الأكثر تأثرًا، وتشمل الاستجابة المُحتملة أيضًا تسريع المشاريع الإنتاجية المحلية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتنشيط الإنتاج الصناعى لخفض الاعتماد على الواردات، ودعم سلع الطاقة البديلة، إلى جانب تفعيل شبكات الأمان الاجتماعى لحماية الفئات الهشة من تداعيات ارتفاع الأسعار. اقرأ أيضا: توقعات بوصول البرميل ل 100 دولار.. حرب إيران ترفع النفط إلى أعلى مستوياته منذ عام