من الموروثات الثقافية التى تتناقل من جيل إلى جيل فى العالم مفهوم الحسد وأثره السلبى على من يقع عليه، بل إنه ربما المعتقد الأكثر انتشارا فى الثقافات المختلفة. بل إن الكثيرين الذين يدّعون عدم إيمانهم بالحسد، يرون فى كثير من الأحيان أن بعض الأحداث لا يمكن تفسيرها لا علميا ولا واقعيا إلا على أنها حسد. والكثير يفسرون اعتقادهم فى الحسد بأنه مذكور فى الأديان وبالتالى فله شرعية ولا يمكن نفى وجوده أو تأثيره. حقا، قد يكون مفهوم الحسد من أقدم المفاهيم التراثية التى اعتنقتها الشعوب، ففى الأديان السماوية كما هو الحال فى الأديان الوضعية، نجد أن للحسد (والسحر كذلك) وضعا ما. وتتفق كل هذه الأديان مع فكرة أن الحسد يأتى من مكان ما ويكون مسئولًا عن وقع الضرر على الأشخاص الذين يصابون به. فالقرآن يذكر الحسد بشكل صريح أو مجازى فى خمس سور هى البقرة والنساء ويوسف والحشر والفلق، كما ذكر الكتاب المقدس كلمة الحسد ومشتقاتها ثلاثين مرة ويعتبرها المسيحيون خطية، كما ذكر الحسد عدة مرات فى التوراة وجاءت الوصية العاشرة تنهى المؤمنين أن يشتهوا ما لغيرهم. وتتشابه الأديان الثلاثة فى التعامل مع آثار الحسد بالصلاة باستخدام عبارات دينية لتقليص آثاره، فالحسد قد يقع بسبب الطمع واشتهاء ما لدى الآخر ولذلك وجب الرجوع إلى الله كحامى للفرد من شروره. وفى الأديان الوضعية، يشكل مفهوم الحسد إما معنى حرفى أو رمزى ويلجأ الناس إلى ردئه بتمائم مختلفة. • • • وإذا تفحصنا موقف من يؤمنون بالحسد و«العين»، نجد أنهم يشخصنون الحسد بأنه يأتى من خلال نظرة الحاسدين؛ تلك النظرة التى تشتهى ما هو ليس لهم وبالتالى يقع الضرر على المحسود. بل إن الكثيرين يتجنبون التواجد فى أماكن تضم هؤلاء الحاسدين بعدا عن تأثير العين عليهم. والحسد، حتى وإن كان مذكورًا فى الكتب السماوية، يعطى انطباعًا أحيانًا بأن من يعتقد فيه يبعد كثيرًا عن التفكير العلمى وبأنه «موسوس» أو أنه يؤمن بالخرافات، بل إن البعض يرى أن من صفات المجتمعات الشرقية والعربية هذا النوع من الإيمان بالغيبيات على حساب التفكير المنطقى العلمى، وكثيرًا ما يعتبره الغربيون دلالة على التخلف. من ناحية أخرى، نجد أن هناك عبارات متداولة فى المجتمعات الغربية تقترب فى دلالتها من فكرة الحسد والعين. من أكثر هذه التعبيرات تداولا عبارة: «الطاقة السلبية». هذا المفهوم الحديث نسبيًا يزيل اللغة الأخلاقية والدينية ويستبدلها بصورة شبه علمية. انتشر مفهوم «الطاقة السلبية» لتجنب الالتزام الدينى وتجنب لوم الآخرين فالوظيفة اللغوية لمصطلح «الطاقة السلبية» غرضها تلطيف التأثير اللغوى وتبرير المصائب وإزالة الشخصنة فلا يوجد فاعل محدد. فكما تكون العين والحسد مساوية للتفسير الأخلاقى القائم على الفاعل فى المجتمعات التى تؤمن بالحسد، تفسر المجتمعات الغربية الطاقة السلبية بأنها بلا فاعل وبلا وجود لأخلاق معينة تحكم الموقف. «الطاقة السلبية» تعبير حديث يوازى أفكارًا دينية/ ثقافية قديمة تفسر الضرر غير المرئى. نجد العديد من المثقفين يستخدمون كلمة «الطاقة» لأنها تحافظ على صورة عقلانية وتتجنب الالتزام الدينى وتبدو علمية. وكأن لغة الطاقة هى الإيمان عندما يتحدث بلسان الحداثة. وهنا يُطرح السؤال: هل للطاقة السلبية أساس علمى؟ الإجابة: لا، لا يوجد دليل علمى على وجود «طاقة سلبية» كقوة خارجية، ففى الفيزياء الطاقة كمية محددة قابلة للقياس ولا يوجد دليل علمى على أن «الطاقة السلبية» قوة خارجية تسبب الضرر. إذن، «الطاقة السلبية» استعارة لغوية لوصف تجارب نفسية واجتماعية، وليست ظاهرة قابلة للقياس علميًا. والحسد والطاقة السلبية فى رأيى مفهومان متقاربان فى الصفات وفى موقف الأشخاص منهما إلى حد بعيد. • • • الشىء اللافت للنظر هنا هو تشابه الثقافات المختلفة فى بعض المعتقدات والممارسات، وكأن هذه الثقافات المتباينة تسلم بأن الإنسان فى نهاية المطاف يمثل مجموعة من المشاعر والأحاسيس التى لا تعترف بالاختلافات العرقية، أو الدينية، أو مستوى التقدم، أو الاتجاهات الأيديولوجية. فكما نرى الاتفاق على الاحتياجات الغريزية الأساسية للوجود، نرى اتفاقا على الخوف من المجهول والرغبة فى حماية كل ما هو غال وعزيز. وإذا كنا كبشر نختلف فى مدى تمسكنا بديننا أو قوة ممارستنا لعاداتنا وتقاليدنا وبالطبع ننتهج أساليب مختلفة فى التعامل مع المجتمعات الأخرى ونهتم بطرق مختلفة فى الطريقة التى نصدّرها عن أنفسنا للآخرين، فإننا نرى هذا التباين فى التعبير عن معتقداتنا. فعلى سبيل المثال، نرى الطفل الهندى وقد حصنه أهله بالنقطة السوداء فى جبهته فى حين يضع العربى الخرزة الزرقاء أو «المشاء الله» أو الصليب، وفى ثقافات أخرى يلجأون إلى التمائم أو الخيوط الحمراء. ولكن فى النهاية، فكل تلك الثقافات تعبر عن الخوف من المجهول ومن وجود قوة ما يمكن أن تصيب الشخص الغالى أو الشىء العزيز إلى قلوبنا. • • • ومن المثير للاهتمام، أن الثقافة الغربية اهتمت حديثا بما أسمته «الكلام الصائب سياسيا: Politically Correct Speech». هذا التعبير انتشر منذ الثمانينيات فى محاولة لتجنب استخدام تعبيرات أكثر مباشرة والتى قد تثير الشعور بالتحيز ضد بعض الناس المستضعفين أو الأقلية أو تعطى انطباعًا منحازًا تجاه بعض الأشياء أو المفاهيم ذات الوضع الثقافى الحساس. ومن هنا بدأ الإشارة مثلا إلى «السود» فى أمريكا بعبارة «الأفارقة الأمريكيين»، وإلى المعاقين بتعبير «ذوى الهمم».. إلى آخره. فهل يمكن أن نعتبر أن عبارة «الطاقة السلبية» تعبير لائق ثقافيًا (صائب سياسيًا) للتعبير عن مفهوم الحسد التقليدى والذى يمكن أن ينظر إلى مستخدمه وكأنه يمثل أفكارًا رجعية أو مجتمعًا متخلفًا؟ فى الحقيقة، أجد أن هناك العديد من الممارسات الثقافية التى تشترك فى جوهرها، ولكنها تختلف فى طريقة التعبير عنها. وبشكل ما، أجد أن أسلوب التعبير يؤثر كثيرًا على من حولنا، بل يصفنا (أو يوصمنا) بخصال قد تكون مجحفة فى بعض الأحيان. وكما أن معرفة لغة الآخر تقربنا من فهمه والتعرف على ثقافته، فالقدرة على فهم الثقافات قد تكون مفتاحًا للتقارب الفكرى وإدراك أننا فى حقيقة الأمر نشترك معًا فى أمور أكثر بكثير مما نظن.