لم تكن عاصفة جوية استثنائية، ولا إعصارًا مدمرًا، بل مجرد منخفض جوى ، وموجة طقس سيئ ،كفيلة بأن تفضح واحدة من أكبر روايات "الإنجاز" التي روّج لها نظام المنقلب السيسى طوال سنواته العجاف منذ انقلابه على أول رئيس مدني منتخب الشهيد محمد مرسى: شبكة طرق قيل إن إنفاق مئات المليارات عليها سيحوّل مصر إلى نموذج حديث للبنية التحتية. لكن ما جرى الأربعاء ، الماضي ،كان كاشفًا وصريحًا؛ شوارع رئيسية في القاهرة الجديدة تحولت إلى ما يشبه البحيرات، سيارات غارقة، طرق مشلولة، ومواطنون يتساءلون بسخرية: هل نحن أمام شبكة طرق أم مشروع لتجميع مياه الأمطار؟
المفارقة أن هذه المشاهد لم تعد مفاجئة، بل أصبحت طقسًا موسميًا ملازمًا لكل موجة مطر، مهما كانت محدودة. وهو ما يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن لشبكة طرق أُنفقت عليها مئات المليارات منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 2014، أن تعجز عن استيعاب أمطار ساعات قليلة؟
تشير تقديرات رسمية سابقة إلى أن حجم الإنفاق على الطرق تجاوز 700 مليار جنيه خلال أقل من عقد، ضمن مشروع قومي قُدم باعتباره أحد أعمدة "الجمهورية الجديدة". لكن على الأرض، يبدو أن "الجمهورية المائية" هي الأقرب للوصف، مع كل منخفض جوي يمر دون استئذان.
الأزمة لا تتعلق فقط بكميات الأمطار، بل بعيوب هيكلية في التصميم والتنفيذ: تجاهل مخرات السيول الطبيعية، ضعف شبكات الصرف، وغياب معايير الجودة في بعض المشروعات، وهي عوامل تجعل الطرق تنهار وظيفيًا عند أول اختبار حقيقي.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مقارنة تثير الكثير من الجدل: لماذا تبدو شوارع العاصمة الإدارية الجديدة أكثر كفاءة، بل وأفضل تصريفًا للمياه، مقارنة بأحياء راقية مثل التجمع الخامس، رغم أنها الأقدم والأغلى؟
السؤال هنا لا يتعلق بالجغرافيا، بل بالجهة المنفذة. فهل استعان النظام في العاصمة الجديدة بمقاولين "أكثر انضباطًا" ومعايير أعلى، بينما تُركت باقي المدن لشركات تابعة للجيش والهيئة الهندسية، التي توسعت في تنفيذ المشروعات ، والحصول على عمولات بمئات الملايين ،دون رقابة مدنية حقيقية؟
المشاهد القادمة من الدلتا والإسكندرية لم تكن أفضل حالًا؛ شوارع غارقة، قرى معزولة، وتعطل في الدراسة والخدمات. ورغم التحذيرات المسبقة من هيئة الأرصاد، فإن الاستجابة على الأرض بدت أقرب إلى "إدارة أزمة" متكررة، لا إلى بنية تحتية قادرة على الصمود.
وفي الوقت الذي سارعت فيه الأجهزة الرسمية إلى الدفع بسيارات شفط المياه وفرق الطوارئ، بقي السؤال الأهم معلقًا دون إجابة: لماذا نحتاج في كل مرة إلى تدخل إنقاذي، بدلًا من وجود نظام تصريف يعمل تلقائيًا؟
المفارقة الأكثر إثارة للسخرية، أن الدولة التي تؤكد قدرتها على تنفيذ مشروعات عملاقة بسرعة قياسية، تعجز عن حل مشكلة بدائية مثل تصريف مياه الأمطار.
هكذا، لم تكن العاصفة مجرد ظاهرة جوية، بل اختبارًا بسيطًا سقطت فيه شبكة طرق كلّفت خزينة الدولة مئات المليارات. اختبار كشف أن المشكلة ليست في المطر… بل في ما تحته.