تشهد منطقة الساحل الإفريقى خلال السنوات الأخيرة تحولات سريعة فى موازين القوى والتحالفات الدولية؛ ما أعاد تشكيل طبيعة التنافس الجيوسياسى وجعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. فى هذا الإطار، ازداد اهتمام الاتحاد الأوروبى بإعادة صياغة مقاربته تجاه المنطقة، خصوصًا مع تراجع النفوذ التقليدى لبعض القوى الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، مقابل تنامى حضور قوى دولية أخرى، مثل روسيا والصين وتركيا. وحظى هذا التوجه الأوروبى بدفع جديد من خلال زيارة المبعوث الأوروبى الخاص لمنطقة الساحل، «جواو كرافينيو»، خلال شهرى يناير وفبراير 2026 إلى دول تحالف الساحل (AES) - النيجر ومالى وبوركينا فاسو. وتعكس هذه الزيارة إدراك الاتحاد الأوروبى للحاجة إلى مراجعة سياساته السابقة وإعادة بناء شراكات متوازنة وشاملة مع دول الساحل. ولا تقتصر أهمية الزيارة على الدبلوماسية التقليدية، بل تمثل مؤشرًا لتحرك أوروبى أوسع نحو إعادة التموضع الاستراتيجى فى منطقة تعد محورية لأمن واستقرار أوروبا. يتناول هذا التحليل الأبعاد الجيوسياسية للمنطقة ضمن الحسابات الأوروبية، ملامح الاستراتيجية الأوروبية الجديدة فى الساحل، والتحديات المحتملة التى قد تواجه نجاح هذه المقاربة مستقبلًا.
أولًا: الأهمية الجيوسياسية لمنطقة الساحل فى الحسابات الأوروبية تحتل منطقة الساحل موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية لأوروبا؛ إذ تمتد بين الصحراء الكبرى شمالًا والمناطق الاستوائية جنوبًا؛ ما يجعلها حلقة وصل طبيعية بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وقد لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا كممر للتجارة والهجرة والتفاعلات الثقافية. هذا الموقع ذاته جعلها مؤخرًا بؤرة لتحديات أمنية معقدة تشمل تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية وانتشار الميليشيات المسلحة، إلى جانب شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، فى ظل هشاشة مؤسسات الدولة والتوترات العرقية والصراعات المحلية، وهو ما يتيح للفاعلين المسلحين التمدد وزيادة حالة عدم الاستقرار. ولا يقتصر الاهتمام الأوروبى بالساحل على البعد الأمنى، بل يمتد إلى اعتبارات استراتيجية واقتصادية واسعة، لا سيما فى مجال الطاقة والموارد الطبيعية. فموريتانيا تمتلك ثروة بحرية كبيرة واحتياطيات واعدة من الغاز الطبيعي؛ مما يمنحها دورًا مهمًا فى مساعى أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الموردين التقليديين. كما يمثل موقعها الجغرافى مركزًا محوريًا لإدارة الهجرة الأوروبية على طول طريق المحيط الأطلسى الممتد من غرب إفريقيا إلى جزر الكنارى، وتعد موريتانيا الشريك الرسمى الوحيد لحلف الناتو فى منطقة الساحل، من خلال مشاركتها فى برامج بناء القدرات الدفاعية مثل حوار البحر الأبيض المتوسط؛ مما يعكس أهمية استقرارها بالنسبة للأمن الأوروبى. وتلعب الجزائر دورًا رئيسيًا كفاعل إقليمى محورى، بفضل قدراتها العسكرية وخبرتها الطويلة فى مكافحة الإرهاب، إضافة إلى الحدود الطويلة مع دول الساحل التى تجعل استقرار المنطقة مرتبطًا مباشرة بالأمن القومى الجزائرى. وفى الوقت نفسه، تشكل الدول الساحلية فى غرب إفريقيا مثل غانا والسنغال وكوت ديفوار (ساحل العاج)، مراكز اقتصادية وتجارية رئيسية، فهى تمثل بوابات للتجارة الدولية وتستضيف آلاف اللاجئين الفارين من العنف فى الساحل؛ مما يعزز أهميتها فى أى مقاربة أوروبية شاملة تهدف لتحقيق الاستقرار والتنمية فى هذه المنطقة الحيوية. ثانيًا: ملامح الاستراتيجية الأوروبية الجديدة فى الساحل قبل موجة الانقلابات العسكرية عام 2020، اعتمد الاتحاد الأوروبى فى منطقة الساحل على مقاربة أمنية – تنموية متكاملة شملت دعم مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات الجيوش الوطنية عبر بعثات التدريب والشراكات العسكرية، بالتوازى مع برامج التنمية وبناء مؤسسات الدولة. ومع تصاعد الاضطرابات السياسية وتراجع النفوذ الغربى، أعاد الاتحاد تقييم أدواته من خلال استراتيجية جديدة تتكيف مع التحولات السياسية والأمنية المتسارعة، مستفيدًا من خبراته السابقة فى "استراتيجية الأمن والتنمية فى الساحل" عام 2011 و"خطة العمل الإقليمية للساحل" عام 2015، خاصة فى مالى. ورغم الطموحات الأوروبية لتنسيق الجهود ودعم القيادة الفرنسية، واجه الاتحاد صعوبات بسبب التصورات المحلية المرتبطة بالاستعمار وسحب بريطانيا لقواتها عام 2022؛ مما ترك القيادة العسكرية لفرنسا واقتصرت مساهمة الاتحاد على الدعم، وهو ما أتاح لقوى غير غربية، بما فيها روسيا وشركاتها العسكرية الخاصة مثل الفليق الإفريقى (فاجنر سابقًا)، توسيع نفوذها، فى مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسى فى الساحل. تقوم الاستراتيجية الأوروبية الجديدة على عدة ملامح رئيسية: 1. التحول من الاحتواء إلى الحوار المباشر: بعد فترة من سياسة الاحتواء تجاه السلطات العسكرية الجديدة، تضمنت إعادة الانخراط الأوروبى فتح قنوات حوار مباشر وبناء الثقة مع السلطات المحلية، بعيدًا عن الاعتماد على الأطر الإقليمية التقليدية مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس). فقد دفعت تصاعد التهديدات الإرهابية وتنامى الحضور الروسى، إلى جانب المخاوف الأوروبية من تداعيات عدم الاستقرار على الهجرة غير النظامية، بروكسل إلى إعادة الانخراط. وكانت إيطاليا أول من كسر سياسة العزلة فى مارس 2024، عبر إرسال وفد رسمى إلى النيجر لاستئناف التعاون الأمنى والتدريب العسكرى. كما ظلت بعثة الاتحاد الأوروبى لبناء القدرات المدنية فى الساحل (EUCAP Sahel Mali)، نشطة فى مالى، رغم انسحاب فرنسا نتيجة تصاعد المشاعر المعادية لها. 2. دعم مؤسسات الأمن المحلية: تركز الاستراتيجية على التواصل المباشر مع كل دولة على حدة، لتعزيز قدرات قوات الأمن الداخلى (الشرطة – الدرك - وحدات حرس الحدود)، عبر التدريب على مراقبة الحدود، مكافحة الإرهاب، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة. ويُعد نموذج بعثة الدعم الإيطالية فى النيجر (MISIN)، التى تضم نحو 350 جنديًا مدعومين بقرابة 130 مركبة وطائرة، مثالًا عمليًا لهذا التوجه؛ حيث تقدم برامج شاملة فى العمليات الخاصة، والاستطلاع، وحماية الحدود، مع مراعاة حقوق الإنسان وحماية المدنيين لضمان استدامة النتائج. 3. توسيع الشراكات الاقتصادية والتنموية: يسعى الاتحاد الأوروبى إلى توسيع التعاون الاقتصادى مع دول الساحل، من خلال الاستثمار فى البنية التحتية، ودعم التنمية الزراعية، وتحسين فرص العمل للشباب. ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن تحقيقه بالأدوات الأمنية وحدها، بل يتطلب خلق فرص اقتصادية تقلل دوافع الهجرة غير النظامية والانخراط فى الجماعات المسلحة.
ثالثًا: تحديات الاستراتيجية الأوروبية الجديدة تواجه الاستراتيجية الأوروبية فى منطقة الساحل تحديات عدة، تبدأ بالخلافات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبى التى تؤثر على قدرة اتخاذ القرار. فبينما تركز بعض الدول على البعد الأمنى والهجرة، تميل دول أخرى إلى التركيز على التنمية والدبلوماسية؛ ما يؤدى أحيانًا إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار ويحد من سرعة التحرك فى بيئة إقليمية متقلبة. ويشهد الدعم الأوروبى لمنطقة الساحل حالة من الجمود، فى ظل غياب تعهدات مالية جديدة، وتعثر الاتحاد الأوروبى فى صرف نحو 195 مليون يورو من المساعدات المخصصة لدول الساحل الأوسط (مالى، النيجر، وبوركينافاسو). ويأتى ذلك، رغم مساعى ألمانيا للحفاظ على استمرارية الدعم وإصلاح إطار عمل تحالف الساحل (Sahel Alliance)، فى مقابل تردد فرنسا بسبب التوترات الدبلوماسية مع مالى والنيجر. وفى هذا السياق، يُرجح أن تواصل دول الساحل انتهاج سياسة مشروطة فى تعاملها مع الشركاء الأوروبيين، مستفيدة من الانفتاح الأوروبى للضغط على المواقف الفرنسية، لا سيما فى ظل استمرار اتهام باريس بمحاولة إرباك الأوضاع فى المنطقة. ويواجه الاتحاد الأوروبى أيضًا تحديًا فى التوازن بين التزامه بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحاجته للتعاون مع حكومات قد لا تتوافق بالكامل مع هذه المعايير؛ إذ تظل بعض الدول التى شهدت انقلابات عسكرية شركاء مهمين فى مجالات الأمن والهجرة؛ ما يفرض على بروكسل اعتماد سياسة واقعية تسعى للتوفيق بين المبادئ والمصالح. إضافة إلى ذلك، يحد تنامى حضور قوى دولية أخرى فى الساحل من قدرة الاتحاد الأوروبى على استعادة نفوذه السابق؛ حيث باتت دول الساحل تمتلك خيارات متعددة للعلاقات الدولية؛ ما يمنحها مجالًا أكبر للمناورة بين القوى المختلفة. وفى الوقت نفسه، تواجه الاستراتيجية الأوروبية صعوبات مرتبطة بالبيئة السياسية المحلية، التى تتسم بهشاشة مؤسساتية، وصراعات داخلية، وضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها فى المناطق النائية، وهو ما يعقد تنفيذ برامج الإصلاح والتنمية بالسرعة المطلوبة. حاصل ما تقدم، تشكل منطقة الساحل تحديًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد للاتحاد الأوروبي؛ حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية والتنموية مع تحولات جيوسياسية متسارعة وصعود قوى إقليمية ودولية جديدة مثل روسيا والصين وتركيا. بعد سلسلة الانقلابات العسكرية، باتت المقاربات التقليدية القائمة على الاحتواء غير كافية؛ مما يستلزم اعتماد استراتيجية أوروبية جديدة ترتكز على الحوار المباشر، دعم قدرات الأمن المحلية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. يعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على قدرة الاتحاد الأوروبى على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، تنسيق جهوده مع الشركاء الإقليميين، وتعزيز مؤسسات الدولة المحلية لضمان استقرار دائم. فاستقرار الساحل لا يخدم مصالح أوروبا فحسب، بل يساهم أيضًا فى حماية السكان من الإرهاب، الحد من الهجرة غير النظامية، وتعزيز التنمية الشاملة فى المنطقة.
نسرين الصباحى المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية النص الأصلى: https://tinyurl.com/4azf8njz