بعض ما يمر عابرًا ليس عابرًا، بل ربما، بشكل أو آخر، هو جزء من فئة مجتمعية جديدة، أو ربما ليست جديدة، فى الوطن العربى إنما لبست حُلّة مختلفة أكثر «مودرن»، أو ما يسميه البعض ب«الحضاريين»!! مع أنهم لا يعرفون معناها، ككثير من المصطلحات التى انتشرت لأنها «ترند» دون أن يفهم بعضنا ما تعنى. * • • تلك الفئة يليق بها تسمية «صائدى المناصب» أو صائدى الفرص فى رحلة بحث طويلة تنقلهم من ضفة لأخرى، وكلتاهما غير متشابهتين. ومع كثير من التحولات السريعة، من المتوقع أن يفقد البعض بوصلته، أو ربما يبحث عن بوصلة جديدة لا تشبه التى كانت، وكان يمنحها أوصافًا أو مفردات مختلفة جدًا تبدو أكثر سموًا ورفعة، وربما قيمة. * • • يبرز بعضهم فى شكل التعبير عن رأى فى قضية عامة، أو تأييد لموقف أو إجراء، أو حتى لفتة من مسئول صاحب منصب يملك القرار، أو ضمن من يملكون القرار الأهم فى توزيع الغنائم التى تُغلَّف فى شكل مناصب. وهذه الأخيرة ليست حكرًا على المناصب الحكومية أو تلك التى فى الشركات الخاصة الكبرى، بل امتدت لتصل إلى منظمات المجتمع المدنى، وخاصة الأكثر بريقًا منها. * • • تبدو ظاهرة صائدى المناصب اليوم أكثر فجاجة من أى وقت مضى. لم يعودوا ينتظرون الفرصة- بل يصنعونها ويهندسون ظهورهم ويعدّون أنفسهم علنًا كما تُغلَّف البضائع بورق لامع براق. تراهم فى كل مكان: منشور يومى، حدث كبير، على مواقع التواصل الاجتماعى، أو حتى عبر مقال رأى هنا، تعليق سياسى أو اقتصادى هناك، كلمة «عابرة» فى برنامج تليفزيونى، أو وقفة محسوبة فى برلمان أو مجلس معين. كل حركة لديهم مدروسة.. يقولون دون أن ينطقوا: أنا حاضر.. أنا جاهز.. أنا مستعد.. أنا الأنسب!! كل جملة منقوشة بعناية، وكل صورة تحمل رسالة واحدة. * • • صائد المنصب لا يطرح مشروعًا، بل يبنى «سردية شخصية». يقدّم نفسه كخبير عند الحاجة، وكثائر عند اللزوم، وكحكيم توافقى حين تتطلب اللحظة ذلك. ينحاز للفئة الأقرب له ليرضى تلك التى تنظر إليه من بعيد بخوف خُلِق عبر إعلام ومراكز بحثية وخبراء مرسخين ومجندين لهدف واحد: شق الصفوف وتفريقها وتفتيتها أكثر. * • • صائد المناصب يغيّر لغته، بل وتوجهه واهتماماته حسب الجمهور صانع القرار، ويبدّل مبادئه أيضًا حسب اتجاه الريح. لا مشكلة لديه فى أن يكتب اليوم عن العدالة الاجتماعية وهو يحوّرها على الشكل الذى يريد، أما غدًا فيتحول للحديث عن اقتصاد السوق، وبعده عن الأمن القومى أو «الوطن أولًا»، وهو ما ينشده هو المنصب لا الوطن!! يتلوّن ليبقى فى المشهد، بل فى وسط المشهد. * • • يشبهون فى ذلك تلك القصة الشهيرة عن صائد الفراشات الذى لا يرى فى جمالها سوى تثبيتها على لوح للعرض؛ المهم هو الموقع فوق اللوحة. لا تعنيه القضايا إلا كوسيلة، ولا تعنيه المجتمعات إلا كسُلّم. كل شىء قابل للتوظيف، حتى الألم الجماعى. وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت ملعبهم المفضل. هناك يتدرّبون على الخطابة المختصرة، وعلى الجمل الرنانة، وعلى إثارة التعاطف السريع. يتعلمون كيف يمررون «الكرة» لتصيب الهدف، وعبر من يكون ذلك. يراقبون التفاعل كما يراقب التاجر حركة السوق: أى منشور نجح؟ أى رأى جلب الإعجابات؟ أى موقف فتح باب مقابلة إعلامية؟ ثم يعيدون إنتاج الوصفة نفسها. * • • أما المقالات والظهور الإعلامى، فليست تعبيرًا عن قناعة بقدر ما هى استثمار طويل الأمد. كل ظهور يُضاف إلى السيرة الذاتية غير المكتوبة. كل صورة تُخزَّن لليوم الذى تُفتح فيه أبواب التعيينات. حتى الصمت أحيانًا يكون تكتيكًا. وتزدحم بهم المواقع ما إن يقترب موعد لتغيير وزارى أو انتخابات لبرلمان أو مجلس معين، أو مجالس لجمعيات تبدو فى مجملها بعيدة عن وجع وهموم الناس، ولكن لها «بريستيج» فى مجتمع تحوّل إلى أن يضع الشخص ضمن إطار: إما العائلة، أو القبيلة، أو المنصب!!! * • • سيقول أحدهم: ولكن ما المشكلة إذا كان الإنسان طموحًا؟ وهذا حقه، وهم بالطبع على حق. ولكن أن يتحول المنصب إلى هدف لا لتقديم وتقدم لمجتمعه الصغير أو الكبير، ولا حتى للفئة المستهدفة التى مطلوب منه، وهو فى منصبه ذاك، أن يخدمها، بل لنيل «الغنائم» وكسب المنصب الاجتماعى الرفيع فى مجتمعات عربية أصبحت تقدّس المناصب والتسميات بدلًا من الكفاءات والعطاء وغيرها من القيم التى هى أساس لبناء مجتمعات صحية لا مريضة، كما ترينا ملفات إبستين من قباحة وظلم وسقوط فى مستنقع المصالح والشهوات والهيمنة. كاتبة بحرينية