استضافت قاعة "كاتب وكتاب"، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والسبعين لمعرض القاهرة للكتاب، اليوم الخميس، ندوة لمناقشة كتاب "مملكة الله" للكاتب والناقد محمد بدوي، بحضور عدد من الأكاديميين والنقاد البارزين الذين قدموا قراءات متعمقة للعمل، وتحليلا لأبعاد رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ. استهل الكاتب الصحفي نبيل عبدالفتاح حديثه بتناول تجربة نجيب محفوظ، حيث تركز حديثه بشكل خاص على روايته الشهيرة "أولاد حارتنا"، مؤكدا دورها في التعبير عن المجتمع المصري بكل تاريخه وتناقضاته. مرآة الحالة المصرية وأوضح عبدالفتاح أن أعمال محفوظ، بما فيها "أولاد حارتنا"، تمثل مرآة للحالة المصرية، وتكشف عن الديناميات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع، مضيفا أن هذه الرواية جاءت كجزء من محاولة تأسيس شرعية الفن الروائي في مرحلة حرجة من التاريخ المصري. وأشار عبدالفتاح إلى أن محفوظ لم يركز فقط على الجانب الواقعي، بل استخدم الرواية أداة نقدية لفحص التحولات الاجتماعية والسياسية، معتبرا أن أعماله تمثل "تمرينات" لمحاولة لمس تفاصيل المجتمع المصري من خلال الشخصيات والأحداث اليومية، حتى في أكثرها رمزية وتجريبية. وأوضح أن محفوظ ابتعد عن الطرح المباشر للقضايا الدينية والسياسية، لكنه استطاع أن يعكس من خلالها صراعات الإنسان المصري وتفاعله مع السلطة والهوية والذاكرة الجمعية، واصفا الرواية بأنها تستثمر أدوات الفن الروائي لتقديم رؤية نقدية متكاملة للمجتمع، تجمع بين الواقعية والرمزية. رؤية معمقة من جانبه، أكد الناقد سمير مرقس أن كتاب محمد بدوي "مملكة الله" يقدم رؤية معمقة حول فلسفة "التكنيك" وفلسفة الكتابة، ويستكشف الثنائيات التي يحملها العمل الأدبي؛ مثل: الزمان والمكان، الفصحى والعامية، الشفاهية والكتابة، السرد والرواية، والرواية والحكي. وأوضح مرقس أن بدوي يضع في الفصل الأول من كتابه تعريفات دقيقة لهذه الثنائيات، مؤكدا أن رواية محفوظ ليست مجرد نوع أدبي محدد، بل هي أيضا "حكاية الناس" التي تعكس حياتهم اليومية وتجاربهم، مضيفا أن الرواية تحمل انعكاسات للنص الديني على الإنسان في حياته المعيشة، من خلال الأعراف والتقاليد والإرث الثقافي والخبرة التاريخية. وأشار إلى أن هذه المرويات تتجسد في الأفراد ثم تُعاد صياغتها في شكل حكايات شفاهية ينطق بها الناس في حياتهم اليومية، ما يمنح الرواية عمقا وثراءً فكريا. فك الشفرات وأضاف أن هذا الأسلوب في القراءة يدفعنا لإعادة النظر في الرواية بشكل مختلف؛ إذ إن الدخول إليها بهدف "فك الشفرات" التقليدية لمعرفة هوية الشخصيات يضع القارئ في مسار محدود، بينما القراءة المستندة إلى الأفكار التي يعرضها بدوي تمنح المعنى أبعاده الحقيقية، وتوضح متى وكيف يُروى الحدث، ومتى تُستخدم المناورة الأدبية في السرد بما يعكس روح الرواية وعمقها الإنساني. وعبر الناقد طارق النعمان عن إعجابه العميق بكتاب "مملكة الله"، واصفا قراءته له بأنها تجربة مليئة ب "المتعة العقلية والسعادة الفكرية"، وأكد أن الكتاب مختلف بكل معنى الكلمة، ويدفع القارئ لإعادة التفكير مع كل فقرة، بدءً من عنوانه اللافت ووصولا إلى عمق التحليل. كلفتة نقدية وقال إن الكتاب يمثل احتراما حقيقيا لمهنة النقد ووظيفة الناقد، ويعيد الاعتبار لقيمة النقد في زمن أصبح فيه كثيرون ممن يُحسبون على النقد يقدمون قراءات سطحية، وهو ما أسماه "كلفتة نقدية". وتطرق النعمان إلى عنوان الكتاب موضحا أن اختياره لم يكن عشوائيا، بل يحمل حمولة دلالية وثقافية ولغوية على مستويات متعددة؛ فالعنوان ليس توصيفيا للرواية أو إحالة مباشرة إلى "أولاد حارتنا"، بل هو اختيار مفاهيمي وتأويلي يضع السؤال النقدي في مقدمة القراءة، ويحول الانتباه من الأحداث إلى العمق الذي تكشفه الرواية عن الوعي الإنساني. وأوضح أن "مملكة الله" ليست شخصية أو مكانا أو حدثا محددا، بل هي "مفهوم ووعي غير متحقق" يُستدعى لتقويض الواقع ويجمع بين الحضور والغياب، وهو بالضبط ما التقطه بدوي في تحليله لرواية محفوظ.