حوار: أسامة فاروق أفرج الدكتور محمد بدوى مؤخرا عن نص نقدى قصير يقدم ملمحا بسيطا من مشروعه الكبير عن نجيب محفوظ، الذى عمل عليه لمدة تتجاوز نصف القرن. يتتبع فى كتابه الجديد «سردية نجيب محفوظ» بعضا من تجربة محفوظ الكاتب والمواطن. المراهق الذى اشتهر بالمراوغة والحيلة والسرعة فى كرة القدم، ثم قرر فى لحظة ما أن يهب نفسه للكتابة وأن يتخذها حرفة «ستجر عليه التحقير والسخرية، ثم تمنحه المجد». يحكى بدوى عن بدايات تعرف محفوظ على القراءة حتى يصل للأسباب التى دعت شاباً للوقوف فى واحد من محافل الأدب فى نهاية الستينيات ليقول إن نجيب محفوظ يجب أن يموت! بالطبع قوبل قول الشاب بالاستهجان الشديد، بل عُدَّ دليلا على طبيعة الجيل الجديد الذى لا يعرف الوفاء ولا يحسن التعامل مع أساتذته مفتخرا بأنه جيل «بلا أساتذة». يقول بدوى إن الأديب الشاب أعلن عن رغبته فى موت أب محدد هو «الأب الملتهم للآخرين»: محفوظ كان أبا ملتهما، يلتهم الكتب، والأوراق، ويعيد كتابتها، بدأ بالتاريخ الفرعونى القديم، ثم أسهم بنصيب الأسد فى الرواية الواقعية، ثم دلف إلى كتابة «الرواية الأليجورية»، ثم عاد إلى الواقعية النقدية.. إلخ. فهو فى رأيه يلتهم المذاهب، ويهضمها فتتبدى فى كتابته طرائق تخضع للكنته فى الكتابة بحيث يظهر وكأنه يلخص المراحل ويمر فيها ويتجاوزها. لكن من يدرى فربما ما أوغر قلب الكاتب الشاب هو نوع آخر من الالتهام، التهام محفوظ للكُتَّاب الآخرين أنفسهم، الذين فشلوا فى تجاوز الأب الكبير، وظلوا على الدوام أسرى لظله العالى وسرديته الخالدة، وهى الكلمة التى اتخذها بدوى عنوانا لكتابه وشرحها تفصيليا فيما بعد فى اللقاء الذى عُقد بمعرض القاهرة الدولى للكتاب احتفالا بصدوره، فقال إنها تعنى ببساطة حبكة تخلق معنى بعينه وتفارق صاحبها بوصفه وجودا ماديا فى الحياة لتصبح حكاية يتداخل فيها المتخيل بالواقعى والمادى وتصبح دلالة على بطولة ما، أو نمط محدد أسماه «الكاتب بطلا». ولم يكن هذا الكتاب الصغير إلا قمة جبل الجليد، إذ يخفى تحته مجموعة كبيرة من الدراسات أنجزها بدوى بالفعل فى مئات الصفحات لكنه لم يفرج عنها بعد، منها: «مملكة الله 1.. دراسة فى السرد المقدس والسرد الروائى»، و«مملكة الله 2.. دراسة فى ملحمة الحرافيش»، و«مدارات محفوظية» الذى يتتبع محفوظ كمنتج لأشكال روائية وللغة فريدة فى السرد العربى، وغيرها. تمهل بدوى وانتظر كثيرا -ربما أكثر من اللازم- ولم يتسرع فى إصدار الكتب فى مراحل سابقة حتى تكتمل رؤيته لنجيب محفوظ العميق والمراوغ «كان من الضرورى أن أتامل كيف صُنع نجيب محفوظ ككاتب ليكون صوت الجماعة التى تبنته وتعلمت منه واتفقت واختلفت معه، وكانت فى لحظات ما تبدو معاندة له». هنا ننقب معه فى تلك الخبيئة الهائلة ونكشف ما تحويه من أفكار.. مملكة الله بدأت علاقة محمد بدوى الشخصية بنجيب محفوظ عقب هجوم شديد تعرض له الأخير بعد صدور كتاب رجاء النقاش الذى تضمن حوارا مطولا معه، استفزه الهجوم فكتب مقالا عنيفا هنا فى «أخبار الأدب» تحت عنوان «دفاعا عن نجيب محفوظ»، قال فيه إن علاقة محفوظ بثورة يوليو 1952 كعلاقة «راهب كاثوليكى فى دير أرثوذوكسى»؛ كيف يظل قابضا على أفكاره ولا يتحول إلى داعية للمذهب الآخر. قرأ محفوظ العبارة وانتشى وطلب من الناقد حسين حمودة أن يأتيه بكاتبها، ومن وقتها توطدت علاقته بصاحب نوبل. لكن المعرفة الفعلية كانت قبل ذلك بكثير. تلمس بدوى «هيبة محفوظ» من كتاباته حتى قبل أن يقابله فعليا، بالتحديد بعد أن قرأ «الثلاثية» وكان وقتها فى الصف الثانى الثانوى واقعا فى غرام قصص إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله التى كانت متاحة فى سور الأزبكية، لذا يرى أنه بدأ القراءة من بعد نجيب محفوظ.. يقصد تلاميذه الذين كانوا محور رسالته للدكتوراه فيما بعد. استمر بدوى فى متابعة أعمال محفوظ حتى قرأ «الحرافيش» عام 77 تقريبا، يقول إنه كان قد قرأ «ميرامار» قبلها ولم يحبها، لكن الحرافيش كانت شيئا آخر، كانت «ضربة مذهلة» عكف على قراءتها ثلاثة أيام متصلة لم يخرج فيها من المنزل، ولم يعرف بعدها كيف يصف موقفه منها تحديدا: البهجة، الاندهاش، الحيرة فى تصنيفها ومحاولة فهمها. لكنه قرر أن يضيفها فورا للأعمال المرجعية التى يعود إليها باستمرار، وضعها مع الإخوة كارامازوف والجريمة والعقاب. ثم كتب عنها بعد ذلك بسنوات دراسة نشرت بمجلة «فصول» تحت عنوان «مملكة الله»، لكن لسوء حظها لم يقرأها إلا عدد محدود جدا، بسبب نشرها فى فترة تغيير وارتباك إدارى، حيث جاءت الدكتورة هدى وصفى خلفا للدكتور جابر عصفور فى رئاسة تحرير المجلة، فلم يُوزَّع العدد بشكل طبيعى. كان يشعر طوال الوقت بأن مشروع نجيب محفوظ يستحق اهتماما أكبر هو «المشروع الإبداعى الكبير فى الكتابة الروائية باللغة العربية» كما يقول. لذا عاد مجددا ل«مملكة الله» بعد سنوات، ورغم حبه للدراسة وللطريقة التى كُتبت بها إلا أنه شعر بأنها لا تمثل عقله حاليا، وبأن أدواته النقدية أصبحت أكثر نضجا، فقرر إعادة كتابتها. لكن تلك الفكرة ورَّطته فى العودة إلى البداية الأصلية التى سبقت «الحرافيش» وقادت إليها، وكانت تلك البداية فى نظرة هى رواية «أولا حارتنا». عكف على الرواية لمدة 3 سنوات تقريبا، متتبعا شواغل محفوظ عن المقدس الدينى، وقضايا العدالة، والحرية، التى دشنها فيها ثم استأنفها فى «الحرافيش» بشكل مختلف، وكتب دراسة تتجاوز عدد صفحاتها 300 صفحة. أخذت منه مجهودا كبيرا: «اكتشفت أننى يجب أن أضع السرد المقدس فى مقابل السرد الروائى الحديث المتحدر من تقاليد الكتابة الواقعية»، فرغم أن «أولاد حارتنا» ليست رواية واقعية لكن الشكل والأدوات فى نظره متأثرة جدا بالقوانين الأساسية لذلك النوع من الروايات. يرى بدوى أن انشغال محفوظ بالماضى، وبالتاريخ، وبالسرديات عن التاريخ واضح جدا منذ الروايات التاريخية الأولى، كان مشغولا بتأمل كيف نسرد التاريخ والأسطورة، لكنه لم يكن مؤهلا بعد لطرح تلك الأسئلة بالشكل الذى يرضيه هو نفسه، كان فى مرحلة يسميها بدوى «التدريب الكتابى»، يجرب فيها ويبحث عن الطريقة الأمثل والأنسب لاستخدام اللغة، وهى مشكلة أساسية عنده ومعركة يعتبرها بدوى من أهم معارك محفوظ مع الكتابة، مؤكدا على أن ممارسته الإبداعية أوصلته لضرورة الكتابة عن الواقع الذى يعرفه، معتمدا لا على ما يقرأ ولكن على الخبرة الذاتية التى بدت بالشكل الذى رأيناه بعد ذلك فى «القاهرة الجديدة»، و«زقاق المدق»، ووصلت لقمتها فى «الثلاثية». هذه الأسئلة إضافة لتوتر محفوظ الإبداعى قاداه لاقتراح شىء جديد جدا على الكتابة بالعربية، «أن يحكى حكاية العالم من خلال السرد المقدس لدى الديانات الثلاث». حسب تصور بدوى لجأ محفوظ لهذه الطريقة بعد أن تشبَّع بالكتابة الواقعية، فبدأ ينتقل من المحاكاة إلى أدب الفكرة، وكانت «أولاد حارتنا» هى البداية، وهى الخطوة الكبرى الثانية فى أدب محفوظ، وتعمقت بعد ذلك فى «اللص والكلاب» والأعمال التى تلتها. وإن كان السرد المقدس يقدم تصورا للعالم مبنيا على العقيدة، والدعوة، وتثبيت إيمان المؤمن، فإن محفوظ يستلهمه - بعد طول تفكير وتأمل - لمآرب أخرى «بمعنى أن القضية ليست الإيمان والبر والتقوى، وإنما العدالة والحرية والمساواة». ولم تكن هذه الأفكار وحدها السبب فى ظلم الرواية وقت صدوها وإنما طريقة تلقيها نفسها، كما يقول بدوى: المؤسسة الدينية تصورت أنها كتاب فى الدين وهى ليست كذلك، هى عمل تخييلى، لكن المؤسسة السنية لا ترحب بتجسيد الشخصيات المقدسة، نتيجة لهذا منعت الرواية. ساهم فى ذلك أيضا أن «كثيرا من النقاد الملمين بأدب محفوظ لم يكن تكوينهم الفكرى يسمح لهم بتحليل الرواية بشكل جيد، لأنها تحتاج لغوص عميق فى المرويات والسرديات القديمة والمقدسة، وفى ذلك الوقت وبسبب الدعوة للتحديث والإنجاز نظروا إليها نظرة سلبية ولم يهتموا بها». لكنه لا يتوقف كثيرا فى دراسته للرواية عند الأزمة التى خلفتها، يعتبرها «خارج النص»، وليس لديه ما يضيفه فيها، كان لديه ما هو أهم: «كتبت عن النص فى تفاعله مع النص التحتى، أو الموجه، أو المرجعى. وهو الحكايات المقدسة». السؤال الأساسى الذى يبحثه هو: كيف يمكن لكاتب متحدر من تقاليد الكتابة الواقعية أن يتفاعل مع هذه المرويات؟ وهو سؤال فى مهنة الكتابة كما يقول، إجابة نجيب محفوظ عليه كانت «أولاد حارتنا»، وهى الإجابة المتاحة والممكنة فى هذا التوقيت، ثم فى «ملحمة الحرافيش» كان قد وصل إلى مرحلة عالية جدا من النضج وبدأ يقوم بخلط الأوراق حيث «لا وجود لنص مرجعى، وكأن لديه خزانة أسرار يأخذ منها مستعينا بما عرفه وهو يكتب أولاد حارتنا». يبحث نجيب محفوظ دائما عن التجديد والتطوير، منشغلا بفكرة يلخصها بدوى فى أن «الوجود يمكن أن يساوى مملكة الله، ولكن على الأرض»، لذا يرى أنه لو كانت المؤسسة الدينية تحسن قراءة الأعمال لرحبت بأولاد حارتنا «ففيها يبدو محفوظ رجلا مسلما على مستوى رؤية العالم، لكنه ليس من عامة الناس، كان مشغولا بأفكار: الله والخلق والوجود والعدل والظلم والحرية، وهى أفكار وجدت أيضا عند آخرين أتوا من بعده، كصلاح عبد الصبور الذى قال: الإنسان شقى فى مملكة الله». وكان رأى محفوظ واضحا جدا بالنسبة لبدوى، أن هذا الماضى الذى تدينه العقلية الأداتية على أساس التحديث والتغيير، لا ينبغى أن ندينه، بل ينبغى فى لحظة ما أن نستدعيه ليقول لنا كلمة عن الحاضر. وهى الفكرة الأساسية عند واحد من أهم النقاد «اليهود الماركسيين» وهو والتر بنيامين، يلخصها فى أن الماضى يطالب بحق العودة، وأن هناك لحظة يشير إليها هذا الماضى تقدم لنا حلا. الغريب كما يقول بدوى أن نجيب محفوظ لم يكن يعرف بنيامين ولا يظن أنه قد قرأ له «لكنها كانت طريقة محفوظ الوحيدة ليقول فكرته فى وقت غابت فيه الحرية»، وهى فكرة يوتوبية ظهرت أيضا كما يقول فى أعمال أخرى ك «الطريق»، و«الشحاذ»، لكنها فى «أولاد حارتنا والحرافيش» تتجاوز البحث الفردى عن الخلاص. أنا كسول يعتبر بدوى نفسه مدينا لمحفوظ الذى ظل يكتب دون انتظار مكافأة. لذا قضى سنوات منكبا على أعماله، محاولا أن يخلص ما يكتبه عنه من بلاغة نقدية شكلية تعنى باستخدام أحدث المصطلحات، وأنجز بالفعل عدة دراسات أخرى منها: «الكلام المحفوظى» عن الشكل وتقنيات الكتابة، يتتبع فيها قصته مع اللغة من كراسة الإنشاء حتى الأحلام. يقول إنها دراسة أدبية التأويل ليس أساسيا فيها، بل الظاهرة، فاللغة بالنسبة له هى الكتابة، والعكس أيضا «معركة محفوظ مع اللغة كانت مشرفة جدا، فلم تبدأ ناضجة كيوسف إدريس مثلا، بل خاض حربا طويلة حتى يصل إليها». كتب أيضا دراسة عن المعركة التى أثارها كتاب العقاد «فى بيتى»، عن تفضيل الشعر على الرواية، وهى المرة الأولى التى يكتب فيها محفوظ ردا على العقاد أحد المقدسين بالنسبة له، ويعتبر بدوى أن هذه المعركة إضافة إلى مقدمة عادل كامل لرواية «مليم الأكبر» قد «دشنا مفهوم الحداثة فى الكتابة السردية». وهناك دراسة ثالثة يعتبر فيها محفوظ «صائغ السردية المصرية العربية الإسلامية الحديثة من خلال الرواية»، يتتبع فيها كيف تتكون الهوية، وكيف يمرر محفوظ أفكاره، فيقسم نفسه كما فعل فى الثلاثية بين كمال عبد الجواد ورياض قلدس. أسأله لماذا لم تنشر هذا كله؟ فيقول: «أنا أصلى كسول شوية»، لكن الكسل ليس الدافع الأساسى كما يعود ليؤكد، بل كان ينتظر حتى تكتمل رؤيته لنجيب محفوظ الذى لا يكف عن التوتر الإبداعى والتجريب: «كان حتى الثلاثية ملتزما بما أسماه أجرومية الرواية، لكن بدءا من اللص والكلاب بدأ يتحرر منها إلى أن وصل إلى الأحلام وأصداء السيرة.. النصوص القصيرة أو قصائد النثر القصيرة المعتمدة على السرد». سيكون من الصعب بالتأكيد أن ينشر هذا الإنتاج الغزير مرة واحدة، لكنه يؤكد أنه سيدفع أولا ب «مملكة الله» للنشر خلال الأيام القادمة، ثم يفاجئنى بتذكر كتاب آخر اسمه «المصيدة والفرائس» ربما يدفعه للنشر بعده، استمد عنوانه من مقولة محفوظ «يبدو زقاق المدق كالمصيدة»، ويحلل فيه «زقاق المدق» و«اللص والكلاب» كنماذج لقراءة صاحب نوبل. لا يقلل بدوى من الدراسات السابقة عن محفوظ، ولا يرى حتى أنه لم يقرأ جيدا كما يردد البعض، لكنه لا ينفى أيضا أن هناك بعض الدراسات الأكاديمية «البلهاء» تناولت الإبداع المحفوظى، لا يراها أكثر من «تدريبات نقدية» فالنقد فى نظره «عمل إبداعى موازٍ»، لذلك يحاول أن يقلل جدا من استخدام المصطلحات: «ليس لدى أى احترام للطريقة الأكاديمية التقليدية القديمة. أنا أدخل مع النص فى حوار». من ناحية أخرى يرى أن هناك بعض الكتابات الجيدة «أحسنت الإنصات لنجيب محفوظ»، ككتاب لطيفة الزيات الصورة والمثال «يعيبه فقط أيديولوجيته؛ أنها تبحث فى كتابات محفوظ عما يثبت أنه ينتمى للفلسفة المثالية الهيجيلية»، أما بعد نوبل فلم تكتب عنه دراسات جيدة فى نظره «لأنه أخذ شكل البطل لدى المصريين والعرب». يؤكد أن نجيب محفوظ لم يُرَ بوصفه تجربة واحدة لها تمفصلاتها وتغيراتها وتحولاتها، كانت كلها محاولات فردية ككتاب لطيفة الزيات، أو إبراهيم فتحى، أو بعض مقالات محمود أمين العالم، لذا كان يشعر دائما بأنه يجب أن يُقرأ فى ظل الثقافة المصرية الحديثة: «أنا أحاول أن أفعل ذلك»، فبرأيه أن المبدع يقدم معرفة من نوع خاص، وأن أكبر الصياغات وأكملها للوعى بالعالم الحديث قدمها نجيب محفوظ: «لست أشطر ممن قرأوا محفوظ قبلى» يقول، ثم يستدرك: «لكنهم لم يقرأوه بهذا الشكل الذى أقدمه.. أضعه فى سياقه الثقافى والاجتماعى والسياسى، لأن هذا هو مشروعه فى الأصل». قُرأ محفوظ بشكل تقليدى من ماركسيين وإسلاميين وبنيويين وهم أكثرهم سذاجة فى نظره «لأن البنيوية أقل المدارس استجابة لأعماله، ولا تتماشى معه، ربما تصلح فى حالة الكتابة عن المشروع الشعرى لأدونيس مثلا»، لكنه تعامل معه بوصفه نصا وخطابا: «خطاب الثقافة الحديثة المكتوبة بالعربية». وهى الطريقة نفسها التى يجب أن يقرأ بها طه حسين كما يقول. الكاتب الحديث بحسب رؤية بدوى، فنجيب محفوظ وطه حسين فقط هما أصحاب مشاريع كبرى تتصل بالحياة وتأمل الوجود البشرى، لكنه لا يتفق تماما مع مقولة ترى فى مشروع نجيب محفوظ المعادل الخيالى لطه حسين، يقول إن الأخير تفرق فى أجسام كثيرة: لويس عوض، ومحمد مندور، ويحيى حقى، ونجيب محفوظ، وآخرين. لأنه كان فى مرحلة ما يُمارِس الفن والإبداع والدراسة الأكاديمية والتأريخ للإسلام، تقاربت القيم النهائية مع تلاميذه لكن بحد يحافظ لكل منهم على أصالته، بالتحديد نجيب محفوظ يتشابه معه فى مفهوم كل منهما لوظيفة المنتج الأدبى الحديث، أو المثقف الحديث، الذى يجب أن يرث مهمة توجيه المجتمع: «أقصد أنهما من سلالة واحدة هى سلالة الكاتب الحديث». يرى بدوى أن «الهوية ليست شيئا موروثا، بل شيئا نصنعه» ووفق هذه الرؤية قُدمت مشاريع كثيرة لتخيل مصر الحديثة، قدمها طه حسين، ونجيب محفوظ، ويحيى حقى، ويوسف إدريس، حسب فهم كلٍّ منهم لفكرة المثقف الحديث ودوره، وكيف ينتج من التفاعل بين البشر والعصر، والتفاعل مع الموروث أيضا، التخيل الجديد لمصر. لفهم المسألة يقارن بدوى بين كتابات عبد الحميد جودة السحار ونجيب محفوظ: «الأول لم يكن مخلصا للحداثة، كان أميل للتسلف، والتفكير فى العالم بشكل يرده للماضى». لهذا لا يجد بدوى من يمتلك مشروعا مماثلا لطه حسين ونجيب محفوظ، يقول إن لكل منهما مشروعا ولغة وعالما أصيلا لا يختلط بغيره، يتشابهان أيضا فى الدفاع عن الحرية والعدالة والعقلانية، وحتى الاصطدام مع الجماعة فى «الشعر الجاهلى» و«أولاد حارتنا». الاختلاف ربما فى طريقة كلٍّ منهما فى إدارة مشروعة، بالتحديد محفوظ كان يؤمن بأن له دورا محددا هو الرواية، كان قراره هو الإخلاص لها، لم يكن يريد أن يعطل نفسه، بل توفير طاقته للكتابة الروائية ولنظام صارم وضعه لنفسه. يؤكد بدوى بالتالى خطأ أى تفسيرات ارتأت فى اختياراته ومواقفه خوفا من السلطة أو تجنبا لبطشها، يقول إنه شخصية مركبة، يحاول دائما أن يجد ثغرات ليدافع عن نفسه، ويقول ما يريده، علاوة على أن علاقته بثورة يوليو كانت معقدة: «كان هو وتوفيق الحكيم أكبر من أن يُعَاقبا. وكان رأى جمال عبد الناصر أن سلطة يوليو يجب أن تكون ذكية فلا تتعرض لنجومها بعنف». ورغم ذلك حين سأل بدوى نجيب محفوظ عن الفرق بين سعد زغلول وجمال عبد الناصر على اعتبار أنه كان دائما ضد فكرة الأب المسيطر قال محفوظ: «ولكن سعد زغلول أب رحيم». لكن ذلك لم يمنع وقوع محفوظ -رغم حصافته - فى شرك دعاية السلطة، وهو ما يرجعه بدوى لهيمنة صورة البطل الشعبى التى حاذها عبد الناصر فى الوعى المصرى والعربى. فى المجمل كان الخيار الفنى هو الحاكم لتصرفات محفوظ، كان يريد الإخلاص للرواية فقط، كما أنه لم يكن صداميا، والأهم أنه «لم يسعَ إلى مال أو شهرة أو مجد، ولم يكن يريد إلا سلطة الكتابة». لذلك لم يكن أبدا جبانا فى نظر بدوى «كيف يكون كذلك من كتب أولاد حارتنا؟!». فخ الفلسفة فى سياق الحديث عن حيرة محفوظ بين الفلسفة والأدب يقول بدوى فى كتابه الجديد إن الأدب ربما كان الأكثر ملائمة لمحفوظ: «لا بوصفه منتج خطاب فقط، بل بوصفه إنسانا». أسأله عما يعنيه تحديدا فيقول إن محفوظ كان يخشى اليقين القاطع، ودراسته للفلسفة كانت دراسة تقليدية تقوم على أن لكل فيلسوف مذهبا، كهيجل أو ماركس، لكنه كان ينفر من هذا اليقين، كانت لديه حيرة، هو بالنسبة لبدوى «مزيج من الفنان والحكيم الشرقى، وليس الفيلسوف بالمعنى الأوروبى»، فبالمعنى الأخير ينتج الفيلسوف مفاهيم ومصطلحات، ويعيد كتابة التاريخ من خلال نظرته الخاصة، ومحفوظ لم يفعل ذلك، بل أعاد كتابة ألف ليلة وليلة وعمل على استلهام الكتب المقدسة، بل وكتب الشعر ثم تراجع عندما شعر بأنه ليس جيدا. تكوينه إذن أقرب للفنان فى نظر بدوى، إضافة إلى عوامل أخرى كعدم ذهابه لأوروبا للدراسة: «كان مأخوذا بنموذج المفكر عند عباس العقاد، ونموذج المبدع عند طه حسين وتوفيق الحكيم، واستمر الصراع إلى أن حُسِم لصالح الأدب»، وهى نتيجة جيدة فى نظره لأننا كنا سنربح فيلسوفا جيدا لكننا سنخسر مبدعا عظيما. الغريب أن محفوظ لم يضع شواغله الفلسفية فى مقالاته الأولى كما فعل فى رواياته، تفسير بدوى أنه عرف من البداية أن الفلسفة مجرد نظريات تساعد على رؤية العالم، وأدرك بالحدس أنه مؤهل أكثر للأدب: «لاحظ إننا قوم حكائين منذ أيام ألف ليلة وليلة، لدينا تراث هائل، وهى أداة عبقرية للتعبير عن التجربة البشرية فى تعقيداتها وإشكالياتها»، لذلك انتبه محفوظ لتراثه الحكائى الشفاهى الهائل، وتراثه الحديث بدءا من روايات التسلية وانتهاء بكارامازوف ليقول ما يشعر به تجاه العالم من خلال السرد. لم يذهب محفوظ للفلسفة لأسباب أخرى أيضا «طموحة كان أكبر من أن يكون مجرد أستاذ فلسفة، لهذا اختار الأدب الملائم له إنسانيا، فهو يفكر فى العالم كما يفكر السارد، يدرك العالم سرديا». ربط على امتداد الكتاب يربط بدوى بوضوح بين محفوظ وشخوصه، فبرأيه أن المتلقى العارف بنظام التشفير لديه يمكنه دون جهد أن يصله بصاحبه فى الواقع. أقول إنه اتجاه ترفضه بعض المدارس النقدية، لكنه يرد فورا: «لا يوجد كاتب لا يظهر فى أدبه»، ويفسر قوله بالإشارة إلى فرويد فقد كان يبالغ باعتقاده إن كل كاتب يكتب سيرته الذاتية، للوصول لعقد وتكوينات معينة، «أنا لا أفعل ذلك» فهو يستخدم العلاقة بين التخييلى والواقعى باعتبارها علاقة تفاعلية «التخوف من الربط بين الشخص وأحداث حياته يخشى منه فى مدارس نقدية معينة تبحث فى العقد النفسية أو الانتقاص المجتمعى أو استخراج مفاهيم ليست صحيحة»، لذلك يعتبر أن البحث عن فلسفة محفوظ فى رواياته استنادا إلى مقالاته الفلسفية الأولى بمثابة فخ، لاختلاف الأداة، فالربط يحدث فقط لأنه مرتبط بنوع أدب كتبه فى هذا التوقيت. يؤكد فى الوقت نفسه أن الربط يصلح مع كثير من الكتَّاب، إن لم يكن كلهم، فشخصية البطل فى «الزينى بركات» مثلا فى رأيه بها جزء كبير من جمال الغيطانى «هو بطل لم يكن موجودا فى العصر المملوكى بل تم استدعاؤه من العصر الناصرى»، والكاتب وفق رؤيته لا ينقل الواقع، بل يتأمل الآخرين ليعرفهم، وليفعل ذلك لا بد من التخييل «لذلك يقول باختين إن الكاتب يوجد داخل الشخصية وخارجها فى نفس الوقت.. وهو داخلها إنسان وهو خارجها يكون فنانا». تبعية نقدية فى كتابه عن الرواية الحديثة الصادر فى التسعينيات، يقول بدوى فى سياق حديثه عن التبعية الغربية وقراءة النصوص العربية بنظريات غربية غير ملائمة: «إننا نحيا فى إهاب ثقافة فقدت عقلها النقدى». ورغم مرور كل تلك السنوات يرى أننا ما زلنا نعانى من المشكلة نفسها «بل تزيد»!، يقول إن النقد يعانى فى السياق العربى لأنه لا توجد حرية نقدية، والثقافة تتدهور فى كافة المجالات «يوجد أفراد لكن لا توجد سياقات»، بشكل عام يرى بدوى أننا نعيش فى مجتمع لا يحب النقد «الناقد بمعناه الحقيقى يُنظَر له كشخصية كريهة لأنه ينتج خطابا غير تبجيلى، وهى المشكلة الأساسية التى واجهها نصر حامد أبوزيد، أنه لم يكن يريد أن ينتج خطابا تبجيليا للموروث». لذلك يرى أن على الكاتب وعالم الاجتماع والمفكر أن ينشئوا تقاليد تخص ثقافتهم ولا تعادى الثقافة فى العالم، لا أن يأخذوا نماذج غربية جاهزة ويطبقوها حرفيا، يفسر: «مفهوم الطبقة فى السوسيولوجيا الماركسية مثلا كيف يلائمنا وليس لدينا طبقات بالمعنى الأوروبى؟». بالتطبيق على النقد الأدبى فلا يصح فى نظره أن يطبق أحدهم دراسة جيرار جينيت «الجبارة» حول معنى السرد الروائى، على رواية واحدة كالزينى بركات للغيطانى مثلا «هذا تدريب نقدى.. النقد تأويل، إبداع، ولكى تأول يجب أن تبتكر». يقسم بدوى النقاد لفئتين: مبدعين كطه حسين، وعبد الفتاح كليطو، وإبراهيم فتحى، حتى لو لم يعمل كثيرا بالنقد، وتقنيين لا تعنيهم نظرية أو غيرها «خطاباته كناقد فى خدمة أيدلوجيات أو سلطات معينة أحيانا»، يصمت قليلا ويضيف: مع حبى واحترامى لأستاذى الدكتور جابر عصفور فكتاباته المسماة بالتنوير كلها لا علاقة لها بالنقد، فماذا يعنى الإرهاب فى الرواية مثلا؟ هو هنا يفصل بين الشكل والمضمون، ولا يفرق بين الرواية والمقال. فكرة أخيرة عن الجيل لم يكن من الممكن تجاهل سؤاله، وهو المولع بالتجارب الجديدة، عن المشهد الحالى وإن كان يمكن الوقوف على جيل جديد حاليا، فقال إن مسألة تحديد جيل كل 10 سنوات «تبسيط لا يصح»، جيل الستينيات تكون فى نظره نتيجة حالة من التكلس الثقافى، كانت تحتاج لثورة؛ ذائقة جديدة ولغة جديدة، كان الناس فى حالة «وخم» ويشعرون بالاختناق، وحاجة ماسة للتغيير، فخلقوا جيل الستينيات، بعد فترة حاول كل شخص منهم أن يكمل مشروعه ويؤصل عالمه، لكن هذا لم يحدث، «لا يوجد مشروع فردى مكتمل، نتيجة لأسباب اجتماعية، وللظروف الجمالية والثقافية التى عاشوا فيها»، لذلك يقول الآن: «يجب أن نقاوم فكرة الجيل حتى لا يقضى التشابه على الإبداع». أسأله إن كان التقسيم قد أثر على جيل الستينيات، فيقول إنه جعل «آفاق التجربة محدودة» بحيث تقاربت الهموم والشواغل وما يسمى بالذائقة، مما أدى إلى شحوب تقنيات كالفانتازيا على سبيل المثال «أتذكر أن يحيى الطاهر عبد الله كاد أن يجن عندما قرأ مئة عام من العزلة، لأنه كان قد اقترب جدا من هذا الشكل فى الطوق والأسورة والدف والصندوق، لكن ليس بالشكل الذى وصل إليه ماركيز»، كان هذا فى رأيه نتيجة لسياق مشجع وجده الأخير وافتقده يحيى، لأنه لا يوجد وعى مكتمل أو نقاش حول التجربة «كلهم صنعوا مشروعا واحدا كبيرا، ليست مشاريع فردية، والمشاريع الفردية مطلوبة فى الأدب دائما، وهذا لا يعنى أيضا أنهم قلدوا بعضهم». لم يكن هذا السبب الوحيد لدعوته لنبذ فكرة الأجيال حاليا، بل أيضا لدخول عوامل معقدة من خارج الأدب أصبحت مؤثرة جدا، كالتسليع والاستهلاك وهذا لا ينتج فى رأيه إلا أعمالا هزيلة جدا.