بماذا تشعر، عزيزي القارئ، حين تفكر في الإنسان الأول، في اللحظات الأولى، بل الأعوام الأولى على الأرض؟! وقبل الإجابة عن السؤال، أرجوك أن تُجنب ذهنك الصورة التقليدية التي صدرتها الشاشات عن إنسان متوحش، مُجرد من المشاعر، أحدب، يرتدي فراء الحيوانات ويمضي في الحياة، كل ما يشغله هو البحث عن الطعام. دع عنك هذه الصورة، وأغمض عينيك، ودع مشاعرك التي أغرقتها الحياة العملية تعيش تلك الفترة متخيلا إياها، وإن استطعت، فحينها حتما سوف تشعر بالوحشة، ولكننا لا نتحدث هنا عن وحشة الحرمان من كل هذا الترف المحيط بك، بل نتحدث عن وحشة الغربة والجهل بكل شيء من حولك، بالمعاني والأسماء، بأنك كنت تملك كل شيء، وفي لمح البصر لم تعد تعرف أي شيء. أنت وحيد، بلا ذاكرة جمعية أو فردية عن الأشياء والبشر، بل الكون من حولك، بالرغم من أنه ملك يديك، لكنك لم تزل لا تدرك معنى القيمة وأحقية التصرف وكيفيته، والأهم سؤال وحيد يدور في ذهنك يؤرقك: ماذا إن فعلت كذا؟ هل يترتب على ذلك طرد آخر كما حدث سابقًا، وإذا بي في قلب هذا العذاب؟ أم أن هذا الطرد كان منتهى العذاب وغايتي؟! والآن، سواء استطعت أن تشعر بكل ما سبق وتستوعبه أم لا، فقد استطاع الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله أن يضعك في هذه الحالة ويجعلك جزءا من هذا العالم الغريب، ليطرح ويجيب ما بين السطور عن الكثير من الأسئلة، وذلك من خلال أحدث أعماله الروائية «كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر»، التي صدرت منذ أيام في طبعة مصرية مشتركة عن دار الشروق والدار العربية للعلوم ناشرون. تبدأ أحداث الرواية بالومضة الأولى لعقل بطل الرواية، البطل الأول على الإطلاق، صاحب الرواية الأولى قبل أن يكون هناك حكايات وروايات وحبكات وتوقعات، دون خبرة أو ذاكرة، الإنسان الذي وقع في إشكالية خلقت حبكة لم تنته حتى الآن، وبالطبع لم يكن يدرك أن الأمر سوف يتطور إلى هذا الحد، ولكن هذا ما حدث. يتلمس هذا البطل العالم من حوله، وسرعان ما يدرك أنه طُرد. كان محاطا برفاهية ما، وها هي انتهت إلى الأبد، لتبدأ أولى مشكلات الإنسان على الأرض حين عرف الشعور بالحرمان قبل أن يدرك المعنى وكيفية وصف هذا الإحساس. كما أدرك أيضا أنه أمام التحدي الأول، وهو البحث عن طريقة تعيده إلى الفردوس المفقود، ولسخرية القدر، بعد كل هذه السنوات، ما زال الإنسان الحديث يفكر فيما حُرم منه ويبحث عن الطريقة المثالية للوصول إليه. الفارق بينه وبين أبيه الأول أنه كان يعرف ما حُرم منه، وبالتبعية لديه مبرر للبحث عنه، لكننا الآن نسعى فقط بوعي الحرمان والفضول، ولا يهم أبدا إن كان ما نبحث عنه ذا قيمة حقيقية أم لا؟! وهنا يتساءل البعض حتما: ما هذه التساؤلات؟ أين عالم الرواية وأحداثها؟ أهكذا تبدأ الرواية؟ نعم، تدخلك الرواية في مضمار أحداثها وأفكارها منذ الكلمة الأولى، فكيف تقدم لحياة كانت بلا مقدمات، وزمن بلا زمن، بلا تعريف، فالإنسان لم يكن يعرف نفسه، ولم يوجد بعد من يعبر عنه كما يحدث معنا الآن. وبالرغم من ذلك، يقدم نصرالله صورة كاملة، وقد يظن البعض أنه خرج من طوق القضايا التي ظل لسنوات يكتب عنها وتحولت إلى مشروعات روائية معروفة، لكن مع تتابع السرد الروائي إذا بنا أمام المنبع، أمام نقطة بداية تلك المشروعات، فمن هنا بدأت مشكلات الإنسان بالبحث والتساؤل والفضول. تستمر رحلة آدم ما بين البحث عن حواء التي لم يعرف هل طُردت هي الأخرى، وإن حدث ذلك، فهل يمكن أن تتبعه أم أنها في مكان آخر، وكيف السبيل إليها، وهل تبحث عنه هي الأخرى؟ وهنا تبدأ رحلة حواء، الخط الروائي الموازي لرحلة آدم، وهنا يضرب الكاتب بمعول كافة التخيلات والحكايات التي وحدت رحلتهم على الأرض منذ اللحظة الأولى، فقد سبق آدم حواء إلى الأرض، واختلف مفهوم حواء للأرض تمامًا، وكان لها رحلة أخرى متفردة، كانت تخشى أن تنتهي باللقاء، على العكس تماما من آدم. ولكن كيف حدث ذلك؟ تكمن الإجابة بين صفحات الرواية التي تدعم ذلك بمنطق وصورة لا يمكنك أمامها سوى التسليم لها والانخراط فيها. وبين يوميات آدم وحواء قبل اللقاء يأتي تحد آخر للرواية: فكيف استطاع نصرالله أن يُجرد نفسه من رفاهية العالم الذي يعيش فيه في العصر الحالي، ويذهب بنفسه، ثم بالقارئ، إلى هذا العالم وكأنه لم يعرف غيره في يوم من الأيام؟ وهذا ما يتأكد مع كل كلمة تقرؤها، وكل موقف تشاهده أمامك بين صفحات الرواية، بالرغم من أنك تقرأها وأنت مستلق على أريكتك، بين عالمك الآمن، أو هكذا تظن. والإجابة هنا تأخذنا إلى تحد آخر، فبالرغم من أنك تقرأ وأنت بالفعل تعيش المستقبل البشري المتحضر، لكنك بالرغم من ذلك لا يمكنك أن تتخيل ما هم مقبلون عليه، ولا يمكنك الفكاك من قبضة الفضول والدهشة التي تستولي عليك وأنت تقرأ عن شيء تكتشف في النهاية أنك تعرفه، وكيف لم تستطع أن تتوقعه. وهنا نقطة قوة الرواية وتفردها: أن تُحدثك عنك دون أن تعلم أو تتخيل، وكأنه ليس عالمك ولم يكن في يوم من الأيام. تتورط في الحدث، تشعر بالراحة وبالخوف والجوع، وتدرك مدى الألم على حقيقته، لا تصورا لحظيا فقط. وبالوصول إلى هذه النقطة، أو بالأحرى حين ندركها، ترى أمامك كيف يستطيع الناس في أقاصي العالم، الذين يتنعمون بكل الرفاهية، أن يخرجوا في مظاهرات أو في أساطيل إغاثة، مغامرين بأمنهم وسلامتهم، فقط من أجل دعم قضية ما لأناس لم يعرفوهم ولن يلتقوا بهم في يوم من الأيام. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للفطرة الإنسانية البدائية السليمة التي يتحلى بها البعض، فالأمر لا يحتاج إلى معايشة أو معرفة، يكفيك فقط أن تشعر، ويكفي أنك إنسان. وتلك المقارنة ليست وليدة إدراك لما وراء الأحداث فقط، فقد استشهد الكاتب ببعض القضايا المعاصرة المدوية التي وقف العالم مكبلًا أمامها، في حين عاشها الجد الأول وحاول أن يتغلب عليها، ولسخرية القدر منا، استطاع أن يفعل ذلك وهو لا يملك من سلاح سوى فطرته. ومع استشهاد الكاتب بالتحول الذي حدث للشيء والشعور البدائي في المستقبل، يعقد مقارنة لا تتعدى الأسطر: هل كانت حياة آدم وحواء بدائية، أم ما نعيشه الآن هو البدائي؟ وهنا يتجلى معنى آخر، أن نصرالله حين تجرد من رفاهية العالم وذهب إلى نقطة البداية، لم يصطحب معه سوى القضايا الإنسانية التي لم تشغل الإنسان المتحضر سوى أيام، بالرغم من أن تلك المشاعر هي الرابط الوحيد بينه وبين الإنسان الأول. وبنهاية الأحداث، أو بالأحرى أسطر الرواية، فحكاية آدم ما زالت بلا نهاية، وكلما طالت رحلته على الأرض اشتد تورطه وزاد حرمانه وبؤسه، وكثرت الأسئلة والمعاني، لتشعر في نهاية كلمات الكاتب وكأنه يقول: يا آدم، لا تحزن، فلا شيء قد تغير، بل إن وحشة حياتك كان لها مبرر سماوي وأرضي منطقي يعينك على تحمل الحياة، لكن هنا أين المبرر؟! فالبشر كل ما يخشونه هو الخسارة، خسارة المكاسب لا المشاعر الإنسانية، التي كان كفاح أبيهم الأول ومأساته في كيفية وصفها والتعبير عنها، لتدرك، عزيزي القارئ، أن الأشياء لا تختلف باختلاف موقعك أو مكانك أو زمنك، تختلف فقط حين يختلف مفهومك لها بالأحرى حين تلوي عنق منطقها وفقا للمرللمبررات، حينها تتبدل طبيعتها، فتصبح كل الأشياء الجميلة قابلة للكسر، لأنها قابلة للتغيير وفق المنطق الجديد للعالم.