وسط توقيت يتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير، صدر مؤخرًا كتاب «جحر الديب – التاريخ السري لأرض المتحف المصري الكبير» للباحث والكاتب سامح فايز، من إصدارات دار أطياف، في عمل يتجاوز التعريف بالمشروع القومي إلى طرح سؤال أعمق حول الهوية والمكان، من منظور تاريخي واجتماعي يركّز على الأرض التي احتضنت المتحف قبل أن تتحول إلى واجهة عالمية. الكتاب لا يتناول المتحف بوصفه مبنى أثريًا أو إنجازًا هندسيًا فحسب، بل يضعه في سياق تاريخي أوسع، باعتباره ذروة مسار طويل من التحولات التي شهدتها منطقة غرب الجيزة، وتحديدًا زمام كفر غطاطي ومحيطها، عبر آلاف السنين. وصولا إلى العصر الحديث حين احتضن زمام القرية أرض المتحف. وينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن فهم أي مشروع حضاري كبير لا يكتمل دون فهم تاريخ المكان الذي قام عليه، وسكانه، وأنماط حياتهم، والذاكرة التي تشكّلت فيه. يعتمد الكتاب على منهج يجمع بين الوثائق الأرشيفية، والخرائط التاريخية، والمراجع المتخصصة، إلى جانب الذاكرة المحلية والشهادات الشفوية، في محاولة لكتابة تاريخ ظل خارج السرد الرسمي، رغم حضوره الفعلي في تشكيل المجال الاجتماعي والعمراني المحيط بالقاهرة. ويقدّم قراءة زمنية تبدأ من الاستيطان البشري المبكر في غرب الجيزة، مرورًا بالتحولات الزراعية ونظام الوسية في العصر الملكي، وصولًا إلى التغيرات السياسية والاجتماعية في العقود الأخيرة. ويتوقف الكتاب عند قضايا مثل الدين الشعبي ودوره في الحياة اليومية، والعلاقة بين الأرض والسلطة، وتحولات المجال العام المحلي، إضافة إلى تحليل دور الصورة والسينما في إخراج المكان من العزلة الرمزية، قبل أن يصبح جزءًا من التخطيط القومي. ويرى المؤلف أن هذا الحضور البصري أسهم في جعل المكان قابلًا للتخيّل، ثم للإدراج ضمن مشروع أكبر، دون أن يكون هو صانع القرار. وعلى خلاف كثير من الدراسات التي تبدأ بالمتحف وتنتهي عنده، يضع «جحر الديب» المتحف المصري الكبير في نهاية السرد، بوصفه نتيجة لمسار طويل من التحولات، لا قطيعة مع ما سبقه. ويناقش كيف أعاد المشروع تعريف العلاقة بين المكان والدولة، وبين الذاكرة المحلية والخطاب الوطني، دون الوقوع في خطاب الإدانة أو التمجيد. ويطرح الكتاب، في جوهره، تساؤلًا يتجاوز حدود المكان: كيف تُبنى الهوية الوطنية؟ وهل تقتصر على الرموز الكبرى والمشروعات العملاقة، أم تتشكل أيضًا من طبقات التاريخ غير المرئي، ومن حكايات الأماكن التي ظلت طويلًا في الهامش؟ وفي هذا المعنى، يأتي صدور الكتاب متقاطعًا مع لحظة افتتاح المتحف، لا بوصفه تعليقًا على الحدث، بل بوصفه محاولة موازية للتفكير في ما وراءه.