عيسى ثلجية كاهن رعية الروم الأرثوذكس في بيت لحم: - ما زلنا باعتبارنا فلسطينيين نفتقر إلى الحرية والعدل وكرامة الإنسان في هذه الأرض المقدسة - بيت لحم ما زالت محاطة بالبوابات العسكرية التي تحد من حرية العبادة والحياة الطبيعية - أتمنى أن تعود بيت لحم إلى عهدها القديم مدينةً للسياحة والسلام من قلب ساحة كنيسة المهد التاريخية، حيث تختلط رائحة البخور بصوت الطبول، يقف الأب عيسى ثلجية كاهن رعية الروم الأرثوذكس في مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربيةالمحتلة، يتأمل المشهد الذي غاب عن مدينته لعامين كاملين، جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية. ومثّلت عودة الاحتفالات إلى ساحة كنيسة المهد هذا العام حدثًا استثنائيًا لأبناء المدينة، بعد فترة طويلة من الركود فرضتها الحواجز العسكرية وتداعيات عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية التي بدأت في 8 أكتوبر 2023. فبينما استعادت الفرق الكشفية استعراضاتها التقليدية، وأُعيد نصب شجرة الميلاد لتضيء المكان من جديد، بدا المشهد وكأنه محاولة جماعية لانتزاع لحظة فرح من قلب واقع سياسي وإنساني بالغ القسوة. ووسط المشهد الاحتفالي، يقول ثلجية في مقابلة مع الأناضول: "بعد عامين من الحروب والمعاناة، نشعر فعلاً أن رؤية بيت لحم تعيش هذه الفرحة من جديد هو إنجاز حقيقي". وأضاف: "نشاهد الكشافين يملؤون الساحة، ونرى البطاركة يدخلون تباعًا إلى كنيسة المهد، واحدا تلو الآخر، وهذه هي الأجواء التي كنا ننتظرها". ويستدرك قائلا: "لكن فرحتنا اليوم مغمّسة بالحزن. فما زالت الأوضاع الصعبة التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة مستمرة، وما زلنا باعتبارنا فلسطينيين نفتقر إلى الحرية والعدل وكرامة الإنسان في هذه الأرض المقدسة". ويتابع: "صلاتنا في هذا العيد تنطلق من مكان مولد السيد المسيح، الذي انبثق نوره لكل العالم، لعل الرجاء والمحبة والأمن والسلام والكرامة والحرية تعم فلسطين. وهذا رجاء كل إنسان فلسطيني، مسيحيًا كان أم مسلمًا". وبيت لحم مدينة تاريخية تكتسب قدسيتها من وجود "كنيسة المهد" التي أقيمت فوق مغارة، يُعتقد أن السيدة مريم بنت عمران عليها السلام، وضعت طفلها عيسى عليه السلام فيها. وتعد بيت لحم مركزا روحيا وسياحيا يقصده الحجاج المسيحيون أواخر ديسمبر من كل عام، احتفالا بعيد الميلاد، ويزورون كنيسة المهد. ** مدينة محاصرة وعن المقارنة بين معاناة المسيحيين اليوم وما عاشه السيد المسيح، يقول الكاهن الأرثوذكسي: "بالتأكيد يمكن المقارنة. قبل ألفي عام، ومع ولادة المسيح على هذه الأرض، كانت هناك معاناة حقيقية وفقر، إضافة إلى الاحتلال الروماني. وحتى التاريخ يذكر أن هيرودوس قتل 14 طفلاً من بيت لحم في تلك المرحلة". ويوضح: "حين نتذكر ذلك، نفهم أن التاريخ يعيد نفسه، لكن رسالتنا أننا نريد للحياة أن تعود سلامًا وعدلاً وأمانًا، لا خوفًا وحصارًا". ويتطرق ثلجية إلى تأثير القيود الإسرائيلية على المدينة المقدسة قائلاً: "بيت لحم ما زالت محاطة بالجدار والبوابات العسكرية، وهذه الجدران تضيق على كل إنسان في تنقله، وتحد من حرية العبادة والحياة الطبيعية". ويضيف: "الخوف ينعكس كذلك على السياحة. كثير من السياح والحجاج لم يعودوا يأتون إلى بيت لحم كما في الماضي، ما يحرمنا من مشاركتهم فرحة الميلاد، ويزيد من معاناتنا الاقتصادية والسياحية". ومع ذلك يشدد الكاهن على صمود الوجود المسيحي في فلسطين قائلاً: "رغم كل الظروف، المسيحيون صامدون على هذه الأرض المقدسة". ويستطرد قائلا: "نحتفل بالأعياد، لكن في القلب غصة؛ غصة الاحتلال، والظروف الاقتصادية الصعبة، وحزن غزة. ومع ذلك سنبقى واقفين حتى نعيش الحرية الحقيقية والسلام العادل". ** الفرحة والأمل وعن نصب شجرة الميلاد في ساحة المهد هذا العام، يقول ثلجية: "اليوم نشاهد الشجرة تتلألأ من جديد، ونرى الفرق الكشفية تستقبل المواكب، والأطفال يركضون فرحين. أنا أكون سعيدا جدا حين أرى الأطفال سعداء، فهذه هي الفرحة الحقيقية التي نريدها لبيت لحم ولكل فلسطين". ويختم حديثه مع الأناضول بالدعاء أن "تكون رسالة الميلاد هذا العام نابعة من القلب، وأن تتجه أنظار العالم إلى بيت لحم مرة أخرى، كي نشعر مع بعضنا البعض كإخوة يعيشون بمحبة حقيقية على هذه الأرض"، على أمل أن تعود المدينة – كما قال – "إلى عهدها القديم مدينةً للسياحة والسلام". وللمرة الأولى منذ عامين، نصبت بلدية بيت لحم شجرة الميلاد في قلب الساحة، بعد انقطاع فرضته تداعيات حرب إسرائيل على غزة واعتداءاتها على الضفة. وقالت البلدية في بيان سابق إن نصب الشجرة هذا العام يمثل محاولة لإعادة الروح إلى المدينة التي تضرر قطاعها السياحي بشدة جراء حرب الإبادة في غزة. وتزينت بيت لحم بحُلّة الميلاد؛ فالشجرة اتشحت بالقناديل والأنوار الملوّنة، بينما عملت البلدية على تزيين الشوارع والأزقة التاريخية لاستقبال المواكب الدينية القادمة من القدس وباقي المدن الفلسطينية. يذكر أن احتفالات الطوائف المسيحية التي تعتمد التقويم الغربي، تبلغ ذروتها بقداس منتصف ليل (25/24 ديسمبر) في كنيسة المهد، فيما تحتفل الطوائف التي تعتمد التقويم الشرقي في 7 يناير. وخلفت الإبادة الإسرائيلية في غزة أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، مع تكلفة إعمار قدرتها الأممالمتحدة بنحو 70 مليار دولار. ومنذ اندلاع حرب الإبادة بغزة في 8 أكتوبر 2023، صعد جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة الغربية، بما فيها القدسالشرقية، ما أسفر عن استشهاد 1105 فلسطينيين، وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة لاعتقال أكثر من 21 ألفا.