هناك أوجه شبه كثيرة بين مسارات دول أمريكا اللاتينيّة والدول العربيّة. إن كلتا المنطقتين عرفتا استعمارا خارجيا مباشرا، وقامت فى كلتيهما حركات تحرّر وطنيّة جمعت بين السياسة والمقاومة المسلحة كى تحصل على الاستقلال. كما واجهت دول فى كلتا المنطقتين تحديات بناء هوية وطنية بعد الاستقلال. وعانت بلدانهما من تدخلات خارجية ملحوظة بعد الاستقلال، خاصة لأن اقتصاداتها بقيت تعتمد أساسا على الموارد الطبيعية، أى النفط الخام والمنتجات الزراعية. وبقيت التنمية الاقتصادية فى كلتيهما غير متوازنة، مع فجوات اجتماعية كبيرة. وشهدت المنطقتان عدم استقرار سياسى وانقلابات عسكرية وصراعات.. وما زالت. بل هناك ترابط اجتماعى بين المنطقتين نتيجة الهجرات الكثيفة التى جرت منذ منتصف القرن التاسع عشر من بلاد المشرق العربى نحو أمريكا اللاتينيّة، بحيث نشأت جاليات عربية (مع أنها غالبا ما تدعى «تركية» فى العاميات المحلية لأنها أتت خلال الإمبراطوريّة العثمانيّة) عملت مبكرا فى التجارة والاستثمار، وكثيرا ما تجمعت حسب طوائفها ومناطقها الأصلية، رغم اندماجها الكبير محليا، وأنتجت نخبا وصلت إلى مراكز متقدمة فى السياسة والاقتصاد. هكذا تمركز الكثير من المسيحيين والموارنة اللبنانيين فى البرازيل، وبينهم جد كارلوس غصن، الذى أثرى بزراعة أشجار المطاط قبل أن يبدأ حفيده حياته فى صناعة الإطارات الفرنسية. وتمركزت جالية فلسطينية كبيرة فى تشيلى، وبرز بينهم كارلوس يازجى من بيت لحم وأنطونيو سعيد، اللذان بنيا إمبراطوريتهما فى صناعة النسيج. أما الأرجنتين فقد عرفت رئيس دولة من أصول سورية، كارلوس منعم. فى حين برز كارلوس سليم الحلو فى المكسيك، وأصوله من زحلة، ليصبح أغنى رجل فى البلاد ويهيمن على مجموعة شركات كبرى، خاصة فى الاتصالات والبناء والمصارف. • • • لقد انخرطت الجاليات العربيّة فى مجتمعات بلادها، وحوّل كثير منها أسماء عائلاتهم إلى أسماء لاتينيّة. وعرفت داخلها ذات الانقسامات الاجتماعيّة التى ولدتها الفجوات الكبيرة فى أمريكا اللاتينيّة. هكذا برز شفيق حنظل، ذو الأصول الفلسطينيّة، قائدا تاريخيا لجبهة فارابوندو مارتى الثورية فى السلفادور. وكذلك المناضل النقابى إلياس لافيرتى فى تشيلى، والمناضل خوان لويسيونيس فى الأرجنتين، الذى ذهب ضحيّة «الحرب القذر» الداخليّة لديكتاتوريّة أوغستو بينوشيه.. وغيرهم كُثُر. لكنّ الأزمنة الحديثة عرفت انقسامات داخل هذه الجاليات العربيّة على أسس طائفيّة، خاصّة مع موجة الهجرات الجديدة. ففى فنزويلا، التى شهدت تجدّداً للهجرات المشرقيّة مع فورتها النفطيّة، انقسمت الجاليات ذات الأصول العربيّة (التى تقدر بحوالى مليون بين 28 مليون فنزويلى) فى اصطفافاتها تجاه الحركة البوليفارية وهوجو شافيز، انطلاقا من خلفيّاتها الاجتماعيّة المحليّة، ولكن أيضا بناء على خلفيّات طائفيّة. فمع قلتهم نسبة إلى المهاجرين المشرقيين المسيحيين، اصطف أغلب الشيعة والدروز مع شافيز. هكذا كان طارق العيسمى، المنحدر من عائلة من السويداء فى سوريا، بين قادة الحزب الاشتراكى الموحّد، ونائبا للرئيس ووزيرا للنفط. ولعبت أصوله دورا فى زيارات هوغو شافيز إلى سوريا فى الألفيات بحثا عن تحالفات مناهضة للسياسات الأمريكية، وتمّت تحيّته فى السويداء على أن فنزويلا هى… «فنزسويدا» (!). واتّهمت الولاياتالمتحدة أيضا طارق العيسمى بالفساد وتجارة المخدّرات، وأدرجته على قوائم المطلوبين. • • • اللافت فى الحركات السياسيّة فى أمريكا اللاتينيّة أنّها بدأت باكرا بدعم من الولاياتالمتحدة من خلال «مبدأ الرئيس ترومان» عام 1823، لمواجهة الاستعمار الإسبانى والبرتغالى، وطموحات القوى الاستعماريّة البريطانيّة والفرنسيّة، واعتبار هذه المنطقة مجال نفوذ حصرى للولايات المتحدة. لكنّ هذه الأخيرة خاضت، رغم ذلك، حروبا مع المكسيك وإسبانيا، واحتلت هى أيضا عدّة دول فى القارة الأمريكية. ثمّ تحولت فى بداية القرن العشرين، مع الرئيس ثيودور روزفلت، إلى «سياسة العصا الغليظة» لتبرير تدخلات عسكرية مباشرة داخلية فى القارة «لحفظ النظام»، تعززت بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الرئيس هارى ترومان، لمناهضة النفوذ الشيوعى والاتحاد السوفيتى حينها والحركات الاجتماعيّة، عبر الانقلابات العسكريّة والإقراض المالى وحتى الغزو العسكرى، كما حدث فى كوبا ونيكاراجوا وبنما. لتصل حاليا، مع دونالد ترامب، إلى سياسات العقوبات الاقتصاديّة لمنع قيام أى نظام حكم ذى استقلالية فى سياساته الخارجية، حتى لو تم انتخابه ديموقراطيا، وكبح أى نفوذ صينى. ولم تأبه الولاياتالمتحدة فى سياساتها هذه لا بمنظومة الأمن العالميّة التى قامت مع إنشاء الأممالمتحدة، ولا بالفظائع التى ارتكبتها الديكتاتوريّات أو الميليشيات الموالية لها. فهى كانت، وما زالت، تعتبر أمريكا اللاتينيّة... «حديقتها الخلفيّة». لقد اعتمدت الولاياتالمتحدة سياسةً مماثلة فى البداية مع البلدان العربيّة، والشرق الأوسط عموما، عبر «مبدأ الرئيس وودرو ويلسون» عام 1918، الذى دعم الاستقلال السياسى لجميع الشعوب تجاه الاستعمار الأوروبى التقليدى، ما وضع أسس إنشاء «عصبة الأمم». ثمّ عملت على إبعاد القوى الاستعماريّة الأوروبيّة عن المنطقة، كما فى موقفها خلال حرب السويس عام 1956، أو فى دعمها لاستقلال الجزائر. لكنّها عملت هنا أيضا على إرساء هيمنة مباشرة عبر الانقلابات العسكريّة، والسيطرة على القائمين على السلطة، ونشر القواعد العسكرية، وكذلك العقوبات الاقتصادية، ولكن مع خلفية خاصة مقارنة مع أمريكا اللاتينيّة، وهى دعم إسرائيل كقوة مهيمنة على المنطقة، ليصل الأمر إلى احتلال العراق بحجّة مختلقة عن حيازته أسلحة دمار شامل. هكذا أضحت البلدان العربيّة اليوم هى أيضا... «حديقة خلفيّة» للولايات المتحدة، تعمل على ضبط إيقاعها، وعلى توزيع نفوذ القوى الإقليميّة الصاعدة – وجميعها، بالمناسبة، حليفة للولايات المتحدة – على الدول التى أضحت هشّة، مثل السودان واليمن وسوريا وليبيا. • • • الإشكاليّة اليوم أنّ السياسة الأمريكيّة، خاصة مع الرئيس دونالد ترامب، لم تعد تستطيع أن تستند إلى أى معايير إنسانية أو «أخلاقيّة». لا معيار سيادة الدول، فها هى تعتقل رئيس دولة فى بلاده – فنزويلا اليوم – بعد حملة عسكريّة كثيفة. ولا معيار الديموقراطيّة ونشرها، فها هى تدعم نظما استبدادية صراحة، وتساهم فى التلاعب عبر التمويلات ووسائل التواصل الاجتماعى فى الانتخابات. ولا المعايير الإنسانيّة، فها هى تستخدم العقوبات الاقتصادية ولا تأبه بأثرها الكارثى على معيشة وتماسك شعوب البلدان المعنيّة. ولا معايير التساوى فى المواطنة، فهى تستخدم التفرقة الإثنيّة والطائفيّة كما كانت لعبة الدول الأوروبيّة فى القرن التاسع عشر. ولا حقّاً بمكافحة المخدّرات، حيث تتناسى دور أجهزتها فى نشر هذه الآفة (مثلا فى لبنان بعد الحرب العالميّة الثانية)، وتتغاضى عن الدول الحليفة التى تزرعها وتصنعها. وليس أيضا بحجّة مكافحة الإرهاب، فها هى تتلاعب بمنظّمات متطرّفة إرهابيّة فى أفغانستان وغيرها، وتستخدمها حسب الحاجة. ما حدث فى فنزويلا مفترق طرق فى العلاقات الدوليّة، مثلما كان غزو العراق. سيكون له أثره الكبير، ليس فقط على دول أمريكا اللاتينيّة، بل أيضا على الدول العربيّة، وغيرها حتى فى أوروبا. درس بليغ أن هذه القوة العظمى لن تتورع عن أى شىء لتنفيذ ما يخدم مصالحها، أو بالأحرى مصالح نخبتها الضيقة. يبقى الأمل معقودا على نهوض حركة اجتماعية فى الولاياتالمتحدة ذاتها، حركة تعتمد معايير إنسانية وأخلاقية واجتماعية، كما قامت حركات اجتماعية فى دول أوروبا الاستعمارية، حركات ساهمت هى ذاتها فى تقويض الاستعمار، وفى دعم حريّة الشعوب التى تم استعمارها. رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب